كيف يواجه القانون المصري طغيان الإرهاب؟
عبر فلسفة تشريعية صارمة تجرم الكيانات المارقة وتدعم حراس العدالة، مع فتح باب الأوبة لمن تاب، ليكون القانون حائط صد يحمي سيادة الوطن وأمن المواطنين.
كيف يواجه القانون المصري طغيان الإرهاب؟
عبر فلسفة تشريعية صارمة تجرم الكيانات المارقة وتدعم حراس العدالة، مع فتح باب الأوبة لمن تاب، ليكون القانون حائط صد يحمي سيادة الوطن وأمن المواطنين.
إن المشرع المصري، بوعيه المستنير وبصيرته النافذة، أدرك أن الإرهاب ليس مجرد جرم عابر، بل هو (فتنة عمياء) تستهدف تقويض دعائم الدولة الوطنية، لذا وانطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: ٦٠]، سارع المشرع إلى إحكام قبضة القانون عبر مسارين متوازيين:
أولهما: إدخال نصوص تضبط صور جرائم الإرهاب.
وثانيهما: تشديد العقاب ليكون زجرًا لكل من تسول له نفسه العبث بسكينة المصريين.
لقد أضاف المشرع إلى قانون العقوبات المعدل برقم (٩٧) لسنة ١٩٩٢م أحكامًا قاطعة، تبدأ من المادة (٨٦) مكررًا، لتعريف الجريمة الإرهابية وتكييف صورها، [لقد طرأ تحول استراتيجي في السياسة التشريعية المصرية بصدور (قانون مكافحة الإرهاب) رقم ٩٤ لسنة ٢٠١٥م، والذي أضحى القانون الخاص والمستقل الذي ينظم كافة أحكام مواجهة الإرهاب، بعد أن كانت تلك الأحكام متناثرة ضمن تعديلات قانون العقوبات رقم ٩٧ لسنة ١٩٩٢م، وبصدور هذا القانون والقرار الجمهوري رقم ٣٥٥ لسنة ٢٠١٧م بإنشاء المجلس القومي لمواجهة الإرهاب والتطرف، اكتملت المنظومة التشريعية والمؤسسية لحماية الأمن القومي المصري وفقاً للمادة (٢٠٥) من الدستور]، إن هذه السياسة التجريمية ترتكز على ملاحقة التنظيمات الباغية التي تدعو لتعطيل أحكام الدستور أو الإضرار بالوحدة الوطنية، إيمانًا بأن (حفظ النظام العام) هو جزء أصيل من مقاصد الشريعة الغراء، إن الدولة المصرية القوية هي التي تجعل من تشريعاتها حصنًا يمنع استباحة الدماء والأموال، ومن هنا كانت السيادة التشريعية هي خط الدفاع الأول في مواجهة الإرهاب؛ حيث يتم تجريم كل فعل يرمي إلى ترويع المواطن أو النيل من مؤسسات الدولة، مما يعزز الاستقرار الداخلي ويحقق هيبة الدولة في مواجهة المتربصين [ د. محمد زكي أبو عامر، شرح قانون العقوبات القسم العام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ط ١، ١٩٨٦م، ص ٥٦٢، وما وبعدها].
إن الجماعات التي تتخذ من الدين ستارًا لتفريق الصف هي (خوارج العصر) الذين حذر منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ» [صحيح البخاري]، لذا جاءت المادة (٨٦) مكرر حاسمة في تجريم إنشاء أو إدارة أي جمعية أو عصابة غرضها الاعتداء على الحريات العامة أو المساس بالسلام الاجتماعي [أورد المشرع النص على هذه الجريمة في المادة (٨٦) مكرر، والتي جاء فيها "يعاقب بالسجن كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار - على خلاف القانون - جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة، يكون الغرض منها الدعوة بأية وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين...].
وتمتد يد القانون المصري لتطال المفسدين خارج الحدود - أيضًا - عبر تجريم (السعي أو التخابر) مع جهات أجنبية للقيام بأعمال إرهابية داخل مصر، إن هذا النوع من المواجهة القانونية يمثل حجر الزاوية في حماية الأمن القومي، فالمشرع أدرك أن التنظيمات الدولية تسعى دومًا لتمزيق النسيج الوطني، فكان الرد التشريعي صاعقًا بتغليظ العقوبات لتصل إلى الإعدام في حالات التخابر التي ينتج عنها ضرر فعلي، إننا هنا بصدد (فقه ردع) متكامل لا يفرق بين مجرم بالداخل ومحرض بالخارج، فالكل أمام حماية الوطن سواء، والهدف هو قطع دابر الفتنة ومنع استغلال العناصر المارقة للثغرات القانونية، إن تعزيز المواطنة يمر حتمًا عبر تطبيق هذه التشريعات التي تضمن لكل مصري حقه في الحياة الكريمة بعيدًا عن تهديدات العنف والتطرف.
إن رجال الأمن والضبط والنيابة والقضاء هم (عيون الوطن الساهرة)، وعليهم يعول المجتمع في كسر شوكة البغي، لذا أفرد المشرع المصري حماية خاصة لهؤلاء الأبطال، مجرّمًا أي اعتداء عليهم أثناء تأدية وظيفتهم، ومشددًا العقوبة إذا نتج عن ذلك أذى بدني أو موت [تنص المادة (۸۸) مكرر (١) من قانون العقوبات على: مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد، يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من تعدى على أحد القائمين على تنفيذ أحكام هذا القسم، وكان ذلك بسبب هذا التنفيذ... وتكون العقوبة الإعدام إذا نجم عن التعدي أو المقاومة موت المجني عليه].
إن هذا التقدير التشريعي يتسق مع الروح النبوية التي بشرت حراس الثغور، ففي الحديث: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» [رواه الترمذي،٢٧٧]، إن المقاومة العنيفة لسلطات الدولة ليست مجرد جريمة قانونية، بل هي خروج على الجماعة وإفساد في الأرض يستوجب أشد العقوبات، إن حماية القائمين على إنفاذ القانون هي في الحقيقة حماية لمظلة العدالة ذاتها، فبدون رجل الأمن المستأمن وبدون القاضي العادل، تضيع الحقوق وتعم الفوضى، ومن ثم فإن المشرع المصري ربط بين حماية الموظف العام وبين استقرار النظام العام، جاعلًا من الاعتداء على رجل الأمن اعتداءً على سيادة الدولة المصرية برمتها، وهو ما يجسد معاني الانتماء والولاء في أبهى صورها [د. نور الدين هنداوي: السياسة الجنائية للمشرع المصري في مواجهة جرائم الإرهاب، ص ٨٤].
تتجلى عبقرية التشريع المصري في الموازنة بين (الشدة في الحق) و(فتح باب الأوبة)، فمن جهة حظر المشرع تطبيق الرأفة (المادة ١٧) على عتاة الإرهابيين، لضمان أن تظل العقوبة رادعة وزاجرة، ومن جهة أخرى تبنى المشرع (سياسة المكافأة) لمن ثاب إلى رشده وبادر بالإبلاغ عن الجرائم قبل وقوعها، إعمالًا لمبدأ (الإصلاح والاستبصار) [فقد نصت المادة (۸۸) مكرر (هـ) من قانون العقوبات على: يعفى من العقوبات المقررة للجرائم المشار إليها في هذا القسم كل من بادر من الجناة بإبلاغ السلطات...].
إن هذا المسلك التشريعي يهدف إلى تفكيك بنية الإرهاب من الداخل، وإعطاء فرصة لمن غُرر به ليعود إلى حضن الوطن، تجسيدًا لقوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِینَ تَابُوا۟ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُوا۟ عَلَیۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [المائدة: ٣٤]، إن الغاية النهائية للقانون المصري ليست العقاب في ذاته، بل حماية (بيضة الوطن) وضمان أن تظل مصر واحة للأمن والأمان، إننا بمثل هذه التشريعات نزرع الأمل في النفوس التائهة ونحصن الشباب من الانزلاق في مستنقع التكفير، مؤكدين أن الدولة الوطنية هي الحاضنة الوحيدة لكل أبنائها، وأن الوسطية هي المنهج الذي يحمي الدين والقانون معًا، ويضمن مستقبلًا مشرقًا للأجيال القادمة بعيدًا عن أهواء المتطرفين وظلامية الإرهابيين.
إن الدولة في ميزان الوحي ليست مجرد بناء مادي، بل هي الروح الجامعة التي تمنح الوجود الإنساني استقراره.
إن صون الأوطان من أسمى مقاصد الأديان، وإن حراسة ثُغور المجتمع من عبث المتطرفين.
إن التمييز بين وهج المقاومة الشريفة ودخان الإرهاب المظلم هو ميزان الاستقامة في عصرنا.