وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لقد عمدت (النابتة) في أدبياتها المتطرفة إلى ضرب مفهوم (التعايش الإنساني) في مقتل، حين حصروا حقيقة الإسلام في (إظهار العداوة) لكل من خالفهم في المشرب أو المعتقد، إنهم يروجون لخطابٍ مأزوم يزعم أنه لا يستقيم للمرء إسلامٌ إلا إذا جاهر بالبغضاء للمخالفين، محولين عقيدة (التوحيد) من رسالة إخلاصٍ لله وسلامٍ للقلب إلى (أيديولوجيا صدامية) تقوم على القطيعة والمنابذة، إنَّ هذا الفكر المنبتَّ يجعل من عداوة الخلق (ركنًا سادسًا) للإيمان، ويعدُّ إقامة المسلم في وطنه بين شركائه من غير المسلمين علامةً على نقص الدين أو الوقوف على عتبات الكفر، مما يُنتج عقلًا مريضًا يرى في كل جيرةٍ فتنة، وفي كل تعايشٍ خيانة، وهو ما يُناقض جوهر الشريعة التي نـزلت لتكون رحمةً للعالمين لا نقمةً مسلطةً على الآدميين.
لقد أغرقت (النابتة) في بناء جدرانٍ من العزلة الشعورية عبر رسائل تُحرّم المودة وتجعل من إضمار البغضاء في القلوب شرطًا لصحة العقيدة، ونجد في أدبياتهم - كما في (الدرر السنية) - خلطًا خطيرًا بين مقتضيات العقيدة وبين المعاملات الدنيوية؛ حيث يزعمون أنَّ مَن لم يُعادِ المخالفين لم يعرف التوحيد، إن هذا المنهج المشوه لا يكتفي بإفساد الضمائر، بل يمتد لتمزيق الأواصر الاجتماعية عبر فرض (هجرةٍ) نفسية ومكانية، وتصوير الوجود المسلم خارج هذه الدائرة الضيقة كأنه ذنبٌ جسيم، إنهم بذلك يحولون المسلم إلى (قنبلة موقوتة) من الكراهية، ويحرمونه من بركات (الشهود الحضاري) والتفاعل الإنساني الراقي الذي دعا إليه القرآن الكريم، ويجعلون من شعيرة (الحب والبغض في الله) مبررًا لتكفير المجتمع وهجر الأوطان، وتفجير النسيج الوطني من الداخل.
في سعيها لهدم الدولة الوطنية، حاربت هذه التيارات مبدأ (المواطنة) والمعاملة بالمثل بكل ضراوة؛ إذ يزعمون أنَّ (إظهار الدين) لا يتحقق بالصلاة أو الشعائر، بل بـ(تكفير الآخر وعيب دينه والطعن فيه)، إنَّ هذا المنطق الغوغائي ينسف أسس الدولة الحديثة ويحول (المواطن) من لبنة بناء إلى مصدر للفتنة والصدام، إن زعمهم بوجوب (البراءة والعداوة) حتى في حالات السلم والتعاقد هو خروجٌ فج على المنهج النبوي الذي أرسى (وثيقة المدينة) وجعل فيها المواطنة أصلًا للحقوق والواجبات، إنهم يريدون مسلمًا لا يقرُّ بعهدٍ ولا يحترم ميثاقًا، متذرعين بأن ترك المخالفين للمسلم في حاله لا يكفي، بل لا بد من استفزازهم وإهانتهم ليكون (مظهرًا لدينه)، وهو فهمٌ سقيم يضرب (السلم الأهلي) ويُعرض مصالح البلاد والعباد للمخاطر الموبقة.
إنَّ الحق الذي تاه عنه هؤلاء هو أنَّ الإسلام جاء بـ(البر والقسط) كقاعدةٍ حاكمة للعلاقات الإنسانية، لقوله تعالى: ﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ﴾ [الممتحنة: ٨]، إنَّ (إظهار الدين) الحقيقي هو في حُسن الخلق، وصدق المعاملة، وعمارة الأرض، لا في لسانٍ يلعن وقلبٍ يبغض، إنَّ الدولة الوطنية القائمة على (المواطنة) هي أرقى تطبيقٍ لمقاصد الشريعة في حفظ الأنفس والأعراض والعهود، ومواجهة هذا التطرف تستلزم فضح هذا التلاعب بالنصوص الذي يقتطع الآيات النازلة في زمن الحرب ليفرضها على واقع السلم؛ فالإسلام دينٌ يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، ويجعل من الكرامة الإنسانية بوصلةً لكل تعامل، ومن الرفق منهاجًا لكل عالم.
قال تعالى: ﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ﴾ [الممتحنة: ٨]، (أصل في وجوب البر والقسط مع المخالفين في حال السلم).
وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [رواه مسلم]، وهذا هو جوهر المعاملة النبوية التي غابت عن مناهج الصدام والعداوة.
إنَّ معركتنا مع التطرف هي معركة إنسان ووطن؛ فمن جعل البغضاء دينًا، والقطيعة منهاجًا، فقد انبتَّ عن ركب الرحمة النبوية، ولا نجاة لنا إلا بترسيخ قيم (المواطنة) التي ترى في الآخر شريكًا في الوجود، وفي السلام واجبًا شرعيًّا، وفي حُسن الجوار قربةً إلى الله رب العالمين.
التصدي للإرهاب والتطرف هو مسار طويل الأمد يتطلب تكاتف الجميع.
إن حماية الشباب من الأفكار المتطرفة ليست مسؤولية جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية جماعية ومتكاملة.
التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين كان جناحًا سريًا مسلحًا استخدم العنف والاغتيالات لتحقيق أهداف سياسية باسم الدين.