Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كيف رسخت وثيقة المدينة مفهوم الدستور والمواطنة

كيف رسخت وثيقة المدينة مفهوم الدستور والمواطنة

مثّلت الهجرة النبوية عام (٦٢٢م) انتقالًا تاريخيًّا من الدعوة إلى بناء الدولة، ولتنظيم مجتمع المدينة شديد التنوع من مهاجرين وأنصار ويهود ومشركين، صاغ النبي -صلى الله عليه وسلم- وثيقة المدينة؛ لتكون أول دستور يرسخ دولة مدنية تقوم على أسس قانونية سبقت الدساتير الحديثة بقرون طويلة.

ترسيخ مفهوم الدستور في وثيقة المدينة

الدستور في المفهوم الحديث هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة ونظام الحكم ويضمن الحقوق ويحدِّد الواجبات، وقد تجسد هذا المفهوم في الوثيقة النبوية التي عقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع سكان المدينة المنورة، ويتضح ذلك من خلال هذه البنود التي نصَّت عليها هذه الوثيقة النبوية، فهي:

  • أول دستور مدني مكتوب: تُعد وثيقة المدينة أول دستور مكتوب في تاريخ البشرية يُنظم علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقات فصائل المجتمع ببعضها البعض في ظل دولة مركزية [مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص (٥٧) الدكتور محمد حميد الله].
  • تحديد الحيز الجغرافي للدولة: لا تقوم أي دولة دستورية دون إقليم محدد، وقد حددت الوثيقة حدود الدولة جغرافيًا، وأعلنتها منطقة محرمة يُمنع فيها الاقتتال الداخلي، فجاء في نصها: "وَأَن يثرب حرَام جوفها لأهل هَذِه الصَّحِيفَة" [البداية والنهاية لابن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ)، (٤/ ٨٥٥)، تحقيق: د: عبد الله بن عبد المحسن التركي].
  • سيادة القانون وتحديد المرجعية العليا: ألغت الوثيقة فكرة الثأر القبلي والاحتكام للأعراف الجاهلية، وحصرت حق الفصل في النزاعات بسلطة الدولة ممثلة في النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد جاء في نصها: "وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ، فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللهِ -عز وجل- وَإِلَى محمد رَسُولَ اللهِ   -صلى الله عليه وسلم-" [الروض الأنف السهيلي (ت ٥٨١هـ)، (٤ /‏٢٤٣)، تحقيق: الوكيل].
  • المسؤولية الجنائية الفردية: أرسى الدستور النبوي المدني مبدأ شخصية العقوبة، فلا تُؤخذ قبيلة بجريرة فرد منها، وهو مبدأ قانوني متطور جدًا، فقد جاء في نصها: "إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ -أي لا يُهلِك- إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ" [السيرة النبوية لابن هشام (ت ٢١٣ هـ)، (١ /٥٠٣)، تحقيق: مصطفى السقا].

ترسيخ مفهوم المواطنة

المواطنة تعني انتماء الفرد لرقعة جغرافية (دولة) تضمن له حقوقًا متساوية مع بقية الأفراد وتفرض عليه واجبات مشتركة، بغض النظر عن دينه أو عرقه، وقد تجلى هذا المفهوم بوضوح في الوثيقة من خلال:

  • تأسيس الأمة السياسية: أحدثت الوثيقة ثورة سياسية حينما وسعت مفهوم "الأمة السياسي" ليتجاوز الرابطة العقيدية (الدينية) ليشمل الرابطة السياسية والوطنية، حيث ضمت اليهود كجزء من الأمة إلى جانب المسلمين، فكان من نصها: "وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ" [الروض الأنف للسهيلي (ت ٥٨١هـ) (٤ /٢٤٢)، تحقيق: الوكيل].
  • إقرار حرية الاعتقاد والتسامح الديني: لا مواطنة حقيقية دون حرية الدين، وقد كفلت الوثيقة لليهود حق ممارسة شعائرهم بحرية تامة، في استباق تاريخي لمواثيق حقوق الإنسان، حيث جاء في نصها: "لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ" [السيف المسلول على من سب الرسول لتقي الدين السبكي (ت ٧٥٦هـ)، (١ /‏٣٣٦)].
  • واجب الدفاع المشترك (الخدمة العسكرية الوطنية): المواطنة ليست حقوقًا فقط، بل هي التزام بالدفاع عن الوطن ضد أي عدوان خارجي. وقد ألزمت الوثيقة جميع المكونات (مسلمين ويهود) بالدفاع عن المدينة المنورة، فجاء في نصها: "وَإِنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ" [البداية والنهاية لابن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ)، (٤ /‏٥٥٨)، تحقيق: د: عبد الله بن عبد المحسن التركي].
  • الاستقلال المالي والتعاون الاقتصادي: أقرت الوثيقة ذمة مالية مستقلة ومحفوظة لكل طائفة، مع الالتزام بالتضامن وقت الأزمات والحروب، حيث جاء فيها: "وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصّحِيفَةِ" [عيون الأثر لابن سيد الناس (ت ٧٣٤هـ)، (١ /‏٢٢٨)].
  • المساواة والعدالة ونبذ الظلم: نصت الوثيقة على أن حق النصرة والمساواة مكفول لكل مواطن ضمن الدولة طالما التزم ببنود الدستور، فقالت: "وَأَنه من تبعنا من يهود فَإِن لَهُ النَّصْر والأسوة -أي المساواة- غير مظلومين وَلَا مُتَنَاصَر عَلَيْهِم" [المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي لابن حديدة (ت ٧٨٣هـ)، (٢/‏٧)].
  • الحرص أفراد جميع أفراد المجتمع: حيث أسست الوثيقة النبوية لمبدأ النصح والإرشاد والأخذ بيد الأفراد إلى ما فيه صلاحهم، وما يحقق لهم سُبُل الحق والمعروف، ويبعدهم عن الآثام والشرور، فكان من نصها: "وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْحَ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ" [البداية والنهاية لابن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ)، (٤/‏٥٥٨)، تحقيق: د: عبد الله بن عبد المحسن التركي].

الخلاصة

لم تكن وثيقة المدينة مجرد معاهدة سلام مؤقتة، بل كانت تأسيسًا قويًّا لدولة المؤسسات، ولقد نجحت في صهر التنوع القبلي والعرقي والديني في بوتقة الوطن الواحد، واستبدلت رابطة الدم برابطة المواطنة والقانون، وتثبت هذه الوثيقة أن القيم الحديثة كالدستورية التعاقدية، والتعددية، وحرية الاعتقاد، والعدالة الاجتماعية، هي مبادئ أصيلة جرى تطبيقها بنجاح باهر في أول تجربة سياسية إسلامية.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة