الماء حياة ونماء
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأصلي وأسلم على خاتم أنبيائه وإمام أصفيائه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها على عباده نعمةَ الماء، فهي أصل الحياة، وبها قيام الإنسان والحيوان والنبات، ولذلك كثرت الإشارة إليها في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة:
الماء عماد الحياة وسرُّ بقاء المخلوقات
جعل الله تعالى الماء أصل الحياة وقوامها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال عز وجل: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَاۤبَّةࣲ مِّن مَّاۤءࣲۖ﴾ [النور: ٤٥]، قال الإمام القرطبي: "فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شيء من الماء، قاله قتادة. الثاني: حفظ حياة كل شيء بالماء. الثالث: وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي، قاله قطرب" [الجامع لأحكام القرآن].
وجاءت السنة النبوية مؤيدةً لهذا المعنى؛ فعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيتُكَ طَابَت نَفسِي وَقرَّت عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» [رواه أحمد].
الماء من أعظم المنن والنعم
امتنَّ الله تعالى على عباده بنعمٍ لا تُحصى، ومن أجلِّها نعمةُ الماء؛ فهو ملازمٌ للإنسان في كل يوم، يشربه، ويتطهر به، وتقوم عليه حياته، ومع ذلك قد يغفل عن عظيم قدره؛ لأن النعم إذا دامت أَلِفَها الناس، ولا تُعرف قيمتها حقًّا إلا عند فقدها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی یُنَزِّلُ ٱلۡغَیۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُوا۟ وَیَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِیُّ ٱلۡحَمِیدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
بل جعل الله تعالى الرياحَ وهي تحمل السحابَ المحمَّل بالماء بشيرًا بهذه النعمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦۤ أَن یُرۡسِلَ ٱلرِّیَاحَ مُبَشِّرَٰتࣲ وَلِیُذِیقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِیَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦].
ولعظم هذه النعمة جعلها الله من النعيم الذي يُسأل عنه العبد يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسۡءَلُنَّ یَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِیمِ﴾ [التكاثر: ٨]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ أوَّلَ ما يُسألُ عنه العبدُ يومَ القيامةِ من النعيمِ أن يُقالَ له: ألم نُصِحَّ لك جسمَك، ونُرْوِيَكَ من الماءِ البارد» [رواه الترمذي].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق الناس شكرًا لهذه النعمة، فإذا أكل أو شرب قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ، وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا». [رواه أبو داود]، فجمع في هذا الدعاء شكرَ نعمة الطعام والشراب، وسلامة الانتفاع بهما.
صدقةٌ جاريةٌ وأجرٌ لا ينقطع
جعل الإسلام سُقيا الماء من أجلِّ القربات، وأعظم الصدقات أجرًا، لما فيها من إحياء النفوس، ودفع الضر عن الخلق، وبذل ما تقوم به الحياة، فعن سعد بن عُبادة رضي الله عنه قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمي ماتت، أفأتصدقُ عنها؟ قال: «نعم»، قلتُ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: «سقْيُ الماءِ».
وليس ثوابها مقصورًا على الدنيا، بل يمتد أثرها إلى يوم القيامة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتَ فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ فَيَشْفَعُ لَهُ...»، وفي رواية: «أما تذْكرُ يومَ ناولتُكَ طهورًا؟». [رواه ابن ماجه].
وفي المقابل يتوعد الله تبارك وتعالى من يمنع الماء عن مخلوق؛ فعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكثرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعدَ العَصْرِ، لِيقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيقُولُ اللَّه اليومَ أَمْنعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تعمَل يَدَاكَ» [رواه البخاري].
الأمن المائي عماد الأمن الغذائي
جعل الله الماء أساسًا لقيام الحضارات، وعنوانًا لقوة الأمم واستقرارها؛ ولذلك ربط القرآن الكريم بين نزول الماء وازدهار الأرض، فقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ مُّبَٰرَكࣰا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتࣲ وَحَبَّ ٱلۡحَصِیدِ﴾ [ق: ٩]، وقال تعالى: ﴿فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ﴾ [الملك: ١٥]، فكان الماء أساس الزراعة، ومنشأ الغذاء، وركيزة العمران.
ولذلك امتنَّ الله على عباده بتسخير مصادر المياه، فقال: ﴿أَفَرَءَیۡتُمُ ٱلۡمَاۤءَ ٱلَّذِی تَشۡرَبُونَ ٦٨ ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩ لَوۡ نَشَاۤءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجࣰا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠] ، ليبقى الإنسان مستشعرًا أن أمنه المائي من أعظم أسباب بقائه وقوته.
وفي واقع الأمم اليوم أصبح الماء عنصرًا استراتيجيًّا لا يقل أهمية عن مصادر الطاقة؛ فهو أساس الأمن الغذائي، والتنمية الزراعية، والصناعة، وغير ذلك.
الأمن المائي... أساس أمن الأوطان
لقد أصبح الماء سرًّا من أسرار قوة الدول، وأمنًا قوميًّا لكل الشعوب، وقد أكد الله تعالى هذا المعنى في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ ٱلرِّیَٰحَ بُشۡرَۢا بَیۡنَ یَدَیۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ طَهُورࣰا ٤٨ لِّنُحۡۦِیَ بِهِۦ بَلۡدَةࣰ مَّیۡتࣰا وَنُسۡقِیَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَاۤ أَنۡعَٰمࣰا وَأَنَاسِیَّ كَثِیرࣰا ٤٩ وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَیۡنَهُمۡ لِیَذَّكَّرُوا۟ فَأَبَىٰۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورࣰا ٥٠ وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِی كُلِّ قَرۡیَةࣲ نَّذِیرࣰا ٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِینَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادࣰا كَبِیرࣰا ٥٢ ۞ وَهُوَ ٱلَّذِی مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ هَٰذَا عَذۡبࣱ فُرَاتࣱ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجࣱ وَجَعَلَ بَیۡنَهُمَا بَرۡزَخࣰا وَحِجۡرࣰا مَّحۡجُورࣰا ٥٣ وَهُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَاۤءِ بَشَرࣰا فَجَعَلَهُۥ نَسَبࣰا وَصِهۡرࣰاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِیرࣰا﴾ [الفرقان: ٤٨: ٥٤].
ومن تأمل التاريخ عرف أن الماء كان بابًا لعون الله ومدده وتثبيته وتأييده ونصره؛ فبه أيد الله تعالى سيدَنا محمدًا ﷺ وصحبه الكِرام يوم بَدْر، وثبتهم وربط على قلوبِهم، وطهرهم ظاهرًا وباطنًا، قال تعالى: ﴿وَیُنَزِّلُ عَلَیۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ لِّیُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَیُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّیۡطَٰنِ وَلِیَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَیُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].
وبالماء انتصر سيدنا العلاء بن الحضرمي في فتح البحرين فلما أحاط به العدو دعا ربه: "يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك، اسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ، فإذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا، وقال في البحر: "اجعل لنا سبيلا إلى عدوك" [البداية والنهاية].
قال سيدنا أبو هريرة: فمشينا على الماء، فو الله ما ابتل لنا قدم، ولا خف، ولا حافر، وكان الجيش أربعة آلاف ...وكان للعلاء بن الحضرمي ومن كان معه جؤار (دعاء وابتهال) إلى الله تعالى في خوض هذا البحر فأجاب الله دعاءهم وفى ذلك يقول عفيف بن المنذر وكان شاهدًا معهم:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ذَلَّلَ بَحْرَهُ * وَأَنْزَلَ بِالْكُفَّارِ إِحْدَى الْجَلَائِلِ
دَعَانَا الَّذِي شَقَّ الْبِحَارَ فَجَاءَنَا * بِأَعْظَمَ مِنْ فَلْقِ الْبِحَارِ الْأَوَائلِ
[الإصابة، تاريخ الخميس].
وقد أصبح الماء مصدر قوة عظيمة لجيش مصر في معركة أكتوبر المجيدة، حيث كان الماء هو الأداة الفاعلة التي حطم بها المصريون خط بارليف المنيع الحصين، وأصبح بقوة الله وبهذا الماء هباءً منثورًا.
ترشيد استهلاك المياه... عبادة وسلوك حضاري
إن المحافظة على الماء مسؤولية كل فرد؛ في بيته، ومدرسته، ومسجده، ومزرعته، ومصنعه، فلقد أصبحت قضية الماء في عصرنا الحاضر من أعظم القضايا التي تشغل العالم؛ فمع تزايد عدد السكان، واتساع العمران، والتغيرات المناخية، وتراجع الموارد المائية، صار الحفاظ على الماء واجبًا دينيًا ووطنيًا وإنسانيًا.
والمسلم ينطلق - في تعامله مع الماء - من مراقبة الله تعالى، فهو يحافظ على الماء لأنه يعلم أنه مسئول عنه بين يدي الله عز وجل؛ قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتُسۡءَلُنَّ یَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِیمِ﴾ [التكاثر: ٨].
ومن أخطر صور الإسراف إهدار الماء، ولو كان متوافرًا؛ لأن النعم لا تُقاس بكثرتها، وإنما تُصان شكرًا للمنعم سبحانه.
المقاصد الشرعية للمحافظة على نعمة الماء
إن المحافظة على نعمة الماء مقصد شرعي أصيل، جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية لتأكيده، وربطته بمقاصد الشريعة الكلية التي ترمي إلى تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة. ويمكن إبراز أهم المقاصد الشرعية للمحافظة على الماء فيما يأتي:
١- حفظ النفس: قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابࣱ وَمِنۡهُ شَجَرࣱ فِیهِ تُسِیمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
٢- حفظ المال وتنمية الموارد: الماء ثروة اقتصادية عظيمة، وإهداره يعد إضاعةً للمال الذي نهى الشرع عن تبديده، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا ٢٦ إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّیَٰطِینِۖ﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». [متفق عليه].
ومن صور حفظ المال: ترشيد استهلاك المياه، وصيانة شبكاتها، واستخدام التقنيات الحديثة التي تقلل الفاقد.
٣- حفظ البيئة وتحقيق عمارة الأرض: قال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]، وحماية الأنهار والبحار والآبار والمياه الجوفية من صور القيام بأمانة الاستخلاف.
٤- ترسيخ قيمة الاعتدال ونبذ الإسراف: نهى الإسلام عن الإسراف في كل شيء، حتى في استعمال الماء أثناء العبادة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ مرَّ بسَعدٍ وَهوَ يتوضَّأُ، فقالَ: «ما هذا السَّرَفُ؟» فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: «نعَم، وإن كنتَ علَى نهَرٍ جارٍ» [رواه ابن ماجه].
٥- تحقيق التكافل والإحسان إلى الخلق: فالحفاظ على الماء وإيصاله إلى المحتاجين من أعظم أبواب الإحسان والصدقة الجارية، فعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ فَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نعَمْ» قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ» [رواه أحمد].
٦- شكر نعمة الله تعالى: من أعظم صور شكر المنعم المحافظة على الماء؛ لأن شكر النعمة يكون بحسن استعمالها وصيانتها من العبث، قال تعالى: ﴿أَفَرَءَیۡتُمُ ٱلۡمَاۤءَ ٱلَّذِی تَشۡرَبُونَ ٦٨ ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩ لَوۡ نَشَاۤءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجࣰا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨-٧٠].
إجراءات نبوية في الحفاظ على الماء
لقد جاءت السنة الشريفة تحث حثًّا شديدًا بشأن الحفاظ على نعمة الماء؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّ بسَعدٍ وَهوَ يتوضَّأُ، فقالَ: «ما هذا السَّرَفُ؟» فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: «نعَم، وإن كنتَ علَى نهَرٍ جارٍ» [رواه ابن ماجه].
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْوُضُوءِ؟ فَأَرَاهُ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الْوُضُوءُ؛ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» [رواه النسائي].
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ مُدٌّ، وَمِنَ الْغُسْلِ صَاعٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: لَا يُجْزِئُنَا، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُجْزِئُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَأَكْثَرُ شَعَرًا، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [رواه ابن ماجه]. والمُدُّ: مِلءُ اليدين المُتوسطتين، والمد يساوي [٦٨٧ ملليلتر]، والصاع يساوي [٢.٧٥ لتر].
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في المَاءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ»، إلى غير ذلك من الإرشادات النبوية العظيمة.
صور عملية للمحافظة على نعمة الماء
إن الحديث عن المحافظة على الماء لا بد أن يتحول إلى سلوك عملي في حياتنا اليومية، ومن ذلك: إغلاق صنابير المياه بعد استعمالها، إصلاح مواطن التسريب وعدم إهمالها، الاقتصاد في الوضوء والغسل، عدم تلويث المجاري المائية لاسيما الأنهار والترع والبحار بالمخلفات، استخدام وسائل الري الحديثة التي تقلل الهدر، غرس ثقافة ترشيد المياه في نفوس الأبناء ... إلخ.
فهذه الأعمال الصغيرة إذا اجتمعت صنعت مجتمعًا يحافظ على نعم الله، فشكر النعم إنما يكون بالعمل قبل القول، قال تعالى: ﴿ٱعۡمَلُوۤا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرࣰاۚ وَقَلِیلࣱ مِّنۡ عِبَادِیَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
۞۞۞
الخطبة الثانية
الموارد ليست ملكا خاصًّا
تُعدُّ الموارد الطبيعية والعامة أساسَ حياة الإنسان وسبيل استمرار التنمية؛ ولذلك فإن هذه الموارد ليست ملكًا خاصًا لفرد أو فئة، بل هي حقٌّ مشترك ومسؤولية جماعية تستوجب حسن استغلالها والمحافظة عليها وعدم تبذيرها أو الإضرار بها، حتى تبقى متاحة للأجيال الحاضرة والقادمة.
الموارد نعمة مشتركة وليست حكرًا على أحد
لقد سخر الله تعالى ما في الأرض من موارد ونعم لخدمة جميع البشر، فلا يحق لفرد أو جماعة أن تستأثر بها أو تحتكرها دون غيرها، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا﴾ [البقرة: ٢٩].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا حِمًى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: "وَتَأْوِيلُ الْحِمَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِيمَا نَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنْ تُحْمَى الْأَشْيَاءُ الَّتِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ فِيهَا شُرَكَاءَ، وَهِيَ الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ، وَقَدْ جَاءَتْ تَسْمِيَتُهَا فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَلَا اثْنَيْنِ" [الأموال لأبي عبيد].
حسن استغلال الموارد مسؤولية جماعية
إن الاستخدام الرشيد للموارد يعكس الوعي والمسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل، قال تعالى: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
حماية الموارد واجب أخلاقي وإنساني
المحافظة على الموارد الطبيعية واجب أخلاقي وإنساني؛ لأنها أساس الحياة واستمرارها، والإضرار بها لا يؤثر في الحاضر فحسب، بل يهدد حق الأجيال القادمة في العيش في بيئة سليمة؛ ولذلك فإن حماية الموارد مسؤولية مشتركة تبدأ من سلوك الفرد وتمتد إلى المجتمع بأكمله، قال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
العدالة في الانتفاع بالموارد
تقتضي العدالة أن تكون الموارد متاحة للجميع دون احتكار أو استئثار؛ لذلك لا يجوز حرمان الآخرين من الانتفاع بالموارد الأساسية أو استغلالها بطريقة تضر بحقوقهم، بل ينبغي توزيعها واستخدامها بما يحقق المصلحة العامة ويضمن المساواة بين أفراد المجتمع، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: ٩٠].
دور الفرد في ترشيد استهلاك الموارد
السلوك اليومي لكل شخص يساهم في حماية هذه الثروات أو استنزافها، ويبدأ ترشيد استهلاك الموارد من عادات بسيطة، مثل عدم الإسراف في استخدام الماء والكهرباء، فوعي الفرد بمسؤوليته تجاه الموارد يساعد على تحقيق الاستدامة وضمان توفرها للأجيال القادمة، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقال رسول الله ﷺ: «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه]، وفيه توجيه إلى مسؤولية الفرد في المحافظة على البيئة.
مراجع للاستزادة: