Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصدمة النفسية لمشركي مكة بعد علمهم بهجرة سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم

الكاتب

هيئة التحرير

الصدمة النفسية لمشركي مكة بعد علمهم بهجرة سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم

لطالما نظرت قريش إلى سيدنا محمد ﷺ باعتباره جزءاً لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي وخاضعاً لسيطرتها ونفوذها، فكانت هجرته المباركة بمثابة زلزال نفسي عنيف هزّ كيانهم، ولم تكن الهجرة مجرد خسارة سياسية، بل كانت انهياراً لصورة القوة التي ظلوا يبنونها لسنوات.

مؤامرة دار الندوة صدمة التخطيط الذي سبقه الوحي

اجتمعت قريش في دار الندوة - وكانوا لا يقضون أمرًا إلا فيها - يتشاورون في شأن سيدنا محمد ﷺ بعد أن رأوا أن أصحابه قد خرجوا إلى المدينة وأصابوا منعة، وتباينت آراؤهم بين الحبس والإبعاد والإخراج، حتى حسم أبو جهل الأمر باقتراحه المشؤوم أن يخرج من كل قبيلة شاب قوي، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فلا تستطيع بنو هاشم المطالبة بدمه.

جاء في سيرة ابن هشام :"قال ابن إسحاق: «لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَارَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنْعَةً، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا لِحَرْبِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ... يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَافُوهُ»[السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، ج١، ص٤٨٢، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر].

وقال ابن إسحاق أيضًا كما في سيرة ابن هشام: « وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ:: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾»[السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق السقا، ج١، ص٤٨٤].

كانت هذه اللحظة بداية الصدمة النفسية لقريش، حيث أدركوا أن مكرهم ليس مكتومًا عن الله، وأن نبيهم يعلم ما يكيدون به قبل وقوعه، هذا الإحساس بالفضح وسبق العلم أصابهم بالذهول والخزي، وأظهر لهم أنهم ليسوا أصحاب المبادرة كما ظنوا، بل هم تحت رقابة إلهية دائمة، ولقد خططوا لقتله وهو يعلم بتفاصيل مؤامرتهم، إنها لحظة انكسرت فيها ثقتهم بأنفسهم، وعرفوا أن هناك من يراقبهم ويفضح أمرهم.

ليلة المبيت صدمتهم بالفدائي

لما أحكمت قريش مؤامرتها، أمر سيدنا رسول الله ﷺ سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يبيت على فراشه تلك الليلة، وكان سيدنا علي رضي الله عنه في الثانية والعشرين من عمره، نام تحت سيوف المشركين يقدم روحه فداءً.

ذكر ابن هشام كما قال ابن إسحاق: "فَأَتَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السِّلَامُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتَمَةٌ مِنْ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَهُمْ، قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي وَتَسَجَّ بِبُرْدِي هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ فِي بُرْدِهِ ذَلِكَ إذَا نَامَ".[السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق السقا، ج١، ص ٤٨٣وما بعدها].

جاء عند الإمام أحمد «وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسِبُونَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لا أَدْرِي»[أخرجه الإمام أحمد ٥/٨٧].

هذا المشهد كان بمثابة الصاعق الأكبر لقلوب قريش، بعد ليلة كاملة من الترقب، كانوا يتوقعون أن يجدوا جسد سيدنا محمد ﷺ فإذا هم يواجهون شاباً فدائياً نام تحت سيوفهم مختاراً، لم يبالِ بالموت، وأخبرهم بكل ثبات: «لا أدري»، هنا انهارت ثقتهم بأنفسهم، وشعروا بالخذلان والعار، فكيف لشاب واحد أن يخدعهم ويتحداهم، بينما هم كل هذه الجموع؟ إنها لحظة شاهدوا فيها بأعينهم قوة الإيمان التي تهون الموت في سبيل العقيدة.

معجزة الخروج من بين أيديهم صدمة التراب الذي أعمى البصائر

لم يكتفِ الله بحماية نبيه بنوم سيدنا علي رضي الله عنه، بل أجرى معجزة أذهلت قريشًا، فخرج سيدنا رسول الله ﷺ من بين أيديهم وهم ينظرون إليه فلا يرونه.

قال ابن إسحاق: «وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أَنْتَ أَحَدُهُمْ، وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، فَلا يَرَوْنَهُ، فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَؤُلاءِ الآيَاتِ مِنْ ﴿يس﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْ هَؤُلاءِ الآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ» [السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق السقا، ج١، ص٤٨٣].

هذا المشهد الخارق للعادة أوقع قريشًا في حيرة وصدمة نفسية عميقة، فلقد رأوا التراب يُنثر على رؤوسهم بأيدٍ لا يرون صاحبها، وعلموا أن محمدًا ﷺ قد خرج من بينهم وهم لا يشعرون، وهذه الهزيمة النفسية كانت أقوى من أي هزيمة عسكرية؛ لأنها أثبتت لهم أنهم لا يسيطرون حتى على أبصارهم، وأن إرادة الله إذا حلت بمكان طاشت كل الإرادات، إنها لحظة أدركت فيها قريش أن الذي يحاربونه ليس رجلاً عادياً، بل نبي يحميه الله بعناية خارقة.

الغار والعنكبوت صدمة المعجزة التي تخلفت عنهم

بعد خروج سيدنا محمد ﷺ من بيته، قصد الغار ومعه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فمكثا فيه ثلاث ليالٍ، وخرجت قريش في طلبهما حتى انتهوا إلى فم الغار.

جاء في مسند الإمام أحمد «فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال". [ أخرجه أحمد في المسند٥/٨٧]

هنا بلغت الصدمة النفسية لقريش ذروتها، فلقد وصلوا إلى باب الغار بأقدامهم، ورفعوا أبصارهم إليه بأعينهم، فوجدوا العنكبوت قد نسج بيته من أول الباب إلى آخره، والحمامة تبيض على عشها. فاستسلموا للصدمة، وقالوا: «لو دخل أحد هاهنا لكان العنكبوت قد قتل نسجه»، ثم انصرفوا،إن إنكار العيان تحت ضغط الصدمة النفسية جعلهم يصدقون المستحيل؛ فرغم أن العين ترى العنكبوت قد نسج بيته على باب الغار، إلا أن العقل أصيب بعطب مؤقت جعلهم يصدقون أن الغار خال،لقد أراد الله أن يريهم معجزة، فلم يروا إلا عنادهم.

الجائزة التي لم تُنَل صدمة المطارد أمام الأرض الخاسفة

لم تيأس قريش بعد فشلها في العثور على سيدنا محمد ﷺ، بل أعلنت عن أكبر جائزة في تاريخها لمن يردّه عليهم، كان من أشد المطاردين سيدنا سراقة بن مالك بن جعشم رضي الله عنه.

قال ابن إسحاق: «وَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، جَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ مِائَةَ نَاقَةٍ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ»[السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق السقا، ج١، ص٤٩٠].

وقال سيدنا سراقة بن مالك رضي الله عنه: «فَبَيْنَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ... ثُمَّ أَخْرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ "لا يَضُرُّهُ" قَالَ فَأَبَيْتُ إِلا أَنْ أَتْبَعَهُ... فَلَمَّا بَدَا لِي الْقَوْمُ وَرَأَيْتُهُمْ عَثَرَ بِي فَرَسِي، فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الأَرْضِ وَسَقَطْتُ عَنْهُ، ثُمَّ انْتَزَعْتُ يَدَيْهِ مِنَ الأَرْضِ وَتَبِعَهُمَا دُخَانٌ كَالإِعْصَارِ، قَالَ فَعَرَفْتُ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ»[السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق السقا، ج١، ص٤٩٠].

قصة سيدنا سراقة رضي الله عنه تمثل أقوى تجسيد للصدمة النفسية التي تحولت إلى إيمان، فلقد خرج هذا الفارس الشاب شديد البأس، فإذا بالأرض نفسها ترفض أن تحمله، وإذا بالدخان يتصاعد من أثر حوافر فرسه كالإعصار. هذه المشاهد الخارقة أمام عينيه جعلته يدرك أن من يطارده ليس لصاً ولا ثائراً، بل هو نبي يحميه الله، فلما عاد إلى قريش وأخبرهم بما حدث، كذبوه، فكان هذا كذبة أخرى على هزيمتهم النفسية، حيث جعلوا منه كاذباً عندهم ليهربوا من وقع الصدمة وتبرير هزيمتهم، ولكن الحقيقة كانت قد انكشفت حماية الله لنبيه أقوى من كل جوائز الدنيا.

الخلاصة

بهذه الروح المنكسرة دخلت قريش مرحلة جديدة من تاريخها، لم تعد فيها مهيمنة على الجزيرة العربية. أثبتت هجرة سيدنا محمد ﷺ أن القوة الحقيقية ليست في العدد أو السلاح، بل في الإيمان الذي يزرع اليقين في القلوب فيحول المستضعفين إلى قادة يغيرون وجه التاريخ، فكانت الهجرة بداية النهاية لسيادتهم وإيذاناً بفجر عصر جديد للإسلام، حيث توج الله هذه الرحلة المباركة بنصر وعزة نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع؛

يتجلى الإيثار، السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية

الهجرة النبوية كانت ميلادًا لعهد سياسي واجتماعي جديد؛ تجسّد في (وثيقة المدينة)

من خلال التأمل في دروس الهجرة النبوية تتجلى قيم خالدة قادرة على الإسهام في مواجهة تحديات الحاضر