والصوفي السالك وهو في طريقه إلى التماس الحقيقة لا بد أن يتخذ لنفسه هاديا، شيخا أو مرشدا قد خبر المجاهدات، وقطع بها طريق الله، وتجلت له الأنوار، فهو يعرف أحوالها ويدرج المريد في عقباتها حتى تتاح له الرحمة الربانية، ويحصل له الكشف والاطلاع.
وهذه التبعية من السالك للشيخ أمر لازم عند الصوفية؛ لأن النقل وحده لا يفضي بالسالك إلى مطلوبة، لأن مدارك هذه الطريقة ليست من قبيل المتعارف من العلوم الكسبية والصنائع، وإنما من مدارك وجدانية إلهاميه، فلا يدرك تمييزها بالمعارف الكسبية بل تحتاج إلى الشيخ الذي يميزها بالعيان والشفاه.
ولكل طريق من هذه الطرق مقاماته يتدرج فيها السالك وكذا الأحوال النفسية المصاحبة له، وتتفاوت الطرق في ذكر المقامات ووصف الأحوال. وقد كانت في بداية النمو الداخلي لحركة التصوف بسيطة فقد عدها الجنيد البغدادي أربعة مقامات وهي توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل الغرة، ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات ومراقبة الله في خواطر القلوب.
وعدها الطوسي سبعة مقامات وهي التوبة والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والتوكل والرضا، وجعل الأحوال عشرة، وهي المراقبة والقرب والمحبة والخوف والرجاء والشوق والأنس والطمأنينة والمشاهدة واليقين.
في حين إن هذه المقامات والأحوال سرعان ما تضاعفت عند غيرهم حتى وصلت إلى مائة مقام، وروى أن بعض الشيوخ ذكروا لها ألف حال.
وقد انعقد إجماع شيوخ الصوفية على ضرورة التزام المريد المطلق في أثناء رياضته بأحكام الشريعة الظاهرة، والعمل بالتكاليف الدينية المكتوبة فقالوا: الطرق إلى الله تعالى كثيرة، وأصح الطرق وأعمرها وأبعدها عن الشبه اتباع القرآن والسنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية
وكان الجنيد يقول: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا لمن اقتفى أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم -
واتبع سنته ولزم طريقته [طبقات
الصوفية للسلمي ص١١٥].
وادعى بعض المنتسبين إلى الصوفية إسقاط التكاليف الدينية والتنكر لها، إلا أنهم قوبلوا بالرفض المطلق من شيوخ الصوفية، فكان التستري يقول «أصول طريقتنا سبعة: التمسك بالكتاب والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، وتجنب المعاصي، ولزوم التوبة، وأداء الحقوق" [الرسالة القشيرية ص ١٢].