تتكون نظرية الجاهلية عند سيد قطب من عدد من المسائل، حصل له فيها خلط شديد، أنتج عددا من المفاهيم الملتبسة، التي انتهى منها إلى الحكم على أهل عصره جميعا بالجاهلية التي تعني التكفير.
ولقد أولع سيد قطب بنظرية الجاهلية، ولهج بها، وكررها في كتابه: (ظلال القرآن) على نحو بالغ، حتى لقد وردت كلمة الجاهلية في كتاب الظلال ألفا وسبعمائة وأربعين مرة (١٧٤٠)، ولقد أحصيت لها في صفحة واحدة أنه كررها تسع مرات، في حين وردت كلمة نور في كتاب الظلال أربعمائة وثلاثين مرة تقريبا (٤٣٥)، وهذا مؤشر مبدأي، ربما لا يدل على شيء، لكن لا يمكن تجاهل دلالته على شدة الحضور والإلحاح الذي كانت تمثله فكرة الجاهلية في عقل الرجل وأطروحته وتصوره.
حيث خلط بين اعتقاد انفراد الله تعالى بالحكم للبشر، وبين جريان الأحكام الفقهية في الواقع، وجريان أحكام الفقه في الواقع من قبيل خطاب التكليف، المرتبط بخطاب الوضع، بحيث يتوقف الأمر فيه على تفقد الأسباب والشروط والموانع، فتحويل هذا الأمر إلى الاعتقاد، وجعل التقصير في إجراء الأحكام قادحا في الاعتقاد وسببا للتكفير: خطأ عظيم تورط فيه سيد قطب، وجعله يعتقد عددا من الأمور العجيبة، منها أنه أخطأ بالزيادة في أصول الإيمان؛ إذ أدخل العمل والفروع في الاعتقاد، وهذا قول الخوارج الذين جعلوا العمل شطرا من الإيمان، كالاعتقاد سواء بسواء، فكفروا بالذنب، ومنها أنه ذهب إلى انقطاع وجود هذا الدين، ومنها أنه ذهب إلى حتمية الصدام بين الفئة المؤمنة –على حد تعبيره- وبين غيرها.
قال في: (ظلال القرآن): (إن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة، وقضية الحاكمية بكل فروعها في الإسلام هي قضية عقيدة، كما أن قضية الأخلاق بجملتها هي قضية عقيدة) [في ظلال القرآن: ٤/ ٢١١٤، ط٤٠: دار الشروق، القاهرة، سنة ١٤٣٤هـ-٢٠١٣م].
وهذا خطأ شديد، لأن إدخال الأخلاق في أمور الاعتقاد ليس بصحيح، ويؤدي به حتما إلى تكفير من يقصر في شيء من أمور الأخلاق، واعتقاد أهل السنة والجماعة أن الاعتقاد قلبي، وأن العمل خارج عن ماهيته، وهذا الخلط الغريب من سيد قطب بين الاعتقادي والعملي أدى به إلى التورط بأن زاد في أصول الإيمان.
حيث خلط بين اعتقاد إفراد الله تعالى بالحاكمية، وبين إجراء الفروع الفقهية في الواقع، وابتكر شيئا سماه توحيد الحاكمية، ويقابله عنده شرك الحاكمية، قال في: (ظلال القرآن): (وقضية التشريع هي قضية الحاكمية، وقضية الحاكمية هي قضية الإيمان) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٢٠]، وقال أيضا: (ذلك ليقرر أن قضية التشريع والحاكمية هي كذلك قضية الدين والعقيدة) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٢٠٥]
وكل هذا من سيد قطب نابع أصلا من كلمة واحدة عند حسن البنا، ألقى بها بذرة هذا التخبط، حيث قال: (والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع) [شرح المواقف/٤ /٣٤٤، ط: دار البصائر، القاهرة، سنة ١٤٢٩هـ-٢٠٠٨م].
ويترتب على ذلك اعتبار مسائل الحكم عقيدة، واعتبار تدابير السياسة وإجراءات الوصول للحكم عقيدة، فتكتسب قوة العقيدة، مما يتولد عنه الاستماتة في الوصول للحكم، لأن الذي تم غرسه في العقل أنها اعتقاد، كما أنه ينشأ عن ذلك سهولة تكفير المخالف سياسيا، لأنه في نظرهم نازعهم في أمر اعتقادي.
واستمع في مقابل هذا التخبط إلى كلام أئمة أهل السنة والجماعة، حيث يقول الإمام المحقق السيد الشريف الجرجاني والإمام المتبحر عضد الدين الإيجي في: (شرح المواقف): (الإمامة ليست من أصول الديانات والعقائد خلافا للشيعة، بل هي عندنا من الفروع) [شرح المواقف: ٤/ ٣٤٤ ط: دار البصائر، القاهرة، سنة ١٤٢٩هـ-٢٠٠٨م]، إلى أن يقول: (والإمامة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا)
فإذا بحسن البنا وسيد قطب قد أقحما مسألة الحكم في العقائد، ثم انسحب هذا المعنى الضخم من مسألة الحكم في ذاتها إلى إجراءاتها، وآلياتها، وانتخاباتها، فسهل على الناس من بعد ذلك أن ينظروا إلى المنافس لهم في السياسة على أنه كافر، والسبب هو هذا الخطأ الفادح، في إدخال أمور في باب الاعتقاد، وهي ليست منه.
ولذلك ينتهي الأمر بحسن البنا أن يقول: (فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف) [مجموعة رسائل حسن البنا: رسائل المؤتمرالخامس: صفحة ٢٩٧].
فتحول مقصد الدين في نظره إلى النهوض للمطالبة بالحكم، حتى صار القعود عن ذلك جريمة لا تغتفر، ولا يكفرها إلا النهوض للمطالبة بالحكم، بل استخلاصه.
ثم استمع معي إلى سيل من كلام سيد قطب في ذلك: قال أيضا: (إن توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد القوامة، وتوحيد الحاكمية، وتوحيد مصدر الشريعة، وتوحيد منهج الحياة، وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة، إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل، وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود، وأن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلام على مدار الزمان، لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه، فالله سبحانه غني عن العالمين) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٩٠٢].
وقال أيضا: (ولم يكن الناس- فيما عدا أفراداً معدودة في فترات قصيرة- ينكرون مبدأ الألوهية ويجحدون وجود الله أَلبتة، إنما هم كانوا يخطئون معرفة حقيقة ربهم الحق، أو يشركون مع الله آلهة أخرى: إما في صورة الاعتقاد والعبادة، وإما في صورة الحاكمية والاتباع، وكلاهما شرك كالآخر يخرج به الناس من دين الله) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٩٠٢].
فهو هنا جعل الاتباع وأمور الفقه والعمل مساوية لأمور الاعتقاد، وأطلق الشرك والتكفير على المقصر فيهما، وهذا خطأ فادح منه.
وقال أيضا: (والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام- على مدار التاريخ البشري- هي قاعدة: «شهادة أن لا إله إلا الله»، أي إفراد الله- سبحانه- بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية، إفراده بها اعتقاداً في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة، فشهادة أن لا إله إلا الله، لا توجد فعلاً ولا تعتبر موجودة شرعاً إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجوداً جدياً حقيقياً يقوم عليه اعتبار قائلها مسلماً أو غير مسلم) [في ظلال القرآن: ٣ /١٩٠٢].
فهو هنا لا يجعل لشهادة التوحيد قيمة، إلا إذا قارنها العمل وإقامة الشعائر، وهذا مخالف لمنهج عموم المسلمين، الذين جعلوا الاعتقاد الصحيح الموجود في القلب لا يتأثر بالعمل وفروع الفقه إلا على وجه الكمال والنقصان، ولم يجعلوا التقصير في فروع الفقه ناقضا لما يعتقده الإنسان من إفراد الحق جل جلاله بالألوهية والتسليم.
وقال أيضا: (والذين لا يفردون الله سبحانه بالحاكمية -في أي زمان وفي أي مكان- هم مشركون، لا يخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله- مجرد اعتقاد- ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده، فإلى هنا يكونون كالحنفاء الذين لم يعتبرهم أحد مسلمين- إنما يعتبر الناس مسلمين حين يتمون حلقات السلسلة، أي حين يضمون إلى الاعتقاد والشعائر، إفراد الله سبحانه بالحاكمية، ورفضهم الاعتراف بشرعية حكم أو قانون أو وضع أو قيمة أو تقليد لم يصدر عن الله وحده.. وهذا وحده هو الإسلام) [في ظلال القرآن: ٣ /١٩٠٢]
وقال أيضا: (فالعقيدة في الإسلام تقوم على أساس شهادة: إن لا إله إلا الله. وبهذه الشهادة يخلع المسلم من قلبه ألوهية كل أحد من العباد ويجعل الألوهية لله، ومن ثم يخلع الحاكمية عن كل أحد ويجعل الحاكمية كلها لله، والتشريع للصغيرة هو مزاولة لحق الحاكمية كالتشريع للكبيرة، فهو من ثَمَّ مزاولة لحق الألوهية، يأباه المسلم إلا الله، والدين في الإسلام هو دينونة العباد في واقعهم- العملي- كما هو الأمر في العقيدة القلبية- لألوهية واحدة هي ألوهية الله، ونفض كل دينونة في هذا الواقع لغير الله من العباد المتألهين! والتشريع هو مزاولة للألوهية، والخضوع للتشريع هو الدينونة لهذه الألوهية، ومن ثم يجعل المسلم دينونته في هذا لله وحده ويخلع ويرفض الدينونة لغير الله من العباد المتألهين! من هنا ذلك الاحتفال كله في القرآن كله بتقرير هذه الأصول الاعتقادية، والاتكاء عليها على هذا النحو الذي نرى صورة منه في سياق هذه السورة المكية) [في ظلال القرآن: ٣ /١٩٠٢]
وقال أيضا: (حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين- ودعك من أعدائه والمستهترين الذين لا يحفلونه- أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة، لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة، ولا يعدون المروق منها مروقاً من الدين، كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة! وهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة، إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة، قروناً طويلة، حتى انتهت مسألة الحاكمية إلى هذه الصورة الباهتة حتى في حس أشد المتحمسين لهذا الدين! وهي هي القضية التي تحتشد لها سورة مكية- موضوعها ليس هو النظام وليس هو الشريعة، إنما موضوعها هو العقيدة- وتحشد لها كل هذه المؤثرات، وكل هذه التقريرات بينما هي تتصدى لجزئية تطبيقية من تقاليد الحياة الاجتماعية. ذلك أنها تتعلق بالأصل الكبير، أصل الحاكمية، وذلك أن هذا الأصل الكبير يتعلق بقاعدة هذا الدين وبوجوده الحقيقي.
إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك، إن هؤلاء لا يقرأون القرآن، ولا يعرفون طبيعة هذا الدين، فليقرأوا القرآن كما أنزله الله وليأخذوا قول الله بجد: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام، ١٢١]
وإن بعض هؤلاء المتحمسين لهذا الدين ليشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون، أو هذا الإجراء، أو هذا القول، منطبقاً على شريعة الله أو غير منطبق، وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك.. كأن الإسلام كله قائم، فلا ينقص وجوده وقيامه وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات! هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين، يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون. بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة، إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة، إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية، شهادة بأن هذا الدين قائم فيها، لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات. بينما الدين كله متوقف عن «الوجود» أصلا، ما دام لا يتمثل في نظام وأوضاع، الحاكمية فيها لله وحده من دون العباد.
إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله؛ فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين) [في ظلال القرآن٣/ ١٢١٦].
فهو هنا يجعل الحاكمية لا تنفصل عن العقيدة، ويجعل المروق منها مروقا من الدين، فتسبب هذا في حكمه على عموم المسلمين بالكفر، بل يسويهم بعباد الأوثان، بسبب تقصير منهم في الأحكام الشرعية، رغم أنه لا يمس اعتقادهم الثابت في الإيمان بالله، وهذا السبب الذي جعل كتابه: (ظلال القرآن) ينضح بالتكفير كما عبر القرضاوي.
وقال أيضا: (يجب أن نذكر هذه الآية، وما قلناه عنها في الصفحات السابقة لندرك ماذا يعني السياق القرآني هنا بالشرك الذي ينهى عنه ابتداءً.. إنه الشرك في الاعتقاد، كما أنه الشرك في الحاكمية؛ فالسياق حاضر، والمناسبة فيه حاضرة، ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر، لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية، قد آتت ثمارها- مع الأسف- فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة، وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام، يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية أو لاستنكار انحلال أخلاقي أو لمخالفة من المخالفات القانونية. ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية، وموقعها من العقيدة الإسلامية! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية، ولا يستنكرون المنكر الأكبر وهو قيام الحياة في غير التوحيد أي على غير إفراد الله- سبحانه- بالحاكمية) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٢٢٩].