Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التوجه إلى المدينة

الكاتب

فضيلة الإمام الأكبر الدكتور: محمد الفحام

التوجه إلى المدينة

شكلت الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة فجرًا جديدًا للأمة، حيث تحول الإسلام فيها من مرحلة الاستضعاف والصبر بمكة، إلى مرحلة التمكين وبناء الدولة القائمة على قيم الحب، والتكافل، والأخوة الإيمانية الراسخة.

التوجه إلى المدينة

بعد صلاة الجمعة ركب الرسول -صلى الله عليه وسلم، على راحلته متوجهًا إلى المدينة، وكان كلما مر على دار من دور الأنصار دعوه إلى الإقامة لديهم قائلين: هلم إلى القوة والمنعة، فيقول [وقد أخذ بزمامها]: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» يعني ناقته القصواء وقد أرخى النبي -صلى الله عليه وسلم، زمامها وما يحركها وهي تنظر يمينًا وشمالًا في أثناء سيرها حتى أتت بفناء بني عدي بن النجار أخواله الذين تزوج منهم هاشم جده، فبركت أمام مربد [المربد مكان يجفف فيه التمر] لسهل وسهيل وَلَدَي رافع بن عمرو، وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء، وقيل أسعد بن زرارة، وقيل في حجر أبي أيوب.

ثم سارت الناقة والرسول -صلى الله عليه وسلم- عليها حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه، واسمه خالد بن زيد بن كليب من بني النجار، ثم سارت وبركت في مبركها الأول وأرزمت (يعني صوتت من غير أن تفتح فاها) ونزل عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «هَذَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، واحتمل أبو أيوب -رضي الله عنه- رحله وأدخله بيته ومعه زيد بن حارثة -رضي الله عنه، وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها [المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ١/ ١٨٤. (المجلة)]، وذكر ابن سعد [الطبقات الكبرى ١/ ١٨٣ (المجلة)] أن أبا أيوب -رضي الله عنه، لما نقل رحله قال -صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ» وأن أسعد بن زرارة جاء فأخذ ناقته فكانت عنده [المختصر الكبير في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم -، ج ١، ص ٥٤ (المجلة)].

وذكر ابن إسحاق عن أبي أيوب الأنصاري قال: "لما نزل -صلى الله عليه وسلم- في بيتي نزل في السُّفْلِ وكنت أنا وأم أيوب في العلو، فقلت: يا نبي الله، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي فأظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن ونكون في السفل، فقال: «يَا أَبَا أَيُّوبَ، إِنَّ الْأَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا أَنْ نَكُونَ فِي سُفْلِ الْبَيْتِ»، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفله، وكنا فوقه، فلما خلوت إلى أم أيوب قلت لها: "رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق بالعلو منا، تنزل عليه الملائكة والوحي، فما بت تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب" [سيرة ابن هشام ١/ ٤٩٨، السيرة النبوية لابن كثير ٢/ ٢٧٧ (المجلة)].

وفي رواية لابن إسحاق أنهم انكسر لهم إناء، فقام مع زوجته ينشفان الماء بقطيفة - ولم يكن لهما لحاف غيرها - تخوفًا من أن يسقط ماء على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيؤذيه، قال أبو أيوب: "فلما أصبحت قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال: «لِمَ يا أبا أيوب؟» قال: قلت: كنت أحق بالعلو منا، تنزل عليك الملائكة والوحي، لا والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدًا، ولم يزل يتضرع له حتى تحول النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى العلو.

وكانت تأتيه الجفان كل ليلة من سراة الأنصار كسعد بن عبادة، وأسعد بن زرارة، وأم زيد بن ثابت، فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاث أو الأربع من جفان الثريد.

فرح أهل المدينة بمقدمه

خرجت ولائد بني النجار يقلن عندما أخذ أسعد بن زرارة ناقته عنده:

نحن جوار من بني النجار * * * يا حبذا محمد من جار 

                                                                                                                                                         [إمتاع الأسماع للمقريزي، ٩/ ٢٠٢. (المجلة)]

وقد فرح أهل المدينة بمقدم الرسول -صلى الله عليه وسلم، روى البخاري عن البراء بن عازب: "فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم". [صحيح البخاري، رقم: (٣٩٢٥). (المجلة)].

وروى أبو داود [سنن أبي داود، رقم: (٤٩٢٣) (المجلة)] عن أنس: "لما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحًا بقدومه-صلى الله عليه وسلم، وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وسرى السرور إلى القلوب"، وروي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه، أن ذوات الخدور صعدن على الأجاجير (الأسطحة) عند مقدمه -صلى الله عليه وسلم- يقلن:

طلع البدر علينا * * * من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا * * * ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا * * * جئت بالأمر المطاع 

[شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، ٢/ ١٦٥ (المجلة)]

 

أخوة الإسلام

بعد الجفوة والبغضاء للمسلمين من أهليهم بمكة كافأهم الله بالبشاشة والحب والإيثار من أهل المدينة، وحسبك في تصوير هذا الحب والإيثار قوله تعالى في أهل المدينة: ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].

ولقد تنافس الأنصار في ضيافة المهاجرين حتى حكموا القرعة بينهم، وكانوا يرون ذلك قليلًا بالنسبة لهم، وقد آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، فكان كل أنصاري ونزيله أخوين في الله، وكانت هذه الأخوة أعلى وأغلى عندهم من الأخوة العصبية، وكان هذا الإخاء على المواساة والحق، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى أن نسخه الله بقوله: ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضࣲ فِی كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمُۢ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وذلك بعد أن فشا الإسلام في الأقارب.

أثر الهجرة

كان الإسلام حبيسًا بمكة لا يستطيع أهله الاستعلان به وتبليغه، وكانوا يجدون على إيمانهم الحبيس في صدورهم من الأذى ما لا تحتمله أقوى النفوس إلا بعصمة الله الذي يحمي النفوس من الانهيار والاستسلام، فلما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون إلى مكة لقوا من الحب والإكرام وحرية العبادة والجهر بها والمساعدة عليها ما لم يحلموا به، وانتهى هذا الحب إلى المؤاخاة التي هي ذروة الحب وصمام الأمان.

وعلى أساس هذا الحب والمؤاخاة، والإخلاص لدين الله: بُني المجتمع الإسلامي الجديد الذي تفجر طاقات متوثبة فانية في سبيل الله مندفعة بدعوة الحق في المشارق والمغارب تحت لواء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تنشر النور وتبذر بذور الهدى والرشاد والأمن والسلام حتى زال الشرك من الجزيرة العربية وحلت عقيدة التوحيد للقادر القهار محل عبادة الهياكل والأحجار وكل ذلك بفضل اعتصامهم بحبل الله جميعًا وعدم تفرقهم.

وعلى منهاج الرسول -صلى الله عليه وسلم- سار الخلفاء الراشدون من بعده، فانضوى تحت لوائهم أهل المشارق والمغارب، وأصبحوا لا تغيب عن بلادهم الشمس، فلا يمكن أن يُغْلَبُوا من قلة، وإنما يُغْلَبُون من تفرق، فعليهم أن يسيروا على سنة أسلافهم من المحبة واجتماع الكلمة؛ ليستعيدوا أمجاد أسلافهم الغر الميامين.

الخلاصة

جسّدت الهجرة النبوية نقطة تحول تاريخية نقلت الإسلام من مرحلة الاستضعاف إلى التمكين، بفضل التلاحم المتميز والأخوة الصادقة بين المهاجرين والأنصار.

موضوعات ذات صلة

شكَّلت الهجرة النبوية الشريفة نقطةَ تحولٍ فارقةً في تاريخ الدعوة الإسلامية

هجرة النبي ﷺ لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل

الهجرة النبوية ليست فقط انتقالًا جغرافيًّا؛ بل تجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ

 الهجرة النبوية ثورةً اجتماعية أعادت هيكلة الروابط الإنسانية والأخوة الإيمانية 

كانت الهجرة النبوية في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان

موضوعات مختارة