وتتبع النسائي ما خص به من دون الصحابة، فجمع
من ذلك شيئًا كثيرًا بأسانيد أكثرها جيد. وروى عن النبي ﷺ كثيرًا، وروى عنه من
الصحابة: ولداه الحسن والحسين، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو رافع، وابن
عمر، وأبو سعيد، وصهيب، وزيد بن أرقم، وجرير، وأبو أمامة، وأبو جحيفة، والبراء بن
عازب، وأبو الطفيل، وآخرون، ومن التابعين من المخضرمين أو من له رؤية.
وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام،
وكان أحد الشورى الذين نص عليهم عمر، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف، وشرط عليه
شروطًا امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان، فقبلها، فولاه، وسلم علي، وبايع عثمان.
ولم يزل بعد النبي ﷺ متصدِّيًا لنصر العلم
والفتيا، فلما قتل عثمان بايعه الناس. ثم كان من قيام جماعة من الصحابة، منهم طلحة
والزبير وعائشة، في تهدئة الناس، فكان من وقعة الجمل ما اشتهر. ثم قام معاوية في
أهل الشام، وكان أميرها لعثمان ولعمر من قبله، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فكان من
وقعة صفين ما كان.
وكان رأي علي أنهم يدخلون في الطاعة، ثم يقوم
ولي دم عثمان فيُدعى به عنده، ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة، وكان من
خالفه يقول له: «تتبعهم واقتلهم». فيرى أن القصاص بغير دعوى ولا إقامة بينة. وكان
من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمار أن الصواب كان مع
علي، واتفق على ذلك أهل السنة، ولله الحمد.
ومن خصائص الإمام علي قوله ﷺ يوم خيبر: «لأدفعن
الراية غدًا إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه».
فلما أصبح رسول الله ﷺ غدوا كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله ﷺ: «أين علي بن
أبي طالب؟». فقالوا: هو يشتكي عينيه. فأتي به، فبصق في عينيه، فدعا له فبرأ،
فأعطاه الراية.
أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد، ومن
حديث سلمة بن الأكوع نحوه باختصار، وفيه: «يفتح الله على يديه». وفي حديث أبي هريرة
عند مسلم نحوه، وفيه قال عمر: «ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم».
عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع
علي حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه
رجل من اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابًا عند الحصن، فتترس به عن نفسه،
فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله علينا، ثم ألقاه، فلقد رأيتنا ثمانية نفر
نجهد أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه.
وقال ﷺ له: «أنت ولي كل مؤمن من بعدي»، وسد
الأبواب إلا باب علي، وقال ﷺ: «من كنت مولاه فعلي مولاه».
وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ من معضلة
ليس لها أبو حسن.
وقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا
جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به.
وقال وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل: كان علي
يقول: سلوني، سلوني عن كتاب الله تعالى؛ فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت
بليل أو نهار.
وأخرج الترمذي عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال:
أمر معاوية سعدًا، فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ قال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن
له رسول الله ﷺ فلن أسبه؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم. سمعت رسول
الله ﷺ يقول -وخلف عليًّا في بعض مغازيه- فقال: «يا رسول الله، أتخلفني مع النساء
والصبيان؟!» فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي
بعدي؟».
وسمعت رسول الله ﷺ يقول يوم خيبر: «لأعطين
الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فدفعها إليه، ففتح الله عليه.
ولما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْا
نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا
وَأَنْفُسَكُمْ}، دعاه رسول الله ﷺ، وفاطمة، وحسنًا وحسينًا، فقال: «اللهم هؤلاء
أهلي».
وأخرج أيضًا، وأصله في مسلم، عن علي قال: «لقد
عهد إليَّ النبي ﷺ أن لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق».
وأخرج الترمذي عن عمران بن حصين، في قصة قال
فيها رسول الله ﷺ: «ما تريدون من علي؟ إن عليًّا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن
بعدي».
ويروى عن أنس أن النبي ﷺ قال لابنته فاطمة: «قد
زوجتك أعظمهم حلمًا، وأقدمهم سلمًا، وأكثرهم علمًا».
عن زيد بن أرقم، أن رسول الله ﷺ قال لعلي: «من
كنت مولاه فعلي مولاه».
عن عائشة قالت: كنت قاعدة مع النبي ﷺ، إذ أقبل
علي، فقال: «يا عائشة، هذا سيد العرب». قلت: يا رسول الله، ألست سيد العرب؟ قال:
«أنا سيد ولد آدم، وهذا سيد العرب».
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا مدينة
العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه».
وقال أبو حيان التيمي: حدثني مجمع، أن عليًّا
-رضي الله عنه- كان يكنس بيت المال، ثم يصلي فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه
المال عن المسلمين.
وقال أبو عمرو بن العلاء، عن أبيه، قال: خطب
علي -رضي الله عنه- فقال: «أيها الناس، والله الذي لا إله إلا هو، ما رزأت من
مالكم قليلًا ولا كثيرًا إلا هذه القارورة»، وأخرج قارورة فيها طيب، ثم قال: «أهداها
إلي دهقان».