Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مفهوم الجاهلية عند الجماعات المتطرفة بين الفهم المتطرف والمنهج الصحيح

الكاتب

الأستاذ الدكتور/ أسامة السيد الأزهري (وزير الأوقاف)

مفهوم الجاهلية عند الجماعات المتطرفة بين الفهم المتطرف والمنهج الصحيح

كيف يمكن أن يتحول مفهوم ديني تاريخي إلى رؤية تصادمية تهدد استقرار المجتمعات؟ 

هنا تتضح خطورة سوء فهم “الجاهلية” وانعكاسه على الفكر والسلوك؛ حيث تعتمد نظرية الجاهلية عند سيد قطب على خلط خطير بين أصول الإيمان وفروع الفقه، مما أدى به إلى تكفير المجتمعات الإسلامية واعتبار الأخلاق والحاكمية جزءًا من العقيدة، محولًا مقصد الدين إلى الصراع والدمار بدلاً من الهداية والبناء.

كيف فسر سيد قطب مفهوم الجاهلية؟

تتكون نظرية الجاهلية عند سيد قطب من عدد من المسائل، حصل له فيها خلط شديد، أنتج عددا من المفاهيم الملتبسة، التي انتهى منها إلى الحكم على أهل عصره جميعا بالجاهلية التي تعني التكفير.

ولقد أولع سيد قطب بنظرية الجاهلية، ولهج بها، وكررها في كتابه: (ظلال القرآن) على نحو بالغ، حتى لقد وردت كلمة الجاهلية في كتاب الظلال ألفا وسبعمائة وأربعين مرة (١٧٤٠)، ولقد أحصيت لها في صفحة واحدة أنه كررها تسع مرات، في حين وردت كلمة نور في كتاب الظلال أربعمائة وثلاثين مرة تقريبا (٤٣٥)، وهذا مؤشر مبدأي، ربما لا يدل على شيء، لكن لا يمكن تجاهل دلالته على شدة الحضور والإلحاح الذي كانت تمثله فكرة الجاهلية في عقل الرجل وأطروحته وتصوره.

حيث خلط بين اعتقاد انفراد الله تعالى بالحكم للبشر، وبين جريان الأحكام الفقهية في الواقع، وجريان أحكام الفقه في الواقع من قبيل خطاب التكليف، المرتبط بخطاب الوضع، بحيث يتوقف الأمر فيه على تفقد الأسباب والشروط والموانع، فتحويل هذا الأمر إلى الاعتقاد، وجعل التقصير في إجراء الأحكام قادحا في الاعتقاد وسببا للتكفير: خطأ عظيم تورط فيه سيد قطب، وجعله يعتقد عددا من الأمور العجيبة، منها أنه أخطأ بالزيادة في أصول الإيمان؛ إذ أدخل العمل والفروع في الاعتقاد، وهذا قول الخوارج الذين جعلوا العمل شطرا من الإيمان، كالاعتقاد سواء بسواء، فكفروا بالذنب، ومنها أنه ذهب إلى انقطاع وجود هذا الدين، ومنها أنه ذهب إلى حتمية الصدام بين الفئة المؤمنة –على حد تعبيره- وبين غيرها.

قال في: (ظلال القرآن): (إن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة، وقضية الحاكمية بكل فروعها في الإسلام هي قضية عقيدة، كما أن قضية الأخلاق بجملتها هي قضية عقيدة) [في ظلال القرآن: ٤/ ٢١١٤، ط٤٠: دار الشروق، القاهرة، سنة ١٤٣٤هـ-٢٠١٣م].

وهذا خطأ شديد، لأن إدخال الأخلاق في أمور الاعتقاد ليس بصحيح، ويؤدي به حتما إلى تكفير من يقصر في شيء من أمور الأخلاق، واعتقاد أهل السنة والجماعة أن الاعتقاد قلبي، وأن العمل خارج عن ماهيته، وهذا الخلط الغريب من سيد قطب بين الاعتقادي والعملي أدى به إلى التورط بأن زاد في أصول الإيمان.

حيث خلط بين اعتقاد إفراد الله تعالى بالحاكمية، وبين إجراء الفروع الفقهية في الواقع، وابتكر شيئا سماه توحيد الحاكمية، ويقابله عنده شرك الحاكمية، قال في: (ظلال القرآن): (وقضية التشريع هي قضية الحاكمية، وقضية الحاكمية هي قضية الإيمان) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٢٠]، وقال أيضا: (ذلك ليقرر أن قضية التشريع والحاكمية هي كذلك قضية الدين والعقيدة) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٢٠٥]

وكل هذا من سيد قطب نابع أصلا من كلمة واحدة عند حسن البنا، ألقى بها بذرة هذا التخبط، حيث قال: (والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع) [شرح المواقف/٤ /٣٤٤، ط: دار البصائر، القاهرة، سنة ١٤٢٩هـ-٢٠٠٨م].

ويترتب على ذلك اعتبار مسائل الحكم عقيدة، واعتبار تدابير السياسة وإجراءات الوصول للحكم عقيدة، فتكتسب قوة العقيدة، مما يتولد عنه الاستماتة في الوصول للحكم، لأن الذي تم غرسه في العقل أنها اعتقاد، كما أنه ينشأ عن ذلك سهولة تكفير المخالف سياسيا، لأنه في نظرهم نازعهم في أمر اعتقادي.

واستمع في مقابل هذا التخبط إلى كلام أئمة أهل السنة والجماعة، حيث يقول الإمام المحقق السيد الشريف الجرجاني والإمام المتبحر عضد الدين الإيجي في: (شرح المواقف): (الإمامة ليست من أصول الديانات والعقائد خلافا للشيعة، بل هي عندنا من الفروع) [شرح المواقف: ٤/ ٣٤٤ ط: دار البصائر، القاهرة، سنة ١٤٢٩هـ-٢٠٠٨م]، إلى أن يقول: (والإمامة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا)

فإذا بحسن البنا وسيد قطب قد أقحما مسألة الحكم في العقائد، ثم انسحب هذا المعنى الضخم من مسألة الحكم في ذاتها إلى إجراءاتها، وآلياتها، وانتخاباتها، فسهل على الناس من بعد ذلك أن ينظروا إلى المنافس لهم في السياسة على أنه كافر، والسبب هو هذا الخطأ الفادح، في إدخال أمور في باب الاعتقاد، وهي ليست منه.

ولذلك ينتهي الأمر بحسن البنا أن يقول: (فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف) [مجموعة رسائل حسن البنا: رسائل المؤتمرالخامس: صفحة ٢٩٧].

فتحول مقصد الدين في نظره إلى النهوض للمطالبة بالحكم، حتى صار القعود عن ذلك جريمة لا تغتفر، ولا يكفرها إلا النهوض للمطالبة بالحكم، بل استخلاصه.

ثم استمع معي إلى سيل من كلام سيد قطب في ذلك: قال أيضا: (إن توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد القوامة، وتوحيد الحاكمية، وتوحيد مصدر الشريعة، وتوحيد منهج الحياة، وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة، إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل، وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود، وأن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلام على مدار الزمان، لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه، فالله سبحانه غني عن العالمين) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٩٠٢].

وقال أيضا: (ولم يكن الناس- فيما عدا أفراداً معدودة في فترات قصيرة- ينكرون مبدأ الألوهية ويجحدون وجود الله أَلبتة، إنما هم كانوا يخطئون معرفة حقيقة ربهم الحق، أو يشركون مع الله آلهة أخرى: إما في صورة الاعتقاد والعبادة، وإما في صورة الحاكمية والاتباع، وكلاهما شرك كالآخر يخرج به الناس من دين الله) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٩٠٢].

فهو هنا جعل الاتباع وأمور الفقه والعمل مساوية لأمور الاعتقاد، وأطلق الشرك والتكفير على المقصر فيهما، وهذا خطأ فادح منه.

وقال أيضا: (والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام- على مدار التاريخ البشري- هي قاعدة: «شهادة أن لا إله إلا الله»، أي إفراد الله- سبحانه- بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية، إفراده بها اعتقاداً في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة، فشهادة أن لا إله إلا الله، لا توجد فعلاً ولا تعتبر موجودة شرعاً إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجوداً جدياً حقيقياً يقوم عليه اعتبار قائلها مسلماً أو غير مسلم) [في ظلال القرآن: ٣ /١٩٠٢].

فهو هنا لا يجعل لشهادة التوحيد قيمة، إلا إذا قارنها العمل وإقامة الشعائر، وهذا مخالف لمنهج عموم المسلمين، الذين جعلوا الاعتقاد الصحيح الموجود في القلب لا يتأثر بالعمل وفروع الفقه إلا على وجه الكمال والنقصان، ولم يجعلوا التقصير في فروع الفقه ناقضا لما يعتقده الإنسان من إفراد الحق جل جلاله بالألوهية والتسليم.

وقال أيضا: (والذين لا يفردون الله سبحانه بالحاكمية -في أي زمان وفي أي مكان- هم مشركون، لا يخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله- مجرد اعتقاد- ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده، فإلى هنا يكونون كالحنفاء الذين لم يعتبرهم أحد مسلمين- إنما يعتبر الناس مسلمين حين يتمون حلقات السلسلة، أي حين يضمون إلى الاعتقاد والشعائر، إفراد الله سبحانه بالحاكمية، ورفضهم الاعتراف بشرعية حكم أو قانون أو وضع أو قيمة أو تقليد لم يصدر عن الله وحده.. وهذا وحده هو الإسلام) [في ظلال القرآن: ٣ /١٩٠٢]

وقال أيضا: (فالعقيدة في الإسلام تقوم على أساس شهادة: إن لا إله إلا الله. وبهذه الشهادة يخلع المسلم من قلبه ألوهية كل أحد من العباد ويجعل الألوهية لله، ومن ثم يخلع الحاكمية عن كل أحد ويجعل الحاكمية كلها لله، والتشريع للصغيرة هو مزاولة لحق الحاكمية كالتشريع للكبيرة، فهو من ثَمَّ مزاولة لحق الألوهية، يأباه المسلم إلا الله، والدين في الإسلام هو دينونة العباد في واقعهم- العملي- كما هو الأمر في العقيدة القلبية- لألوهية واحدة هي ألوهية الله، ونفض كل دينونة في هذا الواقع لغير الله من العباد المتألهين! والتشريع هو مزاولة للألوهية، والخضوع للتشريع هو الدينونة لهذه الألوهية، ومن ثم يجعل المسلم دينونته في هذا لله وحده ويخلع ويرفض الدينونة لغير الله من العباد المتألهين! من هنا ذلك الاحتفال كله في القرآن كله بتقرير هذه الأصول الاعتقادية، والاتكاء عليها على هذا النحو الذي نرى صورة منه في سياق هذه السورة المكية) [في ظلال القرآن: ٣ /١٩٠٢]

وقال أيضا: (حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين- ودعك من أعدائه والمستهترين الذين لا يحفلونه- أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة، لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة، ولا يعدون المروق منها مروقاً من الدين، كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة! وهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة، إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة، قروناً طويلة، حتى انتهت مسألة الحاكمية إلى هذه الصورة الباهتة حتى في حس أشد المتحمسين لهذا الدين! وهي هي القضية التي تحتشد لها سورة مكية- موضوعها ليس هو النظام وليس هو الشريعة، إنما موضوعها هو العقيدة- وتحشد لها كل هذه المؤثرات، وكل هذه التقريرات بينما هي تتصدى لجزئية تطبيقية من تقاليد الحياة الاجتماعية. ذلك أنها تتعلق بالأصل الكبير، أصل الحاكمية، وذلك أن هذا الأصل الكبير يتعلق بقاعدة هذا الدين وبوجوده الحقيقي.

إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك، إن هؤلاء لا يقرأون القرآن، ولا يعرفون طبيعة هذا الدين، فليقرأوا القرآن كما أنزله الله وليأخذوا قول الله بجد: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام، ١٢١]

وإن بعض هؤلاء المتحمسين لهذا الدين ليشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون، أو هذا الإجراء، أو هذا القول، منطبقاً على شريعة الله أو غير منطبق، وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك.. كأن الإسلام كله قائم، فلا ينقص وجوده وقيامه وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات! هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين، يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون. بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة، إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة، إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية، شهادة بأن هذا الدين قائم فيها، لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات. بينما الدين كله متوقف عن «الوجود» أصلا، ما دام لا يتمثل في نظام وأوضاع، الحاكمية فيها لله وحده من دون العباد.

إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله؛ فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين) [في ظلال القرآن٣/ ١٢١٦].

فهو هنا يجعل الحاكمية لا تنفصل عن العقيدة، ويجعل المروق منها مروقا من الدين، فتسبب هذا في حكمه على عموم المسلمين بالكفر، بل يسويهم بعباد الأوثان، بسبب تقصير منهم في الأحكام الشرعية، رغم أنه لا يمس اعتقادهم الثابت في الإيمان بالله، وهذا السبب الذي جعل كتابه: (ظلال القرآن) ينضح بالتكفير كما عبر القرضاوي.

وقال أيضا: (يجب أن نذكر هذه الآية، وما قلناه عنها في الصفحات السابقة لندرك ماذا يعني السياق القرآني هنا بالشرك الذي ينهى عنه ابتداءً.. إنه الشرك في الاعتقاد، كما أنه الشرك في الحاكمية؛ فالسياق حاضر، والمناسبة فيه حاضرة، ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر، لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية، قد آتت ثمارها- مع الأسف- فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة، وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام، يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية أو لاستنكار انحلال أخلاقي أو لمخالفة من المخالفات القانونية. ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية، وموقعها من العقيدة الإسلامية! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية، ولا يستنكرون المنكر الأكبر وهو قيام الحياة في غير التوحيد أي على غير إفراد الله- سبحانه- بالحاكمية) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٢٢٩].

الجاهلية عند سيد قطب ليست فترة تاريخية ماضية

الجاهلية عنده ليست فترة تاريخية ماضية بل هي منهج ممتد عبر الزمان قبل الإسلام وبعده، فهو يجوز رجوع الناس إلى الجاهلية الأولى بكل ما فيها من كفر وشرك واضطراب في القيم الاجتماعية.

واعتقاد عموم المسلمين هو أن أهل الإسلام لا يرجعون كفارا أبدا، وأن ما قد يقع في سلوكهم من مخالفة للشرع إنما هو من قبيل المعصية والمخالفة، لا من قبيل الكفر والارتداد، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ينص على ذلك صراحة، فقد روى البخاري في صحيحه عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها).

لكن سيد قطب يذهب إلى أن الأمة الإسلامية رجعت إلى الجاهلية التي كانت قبل وجود النبي صلى الله عليه وسلم، بالكفر والشرك، فقال في: (ظلال القرآن): (إن الجاهلية ليست فترة ماضية من فترات التاريخ؛ إنما الجاهلية كل منهج تتمثل فيه عبودية البشر للبشر، وهذه الخاصية تتمثل اليوم في كل مناهج الأرض بلا استثناء، ففي كل المناهج التي تعتنقها البشرية اليوم، يأخذ البشر عن بشر مثلهم: التصورات والمبادئ، والموازين والقيم، والشرائع والقوانين، والأوضاع والتقاليد) [في ظلال القرآن: ٣/ ١٢١٦].

وقال أيضا: (والجاهلية ليست فترة تاريخية، إنما هي حالة توجد كلما وجدت مقوّماتها في وضع أو نظام، وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر) [في ظلال القرآن: ٢/ ٨٩٠].

وقال أيضا: (إن الجاهلية -في ضوء هذا النص- ليست فترة من الزمان ولكنها وضع من الأوضاع، هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدا، فيأخذ صفة الجاهلية، المقابلة للإسلام، والمناقضة للإسلام) [في ظلال القرآن: ٢/ ٨٩٠].

وقال أيضا: (إن الجاهلية ليست فترة من الزمان ولكنها حالة ووضع يتكرر -في أشكال شتى- على مدار الزمان) [في ظلال القرآن: ٢/ ٨٩٠].

وأشد من ذلك قوله أيضا: (ولا فصام بين الدين والحياة الواقعية المادية كما هو واقع في الأوضاع الجاهلية القائمة في الأرض كلها اليوم) [في ظلال القرآن: ٢ /٨٩٠].

فأي عدوان هذا على الأمة المحمدية المرحومة، وأي عدوان هذا على الدين الإسلامي كله، حيث يتصور أنه زال من الدنيا، وأن الجاهلية التي هي الكفر والشرك تعم الأرض كلها؟!

ويقول أيضا: (هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض اليوم، وفي قلبه، وفي همه، وفي حركته، أن «ينشئ» الإسلام في نفسه وفي نفوس الناس، وفي حياته وفي حياة الناس، مرة أخرى في مواجهة هذه الجاهلية، بكل تصوراتها، وكل اهتماماتها وكل تقاليدها، وكل واقعها العملي وكل ضغطها كذلك عليه، وحربها له، ومناهضتها لعقيدته الربانية، ومنهجه الرباني) [في ظلال القرآن: ٢ /٨٩٠].

ويقول أيضا: (وينظر فيرى الذين يقولون: إنهم مسلمون ليسوا على شيء لأنهم لا يقيمون كتاب اللّه المنزل إليهم، فيتعاظمه الأمر، ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق الفاصلة، ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شي ء! وأن يبين لهم «الدين» الحق! وليس هذا هو الطريق، إن الجاهلية هي الجاهلية - ولو عمت أهل الأرض جميعا - وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين اللّه الحق، وواجب صاحب الدعوة هو واجبه لا تغيره كثرة الضلّال ولا ضخامة الباطل، فالباطل ركام، وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة : أنهم ليسوا على شيء، كذلك ينبغي أن تستأنف، وقد استدار الزمان كهيئة يوم بعث اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم) [في ظلال القرآن: ٢/ ٨٩٠].

هل الجاهلية تعني انقطاع الدين في المجتمعات؟

وأنه لم يعد له وجود في الأرض: وقد غرق سيد قطب في هذا التصور المظلم، الغارق في العقد النفسية، والذي وصل إلى تصور كئيب بأن الأرض كلها على الشرك، وأن الأمة المسلمة نقضت الإسلام، وأن الكون غارق في الجاهلية والكفر.

ولم يزل به هذا التصور الظلماني المغرق في الكآبة حتى صرح ذلك التصريح الغريب المذهل بأن هذا الدين قد انقطع وجوده قبل زمن.

فقال في كتاب: (العدالة الاجتماعية في الإسلام): (وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم –على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام- لا نرى لهذا الدين "وجودا"، إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر) [العدالة الاجتماعية في الإسلام: ص١٨٣، ط: دار الشروق، القاهرة، سنة ١٤١٥هـ-١٩٩٥م].

وقال في كتاب: (معالم في الطريق): (إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة) [معالم في الطريق: ص٨].

وهذا عدوان صارخ على الأمة المحمدية، التي هي خير أمة أخرجت للناس، ورمي بالكفر والشرك، ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم.

ويقول في: (ظلال القرآن): (لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا اللّه؛ فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا اللّه، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: «لا إله إلا اللّه» دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية «الحاكمية» التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب، فالأفراد، كالتشكيلات، كالشعوب، ليست آلهة، فليس لها إذن حق الحاكمية، إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا اللّه، فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولم تعد توحد اللّه، وتخلص له الولاء.

البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات: «لا إله إلا اللّه» بلا مدلول ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد -من بعد ما تبين لهم الهدى- ومن بعد أن كانوا في دين اللّه! فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلا أمام هذه الآيات البينات) [في ظلال القرآن: ٢/ ١٠٥٧].

فهو هنا يصرح بأن الأمة كلها قد ارتدت، حتى أولئك الذين يرددون الأذان على المآذن، بل هم عنده أشد عذابا وأثقل إثما يوم القيامة!

ولا يستثني من ذلك أحدا، رغم أنه يرجع ليتكلم عن العصبة المؤمنة فيقول: (وإن العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة، إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض، نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات) [في ظلال القرآن: ٢/ ١٠٥٧].

ويقول: (إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض، من الجاهلية التي تغمر الأرض، هذا الموقف) [في ظلال القرآن: ٢ /١٠٥٧].

ويقول صالح سرية في: (رسالة الإيمان): (كل القوانين المخالفة للإسلام في الدولة فهي قوانين كفر، وكل من أعدّها أو ساهم في إعدادها أو جعلها تشريعات ملزمة، وكل من طبقها دون اعتراض عليها أو إنكارها فهو كافر؛ وعلى هذا فإن كل أعضاء اللجنة من المستشارين الذين وضعوا هذه التشريعات، وكل أعضاء البرلمان الذين صدقوا وكل مجلس الوزراء الذي قدمها والرئيس الذي وقّع عليها، والقضاة والنيابة ومحققو الشرطة والمباحث الذين حققوا بموجبها، إذا كانوا غير معترضين عليها وأخلصوا في عملهم بموجبها فهم كفار، وكل فرد من أفراد الشعب رضي بها أو لم ينكرها، أو وقف موقف اللامبالاة منها فهو كافر، لأن كل هؤلاء قد فضلوا شريعة البشر على شريعة الله وهذا كفر لأنهم اتخذوا آلهة غير الله وحكموا بغير ما أنزل الله).

ما فكرة “حتمية الصدام” عند تصور سيد قطب؟

حيث آلت كل الأمور السابقة بسيد قطب إلى تصور غريب، وهو أن علاقة المسلمين بغيرهم هي علاقة صدام وصراع، قال: (حقا إنه لم يكن بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له، لأن مجرد وجوده، في صورة إعلان عام لربوبية الله للعالمين، وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وتمثل هذا الوجود في تجمع تنظيمي حركي تحت قيادة جديدة غير قيادات الجاهلية، وميلاد مجتمع مستقل متميز لا يعترف لأحد من البشر بالحاكمية، لأن الحاكمية فيه لله وحده.

إن مجرد وجود هذا الدين في هذه الصورة لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله، القائمة على قاعدة العبودية للعباد، أن تحاول سحقه، دفاعا عن وجودها ذاته، ولا بد أن يتحرك المجتمع الجديد للدفاع عن نفسه.

هذه ملابسة لا بد منها، تولد مع ميلاد الإسلام ذاته، وهذه معركة مفروضة على الإسلام فرضا، ولا خيار له في خوضها. وهذا صراع طبيعي بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما طويلا) [في ظلال القرآن: ٢/ ١٠٥٧].

ويقول أيضا: (ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها، وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم، لا يمكن أن يهادنها هذا الدين، أو يبقي عليها، وأنها -من ثم- معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض، ويستعلي هذا الدين، ويكون الدين كله للّه، أي أن يكون السلطان في الأرض كله للّه وأن يطارد المعتدون على سلطان اللّه في الأرض كلها؛ وبذلك وحده يكون الدين كله للّه) [في ظلال القرآن: ٢ /١٠٥٧].

فهل قامت علاقة أمة الإسلام بغيرها من الأمم على الصراع والفناء، إذن فما الفارق بين فكر سيد قطب وبين نظرية صدام الحضارات عند صامويل هانتجتون، وأين هو من قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [سورة الحجرات:١٣]، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:١٠٧].

والخلاصة أن نظرية الجاهلية عنده قائمة على عدد من الافتراضات المغلوطة المشوشة، منها أنه زاد في أصول الإيمان، وخلط بين الاعتقاد والعمل بالفروع الفقهية، وغاب عنه تماما نظرية عوارض الأهلية عند الأصوليين، وابتكر شيئا اسمه توحيد الحاكمية، ثم رتب على ذلك أن الجاهلية التي هي الكفر والشرك قد عمت الأرض كلها، وأن الأمة المحمدية ارتدت، وأن الدين قد توقف وجوده، وأن الصدام حتمي، وقد سبق نقل كلامه وعباراته باستفاضة، كل هذا يجعل من يمعن في قراءة كتاب: (ظلال القرآن) فإنه ينحرف مزاجه وتصوره، وينظر نظرة قاتمة جدا للأمة والعالم من حوله، ويمتليء بفكرة الصدام والصراع، وينضح بالتكفير.

كيف يؤدي خلط العقيدة بالفقه إلى التكفير؟

لكنه لا يرى التسامح أبدا مع المسلمين الذين يتجرأ هو ويكفرهم، إلى أن تطور الأمر عند داعش، فلم تتسامح مع أحد قط، بل قطعت الرقاب، وأعادت الرق والعبودية.

يقول في (ظلال القرآن): (إن الإسلام يتسامح هذا التسامح مع مخالفيه جهاراً نهاراً في العقيدة، ولكنه لا يتسامح هذا التسامح مع من يقولون الإسلام كلمة باللسان تكذبها الأفعال، لا يتسامح مع من يقولون: إنهم يوحدون الله ويشهدون أن لا إله إلا الله، ثم يعترفون لغير الله بخاصية من خصائص الألوهية، كالحاكمية والتشريع للناس) [في ظلال القرآن: ٢/ ٧٣٢].

وهذا التصور الغريب هو الذي جعل التيارات المتطرفة التكفيرية عبر تاريخها، تنكفئ على المسلمين، وتريق منهم الدماء، حتى تحولوا إلى حربة في نحور أهل الإسلام، وألحقوا بهم النكال، دون أن يكون لهم أدنى اشتغال بمخاطبة بقية الأمم والشعوب والحضارات من حولنا بما في هذا الدين من هداية وعلوم ومعارف وحضارة، فانعكس على يدهم مقصود الدين، وانعكست عندهم مقاصد الرسالة المحمدية، وبدلا من جعل أمة الإسلام أمة تقوم بين الأمم مقام هداية وبيان ودعوة إلى الله ونشر لمنظومة القيم النابعة من محاسن هذا الشرع الشريف، تحولوا إلى المسلمين، فنهشوا فيهم، وسفكوا دماءهم.

حتى قال الحافظ ابن كثير في: (البداية والنهاية) (وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد وسبق في قدره العظيم، وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج: إنهم المذكورون في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:١٠٢ - ١٠٣]، والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس، ويتحصنوا بها، ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم ممن هو على رأيهم ومذهبهم من أهل البصرة وغيرها، فيوافوهم إليها، ويكون اجتماعهم عليها) [البداية والنهاية: ٧/ ٢٨٦].ِ

سؤال وجواب

س: ما خطورة تفسير الجاهلية عند سيد قطب؟

ج: يؤدي إلى تكفير المجتمعات واعتبارها خارجة عن الدين.

س: ما فكرة حتمية الصدام؟

ج: تصور صراع دائم بين “الإيمان” و“المجتمع” بشكل شامل.

س: ما أثر هذا الفكر؟

ج: نشر العنف والانقسام الفكري داخل المجتمع.

الخلاصة

تتمحور نظرية الجاهلية عند سيد قطب حول خلط جوهري بين الاعتقاد والأعمال الفقهية، مما أفضى به إلى تكفير المجتمعات المسلمة واعتبار الأخلاق والحاكمية جزءًا أصيلًا من الإيمان. هذا التفسير المتشدد، الذي يتعارض مع منهج أهل السنة والجماعة، قاده إلى الاعتقاد بانقطاع الدين وحتمية الصراع الشامل. الغريب أنه يدعو للتسامح مع غير المسلمين بينما يبيح العنف ضد من يكفرهم من المسلمين، محولًا جوهر الدين إلى صراع مدمر بدلًا من الهداية والبناء.

موضوعات ذات صلة

تُقدم التيارات الإسلامية المتطرفة مفهوم التمكين كغاية سياسية للسيطرة على السلطة.

بعض المنتسبين إلى الدين، رغم شغفهم بالقرآن، قد ينحرفون نحو التكفير والعنف.

تتشابك أسباب التكفير بين جهل مطبق بمقاصد الشريعة وانحراف فكري يحيد بالمرء عن جادة الصواب، مما يولد فكرًا صداميًا يستبيح الحرمات

يعد ضبط أحكام التكفير من أوجب الواجبات العلمية لحماية جناب الدين وعصمة دماء المسلمين

موضوعات مختارة