Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اليوم العالمي للمياه

الكاتب

هيئة التحرير

اليوم العالمي للمياه

بمناسبة اليوم العالمي للمياه ندرك أن الماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو أصل كل حياة، وسر بقاء الحضارات واستقرار الأمم، وقد جسدت الشريعة الإسلامية هذا المفهوم في أبهى صوره؛ فاعتبرت سُقياه أفضل الصدقات، وجعلت الحفاظ عليه وحمايته من الهدر والتلويث أمانةً، يُسأل عنها العبد بين يدي خالقه.

نعمة الماء

يُعد اليوم العالمي للمياه الذي يُقام في ٢٢ مارس من كل عام منذ عام ١٩٩٣ مناسبةً سنوية للأمم المتحدة، تركز على أهمية المياه العذبة، وفي ظل معاناة نحو ٢.١ مليار شخص يعيشون بدون مياه شرب نظيفة، يهدف هذا اليوم إلى اتخاذ إجراءات فعّالة؛ لمواجهة أزمة المياه العالمية، ودعم تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة: توفير المياه والصرف الصحي للجميع بحلول عام ٢٠٣٠ [موقع الأمم المتحدة].

ولقد جسدت الشريعة الإسلامية هذا المفهوم الإنساني قبل قرون، فاعتبرت سُقيا الماء أفضل الصدقات، وجعلت الحفاظ عليه أمانةً، يُسأل عنها العبد بين يدي خالقه.

الماء أصل الخلقة وسر الوجود

إن المتأمل في نصوص الوحي يجد أن الماء هو المادة الخام لكل كائن، قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقد فصَّل العلماء في هذا الأصل؛ حيث يذكر الإمام القرطبي أن "خِلْقَة كل حيوان فيها ماء، كما خلق آدم من الماء والطين، ولا يستثنى الجن والملائكة، بل كل حيوان خلق من الماء، وخلق النار من الماء، وخلق الريح من الماء، إذ أول ما خلق الله تعالى من العالم الماء، ثم خلق منه كل شيء". [تفسير القرطبي= الجامع لأحكام القرآن ١٢/‏٢٩١]، ويؤكد الزمخشري أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس، الذي هو جنس الماء ، وذلك أنه هو الأصل، وإن تخللت بينه وبينها وسائط، حتى الملائكة والجن. [انظر: الكشاف للزمخشري ٣/ ٢٤٧].

وهذا ما يعززه الحديث النبوي الشريف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أنبئني عن كل شيء، فقال: «كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» [أخرجه أحمد(١٠٣٩٩)]، وقال الإمام الجاحظ في التفاضل بين الماء وغيره من الأشربة: "فالماء يُشرب صرفًا وممزوجًا، والأشربة لا تشرب صرفًا، ولا يُنتفع بها إلا بممازجة الماء، وهو – بعدُ - طهور الأبدان، وغسول الأدران، وقالوا: هو كالماء الذي يطهر كل شيء، ولا ينجّسه شيء... ومنه ما يكون منه الملح، والبرد، والثّلج، فيجتمع الحسن في العين، والكرم في البياض والصفاء، وحسن الموقع في النفس". [الحيوان ٥/ ٨١].

استدامة الموارد.. مسؤولية وأمانة

بينما تركز الأمم المتحدة في عام ٢٠٢٦ على موضوع "المياه، والمساواة بين الجنسين" [موقع الأمم المتحدة] نجد أن الإسلام أرسى مبدأ العدالة في الانتفاع بالماء منذ البداية، فالماء هو أول نعيم يُحاسب عليه الإنسان، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ – يَعْنِي: العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ- أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَنُرْوِيكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ» [أخرجه الترمذي (٣٣٥٨)].

ولقد فقه السلف قيمة هذه القطرة، فلقد دخل "ابنُ السَّمَّاك على الخليفة هارون الرشيد، فاستدعى هارون الرشيد ماءً في كوز ليشرب، قال ابنُ السماك: أسألك بالله ألَّا تشرب حتى أسألك، قال: سل، قال: بالله لو منعوك هذه الشربة، أكنت مفتديها بنصف ملكك؟ قال: إي والله- وإلا فماذا يفيد الإنسان أن يموت وملكه وراءه- فشرب، قال: أسألك بالله لو مُنعْتَ إخراج هذه الشربة، أتخرجها بنصف ملكك؟ قال: إي والله، قال: لا خير في ملك لا يساوي شربة ماء وإخراجها". [تاريخ دمشق لابن عساكر ٧٣/‏٢٩٢].

سُقيا الماء.. شفاعة وصدقة جارية

سُقيا الماء من أجلِّ القُربات؛ فعن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «يَصُفُّ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفُوفًا، فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتَ فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ قَالَ: فَيَشْفَعُ لَهُ» [أخرجه ابن ماجه (٣٦٨٥)].

وحين سُئلَ ابن عباس: أيُّ الصَّدقة أفضلُ؟ فقال: الماءُ، ألَمْ ترَوْا إلى أهل النار حينَ استغاثوا بأهل الجنّة: ﴿أَنۡ أَفِیضُوا۟ عَلَیۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ﴾ [الأعراف: ٥٠] [أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٠ (٨٥٣٣)، والطبراني في الأوسط ١/ ٣٠٢ (١٠١١)]، كما أن توفير الماء لكل "كبد حرَّى" يضمن لصاحبه الأجر الدائم إلى يوم القيامة، فعن سيدنا جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَفَرَ مَاءً لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ كَبِدٌ حَرَّى [أي: لشدة حرها قد عطشت ويبست من العطش] مِنْ جِنٍّ وَلاَ إِنْسٍ وَلاَ طَائِرٍ إِلاَّ آجَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٢٩٢)].

النهي عن الإسراف.. مدرسة الاقتصاد النبوي

وضع الإسلام قواعد صارمة للترشيد، فعَنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ" [متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥)]، والمُدُّ مِلءُ اليدين المُتوسطتين، والمد يساوي (٦٨٧ ملليلتر ماء)، والصاع يساوي (٧٥. ٢) لتر ماء، ونهى ﷺ عن "السرف" نهيًا قاطعًا، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟!» قال: أفي الوضوء إسراف؟! قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» [أخرجه ابن ماجه (٤٢٥)].

خطوات عملية لحماية النعمة

لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وحماية شريان الحياة يجب اتباع الآتي:

  • الترشيد اليومي: عدم ترك الصنبور مفتوحًا أثناء غسل اليدين، أو تنظيف الأسنان، وفي المطابخ أثناء غسل الخضار دون إغلاق مؤقت للصنبور، وإصلاح أي تسريب فورًا.
  • الابتكار والتقنية: استخدام المحابس الموفرة، والري بالتنقيط، وتشجيع الابتكارات في تحلية المياه.
  • الحماية البيئية: عدم إلقاء القاذورات في الأنهار؛ فهذا "جرم كبير" وذنب عظيم لما فيه من أذى للناس والبيئة.
  • التوعية المجتمعية: نشر ثقافة الترشيد بين الطلاب والمصلين والموظفين والمواطنين لحماية الموارد.

الخلاصة

إن الحفاظ على المياه في يومها العالمي يتجاوز كونه ضرورة بيئية ليصبح أمانة إيمانية، وواجبًا شرعيًّا، فالمياه هي شريان الحضارات، وأصل الوجود؛ لذا فإن ترشيد استهلاكها وحمايتها من التلوث هو استجابة للهدي النبوي، وضمانة لاستدامة الحياة، وسُقياها هي أفضل الصدقات، وأدومها أثرًا.

اللهم أدم علينا نعمك، وارزقنا شكرها، واجعلنا من القاصدين غير المسرفين.

موضوعات ذات صلة

الإسلام لم يترك مجالاً للإسراف أن ينتشر بين الناس، بل جاء بتوجيهات واضحة تحث على الاعتدال.

الإسراف هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان.

الإسراف في المياه لم يعد مجرّد سلوك فرديّ سلبيّ، بل أصبح تهديدًا حقيقيًّا للأمن القومي والبيئيّ.

الإسراف في الماء من السلوكيات الخاطئة، والشريعة الإسلامية نهت عن الإسراف في الماء.

تمثل محبة الله وكراهيته للأفعال ميزانًا دقيقًا لمنظومة القيم الأخلاقية التي تقوم عليها عمارة الأرض.