في عالمٍ تموج فيه الصراعات وتتشابك فيه المصالح يأتي الاحتفاء باليوم الدولي لتعددية الأطراف، والدبلوماسية من أجل السلام، هو وقفة لترسيخ لغة الحوار فوق صوت المدافع، وتأكيدٌ على أن السلام هو الثمرة الوحيدة التي تستحق عناء التفاوض.
في عالمٍ تموج فيه الصراعات وتتشابك فيه المصالح يأتي الاحتفاء باليوم الدولي لتعددية الأطراف، والدبلوماسية من أجل السلام، هو وقفة لترسيخ لغة الحوار فوق صوت المدافع، وتأكيدٌ على أن السلام هو الثمرة الوحيدة التي تستحق عناء التفاوض.
في الرابع والعشرين من إبريل من كل عام، يتوقف العالمُ طويلًا أمام ميثاقِ شرفٍ وضعته الجمعية العامة للأمم المتحدة، ميثاقٌ لا يحملُ في طياته مجرد قرارات، بل يحملُ روح التعاون القائم على الاحترام المتبادل؛ حيث إنها تعدديةُ الأطراف، تلك الكلمةُ الرصينة التي تعني ببساطة: ألا يترك العالمُ دفّة القيادة ليدٍ واحدة، بل أن تُصاغَ أقدارنا فوق طاولةٍ مستديرة، لا تعرفُ الإقصاء، وتتسعُ لكل الأطياف، فالحوارُ هو وحده الطريقُ الذي يجمعُ الشتات، فكان النداء باليوم الدولي لتعددية الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام.
الاختلاف سنة إلهية وحقيقة وجودية ناظمة للكون، فالأصل هو التعدد لا التطابق، إذ جعل الخالق من تباين الألسنة والألوان آيةً على سعة قدرته ومحركًا لنشوء العمران وتراكم الخبرات عبر ثقافة الانفتاح، محولًا التباين إلى مصدر قوة وإثراء للمنجز البشري، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟﴾ [الحجرات: ١٣]؛ بيد أن هذا التنوع يظل قيمة محايدة تتحدد صبغتها الأخلاقية بحسب منهج إدارتها؛ فمتى استُحضر في ظلال الاحترام أضحى بوابة للتكامل، أما إذا سقط في فخ الاستعلاء انقلب أداة للصراع، ومن هنا يبرز التحدي في صياغة وعي قيمي يؤسس التنوع ضمن منظومة تحترم الكرامة الإنسانية، إيمانًا بأننا خُلقنا لنتكامل لا لنتشابه، عملًا بقوله سبحانه: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّلۡعَٰلِمِینَ﴾ [الروم: ٢٢].
وتُعد وثيقة الأخوة الإنسانية -المنبثقة عن رؤية الأزهر الشريف والفاتيكان- امتدادًا عصريًا لوثيقة المدينة التي أرسى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أول دستورٍ للتعددية والمواطنة في التاريخ، مؤكدًا بأن الاختلاف هو أساس التعايش لا ذريعة الإقصاء.
إن الالتزام بالتعددية الدولية اليوم ليس مجرد خيارٍ سياسي تمليه الظروف، بل هو ضرورة حتمية لإرساء دعائم الأمن والسلم الدوليين، وتحقيق التنمية المستدامة التي تنشدها الشعوب؛ فالله عز وجل جعل غاية تنوعنا هي التكامل لا التناحر، لتظل هذه المبادئ السامية هي خارطة الطريق التي تعيد للإنسانية توازنها المفقود، وترسخ قيم التسامح والعدالة كقواعد ثابتة لعالمٍ ينعم بالسلام والأمان.
ولقد كانت معاهدات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي مقدمتها وثيقة المدينة وصلح الحديبية، نموذجًا تاريخيًا ملهمًا في فن التفاوض وإرساء السلام؛ حيث قدمت للبشرية أول دستورٍ للمواطنة يحترم التعددية ويحقن الدماء.
إن هذا الهدي النبوي يؤكد أن الكلمة السواء والبحث عن المشتركات الإنسانية هما الطريق المختصر والآمن لحماية الحضارات من الانهيار، ولضمان مستقبلٍ تسوده قيم الأخوة والمساواة بعيدًا عن صراعات الإقصاء.
لم تكن مصر يومًا بعيدة عن صياغة تاريخ السلام؛ فمنذ فجر التاريخ خطَّت مصر بيدِ مَلِكها رمسيس الثاني وبالاتفاق مع ملك الحيثيين خاتوشيلي الثالث (معاهدة قادش)، التي تُعد أقدم معاهدة سلام مكتوبة عرفتها البشرية بعد صراع طويل للسيطرة على بلاد الشام، ولم تكتفِ هذه المعاهدة بإنهاء الحرب فحسب، بل أرست مفاهيم دبلوماسية استباقية؛ حيث أسست لتحالفٍ دفاعي مشترك، وأقرت مبادئ السلام الدائم، بل وتضمنت بنودًا قانونية متطورة لتبادل المجرمين، لتظل نصوصها المنقوشة على جدران المعابد المصرية شاهدًا حيًّا على أن العقل الدبلوماسي المصري هو أول من صاغ دستورًا دوليًا للتعايش.[ للاستزادة انظر: أحمد فخري، دراسات في تاريخ الشرق القديم: مصر والعراق. (ط ٢). القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٦٣، ص٢٧٧ وما بعدها]
وصولًا إلى العصر الحديث، تجلى هذا الإرث في دور مصر المحوري كعضو مؤسس للأمم المتحدة ومنظمة الاتحاد الإفريقي، لتظل الدبلوماسية المصرية رمانة الميزان في المنطقة، وقد تأكدت هذه الريادة بمواقف تاريخية حاسمة، أبرزها قيادة مصر لمسار السلام الشامل في المنطقة، ودورها التاريخي في تأسيس حركة عدم الانحياز التي جسدت مفهوم التعددية الدولية، وصولًا إلى استضافة قمة القاهرة للسلام (٢٠٢٣)، لتثبت القاهرة دومًا أنها حائط الصد الأول عن حقوق الشعوب، بل والدعوة إلى العمران، وهي المنصة الأهم لإرساء القنوات الشرعية الدولية.
الأمة التي تعي قيمة الاستقرار هي تلك التي تجعل من صيانة دماء أبنائها وحماية ترابها أولويةً قصوى؛ لكي تتفرغ لممارسة رسالتها الحضارية الأسمى في البناء والإعمار؛ فالسلام ليس غيابًا للحرب فحسب، بل هو البيئة الخصبة التي يثمر فيها العقل البشري، وتتحقق فيها عمارة الأرض وفق منهج الاستخلاف الإلهي.
يطل علينا "اليوم العالمي للسلام" والعالم أحوج ما يكون إلى وقفة تأمل حقيقية، تستدعي البحث في جوهر الوجود الإنساني.
تمثل الاتفاقية انتصاراً للحكمة والدبلوماسية المصرية التي حوّلت مسار الصراع من الدمار إلى البناء.
في ١٩ مارس ١٩٨٩، اكتملت فرحة مصر بعودة طابا إلى أحضان الوطن، لتكون آخر شبر تحرر من سيناء.
السلام ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو دعوةٌ عميقةٌ إلى الطمأنينة، والألفة، والوئام.
في الخامس عشر من مارس من كل عام يُحيي العالم اليوم الدولي لمكافحة كراهية الإسلام.