الحدوث يعنى: وجود الشيء بعد عدمه، وهو وسيلة لإثبات وجود الله عند المتكلمين، وقد تبنى المتكلمون وجهة النظر التي ترفض قيام الحوادث بالذات العلية.
الحدوث يعنى: وجود الشيء بعد عدمه، وهو وسيلة لإثبات وجود الله عند المتكلمين، وقد تبنى المتكلمون وجهة النظر التي ترفض قيام الحوادث بالذات العلية.
الحدوث في اللغة ضد القدم، فالحَدِيثُ نقيضُ القديم، والحُدُوث نقيضُ القُدْمة كما يقول ابن منظور، وحَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثًا وحَدَاثة وأحْدْثه هو فهو مُحْدَثٌ وحَديث وكذلك اسْتَحدثه ولا يقال حَدُث بالضم إلا مع قدُم، والحُدُوثُ كونُ شيء لم يكن وأحْدَثه الله فَحَدَثَ، وحَدَثَ أمرٌ أي وقع. واسْتَحْدَثتُ خَبَرًا أي وَجَدْتُ خَبَرًا جديدًا، وحِدْثانُ الشيء بالكسر أوّلهُ، وهو مصدر حَدَثَ يَحْدُثُ حُدُوثًا وحِدْثانًا، وحدثان الدهر أي صُروفه ونوائبه، وقومٌ حُدْثانٌ جمعُ حَدَثٍ وهو الفَتِي، ورجلٌ حَدَثٌ أي شابٌّ، والحديثُ الجديدُ من الأشياء، والحديث الخَبَرُ يأتي على القليل والكثير، والجمع أحاديثُ كقطيع وأقاطِيعَ، وهو شادٌّ على غير قياس، والمُحادثة والتَّحادُث والتَّحَدُّثُ والتَّحْديثُ معروفات [لسان العرب، ١/٧٩٧، ٧٩٨ مادة حدث – دار المعارف – القاهرة].
أما في الاصطلاح فلفظ الحدوث يعني وجود الشيء بعد عدمه، سواء أكان هذا الوجود عرضًا أو جوهرًا. والإحداث هو الإيجاد، والحادث ما وجد بعد أن لم يكن، والحدوث الذاتي عند الفلاسفة كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى غيره، فبغيره وجد، والحدوث الزماني عندهم أيضا كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًّا، أي لم يكن موجودًا قبل ذلك الحدوث [التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الإبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ باب الحاء] .
وتفرع عن معاني الحدوث الاصطلاحية عدد من القضايا والمسائل التي شغلت الفكر الفلسفي.
ويستخدم المتكلمون مصطلح الحدوث لإثباث وجود الله تعالى، فالدليل الدال على وجود الله تعالى عندهم، إما الإمكان، وإما الحدوث، وكلاهما إما في الذوات وإما في الصفات، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجود الصانع أربعة وهي:
أولها: إمكان الذوات، وإمكان الصفات، وحدوث الذوات، وحدوث الصفات [التفسيرالكبير، ١٧/٨، دار الكتب العلمية بيروت ١٣٢١هـ، ط١] وكذلك هم يقولون: إن الطريق إلى إثباته سبحانه وتعالى، إما الإمكان، وإما الحدوث، وإما مجموعهما، وكل ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها:
أحدها: الاستدلال بإمكان الذوات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ﴾ [محمد: ٣٨] وبقوله حكاية عن إبراهيم: ﴿فَإِنَّهُمۡ عَدُوٌّ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧].
وثانيها: الاستدلال بإمكان الصفات، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً﴾ [البقرة: ٢٢].
وثالثها: الاستدلال بحدوث الأجسام، وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام ﴿لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦].
ورابعها: الاستدلال بحدوث الأعراض، وهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق [المرجع السابق، ٢/٨٩].
وكان هدف المتكلمين من ذلك هو إثبات أن كل ما مر به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث، وكل حادث فلا بد له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدمًا على ما فعل، والله متقدم على الوقت والزمان، فلا تجري عليه الأوقات، ولا تمر به الساعات، ولا يصدق عليه أن كان وسيكون [المرجع السابق، ١٢/١٣٩]؛ لأنه تعالى موجد كان وسيكون، أي محدثها من العدم. وكل ما افتقر إلى غيره فإنه محدث أي وجد بعد أن لم يكن موجودًا، والرب منزهٌ عن الحاجة إلى ما سواه بكل وجه، فهو الصمد الغني عن كل شيء وكل ما سواه يصمد إليه أي يحتاج إليه [كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير. مكتبة ابن تيمية ط٢، تحقيق: عبد الرحمن محمد بن القاسم النجدي ١٦/٤٢٨ - والمحصول للرازي، ٦/١٥٤] وأما ما عدا الله سبحانه وتعالى فهو ممكن الحدوث، والممكن مفتقر إلى المؤثر، لأنه قد استوى أن يحدث أو لا يحدث، وما كان كذلك افتقر واحتاج إلى من يرجح حدوثه [المحصول للرازي، ٦/١٥٤]، والمرجح هنا هو الفاعل، أي الله تعالى خالق الموجودات.
وهناك تقسيم آخر عند الفلاسفة للحدوث الزماني، والحدوث الذاتي والقديم الزماني، والقديم الذاتي. فالحادث الزماني هو المسبوق بالعدم؛ أي يكون عدمه قبل وجوده. وهذا يعني أن الحادث معدوم قبل ذلك الوجود، ويقابله القديم الزماني، وقيل هو المسبوق بالغير سبقًا ذاتيًّا، وهو المسمى بالحادث الذاتي، وبإزائه القديم الذاتي، ويظهر من كلامهم أن الحدوث الذاتي عندهم هو مسبوقية الوجود بالعدم، أيضًا كالحدوث الزماني. لأن كل ممكن مسبوق بعلته سابقًا يجامع فيه السابق اللاحق فيكون القدم الذاتي مختصًّا بالله تعالى فقط [المواقف، ١/٣٧٤: ٣٧٦].
وتفرع عن مسألة الحدوث، مسألة ثانية غاية في الخطورة، وهي حلول الحوادث وقيامها بذات الله تعالى، وتبنى المتكلمون أو جلهم وجهة النظر التي ترفض قيام الحوادث بالذات العلية، خاصة الأشاعرة منهم، الذين بعلمون أن هذا القول يستلزم أن يطرأ على الذات العلية التغيير والتبديل، لأن كل جسم أو متحيز فلا يخلو عن الحوادث حيث لا يخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان، وذلك لأنهم قالوا: لو قامت بذاته صفة حادثة لاتصف بها وتعدى إليه حكمها، وذلك مما يستدعي التغير والتبديل في الذات العلية، وإذا جاز عليه التغير استدعى مغير يغيره وذلك يفضي إلى كون الباري مفتقرًا إلى غيره [غاية المرام، الآمدي، تحقيق دكتور: حسن الشافعي، ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ط١، ١٣٩١هـ ص١٨٨].
وكذلك لو كان الله تعالى قابلاً لحلول الحوادث بذاته، لكان قابلاً لها في الأزل، وإلا كانت القابلية عارضة لذاته، واستدعت قابلية أخرى وهو تسلسل ممتنع [درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، دار الكنوز الأدبية- الرياض، ١٣٩١هـ تحقيق: د محمد رشاد سالم، ٢/٢١٢]. وأنه لو قامت الحوادث بذاته لكان متغيرًا، ولما كان التغير على الله محالاً كان حلول الحوادث في الذات العلية محالاً عند معظم المتكلمين.
أما ابن تيمية فقد تبنى رأيًا مخالفًا لجمهور المتكلمين، وهو أنه آمن بهذه المسألة، ولم ير أنها تفضي إلى ما ذهب إليه الأشاعرة، وأراد ابن تيمية بقيام الحوادث بالذات العلية، هي قيام صفات الكمال عنده، فلا يستلزم أن يتصف بالنقائص الوجودية، مثل أن يتصف بالجهل والضعف ونحو ذلك؛ لأن هذا ممتنع على الله تعالى، لكون هذا نقصًا لا لكونه حادثًا، فالموت والسِّنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك من النقائص، والله منزه عن تلك الصغائر عنده، فلا تقوم به إلا صفات الكمال. وقيام الحوادث بالذات العلية عند ابن تيمية، تعني أن الله قادر على أن يمسك العالم كله في قبضته، ويستند في ذلك إلى تأويله لبعض النصوص منها قولــــه تـعــالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وما ثبث في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية، وأن الله تعالى يقبض العالم العلوي والسفلي ويمسكه، ومن هنا فالحوادث كلها تقوم بذاته عند ابن تيمية، بل ويعد ذلك من أعظم الأدلة على عظمة الله وعظم قدره وقدرته، وعلى فعله القائم بنفسه وفي مخلوقاته [السابق، ٢/٢٠٦: ٢١٢].
وقد رد العلماء على كلام ابن تيمية ردودا بالغة، وردوا كذلك على الكرامية السابقين له في هذا الاتجاه.
وإن كانت مسألة قدم العالم وحدوثه قديمة قدم الفلسفة اليونانية، لكنها أثارث جدلاً في الفكر الاسلامي، بين رفض المفهوم اليوناني لهذه المسألة عند المتكلمين، وتأويلها عند فلاسفة المشائيين مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد، فالفلاسفة قد جوزوا استناد القديم إلى الفاعل، فحكموا بأن العالم قديم، ومع قدمه مستند إلى الله تعالى. والمتكلمون لم يجوزوا استناد القديم إلى الفاعل، فحكموا بأن العالم حادث مستند إليه تعالى. وبذلك لا معنى عند صاحب المواقف للخلاف بينهما، وينقل ذلك عن الرازي [المواقف، ١/٣٦٤]. ومعنى أن العالم محدث أي معلول لعلة قديمة أزلية أوجبته، فلم يزل معها وأطلقوا على هذا الحدوث الذاتي وغيره؛ الحدوث الزماني، وهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من الفلاسفة المسلمين كابن سينا وأمثاله، وقد يحكون هذا القول عن أرسطو حين يقول: إن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه ويقولون: إنه محدث [درء التعارض، ١/٧٢].
والحدوث في استعمال العرب ليس نفس المعنى الاصطلاحي عند المتكلمين، فالعرب يسمون ما تجدد حادثًا وما تقدم على غيره قديمًا، وإن كان لم يوجد بعد [السابق، ١/٢٢١] كقوله تعالى: ﴿وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] وقوله تعالى عن إخوة يوسف: ﴿تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] وقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
أما المتكلمون فيعنون بالمحدث: ذلك الذي يحتاج إلى محدث، أو أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى الفاعل.
وقد قال المعتزلة بأن القرآن كلام الله مخلوق، لكيلا يجعلوا أحد صفات الله تعالى؛ وهي الكلام قديمة معه، وقد جرهم الدفاع عن القرآن ضد المشككين فيه إلى هذا الخطأ.
أما جمهور المتكلمين، فهم يقولون: إن القرآن كلام الله تعالى من صفاته الحقيقية التي لا مجال للحدوث فيها، وهو أي: القرآن الكريم ظل محفوظًا في القلوب، ويروى في الصدور مقروءًا بالألسن مكتوبًا في المصاحف وصفوا القرآن بالقدم. وذهب السلف إلى أن الحفظ والقراءة والكتابة حادثة، لكن متعلقها وهم يعنون بذلك المحفوظ والمقروء والمكتوب قديم. أي أن فعل الإنسان من القراءة والحفظ والكتابة حادث لأنه فعل متجدد، أما ذات المقروء والمحفوظ أي القرآن فهو قديم. وأما ما اشتهر عن أبي الحسن الأشعري من أن القديم معنى قائم بذاته تعالى، قد عبر عنه بهذه العبارات الحادثة؛ فقد قيل إنه غلط من الناقل [المواقف ١/١٦] ولم يقصد إلى ذلك أبو الحسن الأشعري ولا غيره.
وللمتكلمين في هذا الباب أقوال كثيرة، يدافعون فيها عن القرآن، بنيت في معظمها على مسألة العلم الإلهي وأزليته.
الحدوث يعني وجود الشيء بعد العدم، وقد استخدمه المتكلمون لإثبات وجود الله وتنزيهه عن الحوادث، وقد رفض جمهور المتكلمين قيام الحوادث بذات الله، بينما خالفهم ابن تيمية في ذلك، وأثارت مسألة قدم العالم والقرآن جدلاً بين المعتزلة، والأشاعرة، والفلاسفة المسلمين كابن سينا وابن رشد.
تعتبر الحركة أهم لواحق الأجسام الطبيعية، وهي محور لدراسة علل الموجودات الطبيعية
الحادثُ يعني ما يكون مسبوقًا بالعدم
الحدث هو الوصف الشرعيّ أو الحكميّ الذي يحلّ في الأعضاء، ويزيل الطهارة.