Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

إنا كفيناك المستهزئين منطق الرد على المتطاولين

الكاتب

هيئة التحرير

إنا كفيناك المستهزئين منطق الرد على المتطاولين

الإساءة لرسول الله ﷺ جريمة قانونية دولية تصنف ضمن خطاب الكراهية والتحريض، وتنتهك النظام العام والسلام المجتمعي، المواجهة الفاعلة تتطلب استراتيجية ثلاثية: مساءلة قانونية رادعة، ودبلوماسية جماعية فاعلة، ورد حضاري يقدم صورة نبي الرحمة والخُلُق العظيم للعالم.

العولمة الرقمية وتشويه المقدسات - حرية أم فوضى مقنعة؟

لقد أحدثت العولمة الرقمية زلزالًا في مفهوم السيادة والحرمة، حيث لم تعد الحدود الجغرافية حائلًا دون انتشار أفكار سامة تمس صميم هويات الأمم وثوابتها، وفي خضم هذا الفضاء الافتراضي المفتوح، تطفو على السطح بين الحين والآخر محاولاتٌ يائسة لتشويه صورة سيد الخلق، رسول الله سيدنا محمد ﷺ، تحت ذريعة "حرية التعبير" المزعومة، لكن الحقيقة القانونية تقول إن هذه الممارسات ليست سوى جريمة معنوية وقانونية مركبة، تتحول فيها "الحرية" إلى فوضى مُقنَّعة، و"التعبير" إلى اعتداء سافر لا يهدف إلا إلى تمزيق النسيج الاجتماعي العالمي، إنها المعركة القديمة الجديدة بين نور الحقيقة وظلام الجهل، لكنها اليوم ترتدي ثوبًا رقميًا وتتسلح بأدوات العصر.

خطاب الكراهية حيث تنتهي حصانة التعبير

ليس كل ما يُنشر تحت مسمى "الفن" أو "الرأي" يدخل في دائرة الحماية القانونية، فالقانون الوضعي، في تطوره الإنساني، وضع حدودًا فاصلة بين حرية التعبير المشروعة وما يُعرف بـ "خطاب الكراهية" (Hate Speech). وهذا الخطاب تحديدًا هو ما تنطبق عليه الإساءات الموجهة لرسول الله ﷺ، إذ يتحول النقد - إن جازت التسمية - إلى تحريض صريح على الكراهية الدينية، واستفزاز مقصود لمشاعر كل مسلم، فمحاولة الاستهزاء بالرموز الدينية العليا بأغاني أو مؤلفات أو رسوم لا يعبر عن جرأة فنية، بل عن انهيار في الضمير الجمعي، وانحراف خطير عن مقصد القانون الأساس في حفظ كرامة الإنسان واستقرار المجتمع، فالقانون لم يُوضع ليكون حاميًا للأقوى صوتًا، بل ليكون حارسًا للمجتمع وقيمه الدينية والروحية والأخلاقية.

الازدراء انتهاك مزدوج للمشاعر الدينية والنظام العام

تحمل جريمة الاستهزاء بالرسول ﷺ طابعًا مزدوجًا يجعل منها واحدة من أشد الجرائم خطرًا على الاستقرار المجتمعي، فهي أولًا: جريمة ضد المشاعر الدينية التي يكفلها الدستور الدولي لحقوق الإنسان كجزء لا يتجزأ من حرية الاعتقاد.

وثانيًا : هي جريمة ضد النظام العام (Public Order) والآداب العامة. فاستهداف رمز يمثل القيمة الأخلاقية العليا لمجتمع ضخم ليس مسألة شخصية، بل هو هجوم على الأمن النفسي الجماعي، وإطلاق لعنف رمزي قد يتحول إلى عنف مادي، وقد تنبّهت الفلسفة الغربية نفسها لهذا الخطر، فوضعت الحدود التي تقف عندها حرية الفرد الشخصية فجاءت بأقوال مثل:" إن حرية الفرد في التأرجح بيديه تنتهي حيث يبدأ أنف جاره"، وأن "التعبير الذي يلحق ضررًا مباشرًا بالآخرين يخرج من دائرة الحماية إلى دائرة المساءلة".

عقوبة الازدراء في ميزان التشريع المقارن

يُعد القانون المصري من أكثر التشريعات وضوحًا في تجريم ازدراء الأديان، حيث تنص المادة ٩٨ من قانون العقوبات على معاقبة "كل من استخدم الدين في الترويج أو التحريض على أفكار متطرفة، بقصد إثارة الفتنة أو ازدراء أو احتقار أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها"، وقد أسست المحكمة الدستورية العليا المصرية لمفهوم قانوني راسخ للازدراء، حيث عرّفته بأنه "كل قول أو فعل يتضمن انتقاصًا من الدين أو استخفافًا به أو بالسنة النبوية أو برموزهما، مما يخل بالاحترام الواجب للمشاعر الدينية للآخرين ويعكر صفو التعايش المجتمعي" [الطعن رقم ٢٩٧ لسنة ٣٢ ق، مجموعة الأحكام، المجلد الخامس، ص ٣٣٤].

رغم الاختلاف في السياق الثقافي، فإن التشريعات الغربية لا تتهاون في حماية المشاعر الدينية من الاعتداء:

• في فرنسا: تجرّم المادة ٢٩ من قانون الصحافة لسنة ١٨٨١ المعدل "التحريض على الكراهية أو العنف ضد شخص أو مجموعة بسبب انتمائهم أو عدم انتمائهم إلى دين معين"، وقد شهدت السنوات الأخيرة عدة قضايا حوكم فيها أشخاص بسبب إساءات مماثلة.

• في ألمانيا: ينص القسم ١٦٦ من القانون الجنائي (StGB) بوضوح على معاقبة "كل من أساء علنًا، بطريقة من شأنها أن تخل بالسلام العام، إلى محتويات عقيدة دينية أو فكرة عالمية لمنظمة دينية". وتصل العقوبة إلى السجن ثلاث سنوات، مؤكدة أن حماية السلام المجتمعي تعلو على أي ادعاءات فردية.

على المستوى الدولي، توجد إطارية قانونية واضحة تجرم هذه الأفعال:

• تنص المادة ٢٠ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على وجوب حظر "أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف".

• كما أصدر مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان القرار رقم ١٦/١٨ الذي يدعو الدول إلى "اتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة التعصب السلبي القائم على أساس الدين أو المعتقد".

استراتيجية المواجهة الثلاثية للرد القانوني والحضاري والدبلوماسي

البعد القانوني: تفعيل التشريع والتعاون الدولي

يجب أن يتحول الغضب إلى فعل قانوني منظم، وهذا يتطلب:

• تفعيل القوانين الوطنية بحزم وبدون تردد، ومحاسبة كل متطاول عبر القنوات القضائية الرسمية.

• تعزيز التعاون القضائي الدولي لملاحقة الجرائم الإلكترونية عابرة الحدود، وخاصة مع الشركات المالكة للمنصات الرقمية الكبرى.

• إنشاء وحدات متخصصة في النيابات العامة للتعامل مع جرائم خطاب الكراهية والتحريض الديني.

البعد الدبلوماسي: التحشيد الجماعي في المحافل الدولية

الدفاع عن النبي ﷺ مسؤولية جماعية للأمة:

• يجب أن تتحرك المؤسسات الإسلامية الرسمية (منظمة التعاون الإسلامي، الجامعة العربية) عبر القنوات الدبلوماسية لتقديم شكاوى رسمية متكررة في المحافل الدولية.

• تنظيم حملات ضغط قانونية وسياسية منظمة، على غرار ما تفعل دول أخرى عند الإساءة إلى رموزها الوطنية.

• بناء تحالفات مع منظمات المجتمع المدني العالمية التي تؤمن بحرية العقيدة وتحترم التنوع الثقافي.

البعد الحضاري: تقديم الصورة الناصعة للنبي الخاتم ﷺ

وهذا هو السلاح الأقوى والأبقى، فكما يقول الدكتور عز الدين فراج: "إن انبهار فلاسفة من وزن غوته وكارليل وشوبنهور ولامارتين بأخلاق النبي محمد ﷺ يكشف عن فقر معرفي وأخلاقي لدى المسيئين المعاصرين" [أنظر: نبي الإسلام في مرآة الفكر الغربي: عز الدين فراج ، نشرمجلة الأزهر مع عدد شهر ربيع الأول ١٤٣٤ ].

 وهذا يفرض علينا:

• مضاعفة الجهود في ترجمة السيرة النبوية الموثقة إلى جميع اللغات الحية، بطريقة علمية تخاطب العقل المعاصر.

• إنتاج محتوى ثقافي وإعلامي راقٍ يعرض شخصية الرسول ﷺ كقائد روحي وإصلاحي اجتماعي غير مسبوق.

• توظيف الوسائل التكنولوجية نفسها التي يستخدمها المسيئون لبث رسالة المحبة والسماحة التي جاء بها الإسلام.

بين عصمة النبوة ومسؤولية الأمة

في المحصلة النهائية، فإن الذين يتطاولون على رسول الله ﷺ يخدشون صخرةً بسيوف من خشب، فهم لا يمسون مقام النبوة بشيء، فهو المقام المحفوظ بحفظ الله، قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ یَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِینَ﴾ [المائدة: ٦٧] ، إنما يخدشون كرامتهم الإنسانية أولًا، وينتهكون مبادئ التعايش الإنساني ثانيًا.

 وواجبنا - نحن المؤمنين به ﷺ - ليس الانزلاق إلى ردود أفعال عاطفية تزيد الفجوة اتساعًا، بل التحلي بحكمة النبي نفسه في المواجهة.

لقد علمنا ﷺ أن الحكمة ضالة المؤمن، وأن الرحمة تسبق الغضب، وأن العلم أقوى من الجهل. ولهذا، فإن الرد الأعظم يكمن في أن نكون ترجمة حية لسنته في واقعنا: في أخلاقنا في السوق، في أمانتنا في العمل، في رحمتنا بالضعفاء، في عدلنا مع الخصوم. وفي الوقت ذاته، نستخدم أدوات العصر القانونية والدبلوماسية بكل حزم وثبات، لندرك أن الصمت عن الحق خيانة، والتسامح مع الإساءة ضعف.

فليكن ردنا جامعًا بين قوة القانون ورحمة القلب، بين حزم الموقف وحكمة الأسلوب. وليكن شعارنا دائمًا: نحمي قدسية نبينا بحكمة عقولنا قبل حرارة قلوبنا، وبنبل أخلاقنا قبل صخب ألسنتنا.

الخلاصة

بين يدينا معادلة إنسانية دقيقة: كيف نحمي قدسية ما نؤمن به دون أن نغلق أبواب الحوار؟ وكيف ندافع عن حبيبنا ﷺ دون أن نتحول إلى صورة مشوهة عما جاء به؟ الحقيقة أن الإساءة، رغم قبحها، تذكرنا بمسؤولية جسيمة: مسؤولية التعريف به ﷺ كما هو، لا كما يصوغه أعداؤه أو حتى كما يتصوره بعض محبيه.

إن القانون وحده، رغم ضرورته، لا يصنع احترامًا، والعقوبة وحدها، رغم عدالتها، لا تولد محبة، بل إن أعظم سجن للمسيئ هو أن يظل جاهلًا بمن يهاجمه، وأعظم عقاب له هو أن تستمر أخلاق النبي ﷺ تنتصر في قلوب العقلاء عبر القرون.

فلنكن أمناء على هذه الرسالة الخالدة. ولنكن حكماء في حملها. فالدفاع الحقيقي عن النبي ﷺ يبدأ من أن نكون نحن أول المستجيبين لندائه تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾ [النحل: ١٢٥] وعندها فقط، تتحول كل إساءة إلى دعوة غير مقصودة للتأمل في سيرة رجل غيّر مجرى التاريخ برسالة محبة وهدى، تبقى كالشمس، يحجبها السحاب لحظة، ثم تعود.

موضوعات ذات صلة

هي القدرة على الاختيار والفعل ضمن إطار المزامنة مع المنهج الإلهي.

يُعرف التاريخ الإسلامي بتفرده في توفير حرية المعتقد والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين على أراضيه.

أدب الحوار يقوم على الحكمة والكلمة الطيبة والمناقشة بالأسلوب الأرقى، من خلال هذه القيم.

موضوعات مختارة