إن الله تعالى أرسل للعالمين رسولًا يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ويهديهم إلى صراط الله المستقيم، والله تعالى قد أنزل على هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو القرآن الكريم، وأوكل الله تعالى بيانَ هذا الكتاب الكريم إلى رسوله ﷺ، فقال سبحانه: ﴿بِٱلۡبَیِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
وصدع الرسول ﷺ بأمر ربه، فشرع يبين للناس ما في القرآن الكريم، فقامت السنة المطهرة بهذا الدور العظيم، وهو بيان ما في القرآن الكريم، ولم يقتصر دور السنة المطهرة على ذلك الدور فقط رغم أهميته - بل أوكل الله تعالى إليها مهمة عظيمة أخرى، وهي أن تُشرِّع للناس أحكاما على سبيل لاستقلال، لم يسبق لها ذكر في القرآن الكريم، والسنة بهذه المهمة الكريمة أدت دورًا تشريعيًّا مع القرآن الكريم.
إذًا فمنزلة السنة خطيرة، ومهمتها عظيمة، فهي تبين القرآن الكريم، ولولاها لما استطعنا أن نفهم القرآن الكريم، ولا أن نطبقه، ثم هي - بعد ذلك - تقوم بمهمة التشريع مع القرآن الكريم، ولقد تنبهت أمة الإسلام لهذه المهمة الجليلة للسنة المشرفة، فتصدوا للدفاع عنها، وكان من ثمرة جهد علماء الأمة لصيانة السنة أن وضعوا (علم أصول الحديث) أو علم (مصطلح الحديث) ذلك أن السنة الشريفة عبارة عن نصوص نبوية شريفة، نقلت لنا عن رسول الله ﷺ وقام بنقلها لنا حملة هذا العلم من كل عصر، في حلقات متواصلة من لدن رسول الله ﷺ إلى أن وضعت في بطون الكتب المعروفة بين أيدينا الآن، مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم وغيرهما، والنص النبوي الذي نقل إلينا يسميه علماء الحديث بـ (متن الحديث).
والرجال الذين نقلو هذا المتن إلينا يسميهم العلماء "سند الحديث" أو (إسناد الحديث) أو (رجال الحديث) أو (طريق الحديث).
إذًا فنحن أمام علمين رئيسيين من علوم السنة، علم يدرس النص النبوي الكريم، ويفهمه، ويستخرج ما فيه من كنوز وأحكام تشريعية، من عقائد، وعبادات، وتشريع وأخلاق، وغيرها، وهذا ما يعرف عند علماء الحديث بـ(علم الحديث رواية).
وعلم يدرس سند الحديث أو رجال الحديث حتى تصدق نسبة الحديث إلى رسول الله ﷺ ويثبت لدينا حقا أنه قاله فيجب العمل به، وهذا ما اهتم به العلم الثاني، وهو (علم الحديث دراية) أو (علم أصول الحديث)، أو (علم مصطلح الحديث)، ويعرفه العلماء فيقولون: "هو علم يعرف به أحوال سند الحديث ومتنه من حيث القبول والرد"، أو "هو علم يعرف به أحوال الراوي والمروي، من حيث القبول والرد" بمعنى أن ندرس أحوال الرواة الذين ينقلون لنا كلام رسول الله ﷺ ومن
هذه الدراسة ننتهي إلى قبول ما ينقلونه - إذا توافرت فيهم شروط العدالة والضبط - أو نرفض ما نقلوه، إذ لم تتوافر فيهم شروط القبول.
فهذا العلم يهتم بوضع القواعد التي في ضوئها يتم دراسة أحوال الرواة من حيث توفر صفات القبول فيهم، أو عدم توفرها.
ولم يهتم هذا العلم بدراسة القواعد المنظمة لأحوال الرواة فقط - بل اهتم أيضًا بدراسة المتن، فالنص النبوي الكريم له خصائص يتميز بها، وهذه الخصائص لابد أن تتميز بدراسة دقيقة، وقواعد منضبطة، حتى لا يضاف إلى كلام النبي ﷺ ما ليس منه.
ومن هنا كان اهتمام علم مصطلح الحديث بدراسة أحوال السند والمتن معا، وهذا شيء دقيق وعظيم، فهم لم يوجهوا جهدهم إلى دراسة السند فقط - وإنما كان اهتمامهم بدراسة أحوال السند والمتن معا.
وفي ضوء قواعد هذا العلم العظيم نُقل لنا كلام رسول الله ﷺ واضحًا
جليًّا خاليًا من كل شبهةٍ نقيًّا من كل شائبة.