وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن قضية التكفير التي أهمت العالم، وشغلت السياسة، ونبهت القادة وحركت أهل الإسلام، لم تكن في معزل عن الأسباب والروافد التي تُشعلها وتنميها؛ وإن من حكمة القضاء عليها استجلاء بواعثها، ويأتي الجهل بالكتاب والسنة ومقاصد الشريعة، وبأحكام التكفير وقواعده، في مقدمة الأسباب الرئيسة للوقوع في هذه المزالق، سواء أكان ذلك جهلًا مطبقًا أم جزئيًّا راجعًا إلى تأويل من لم تكمل أهليته، ولو كملت أهلية الاجتهاد عند هؤلاء، لما أقدموا على التكفير واستباحة الدماء المعصومة، وهل أصاب المسلمين ما أصابهم إلا بإهمال القواعد الشرعية؟ والله - عز وجل - يقول في شأن النصارى: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِینَ قَالُوۤا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰۤ أَخَذۡنَا مِیثَٰقَهُمۡ فَنَسُوا۟ حَظࣰّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغۡرَیۡنَا بَیۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَاۤءَ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ یُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤].
إن من لا يدرك كيفية تفسير القرآن، ولا يميز صحيح السنة من ضعيفها، أو يقدم قول حزبه على صريح الوحي، لا يُرجى له أن يكون على الجادة، وكذلك من لا يفهم الفرق بين صريح القول وظاهره، أو بين القول ولازمه، ولا يفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين، فكيف يجوز له الكلام في مسائل النوازل المدلهمة؟ إن امتطاء صهوة التكفير منهجًا والتدمير مسلكًا هو نتاج طبيعي لهذا القصور المعرفي، الذي يجعل الفرد لا يبالي بسفك الدماء وانتهاك الحرمات، ويشق عصا الطاعة ويفرى وحدة الجماعة دون أدنى استشعار لمسئولية المقاصد الشرعية التي قامت على حفظ الضرورات الخمس.
لقد رخصت الذمم عند هؤلاء حتى لم يعد لأمن الأمة واستقرارها وزن في ميزانهم، فاتخذوا العنف برهانًا والنجيع عنوانًا، وهذا المسلك المنحرف لم يورث الأمة إلا الضعف والتمزق، نتيجة النظرة الجزئية غير الشمولية لنصوص الشريعة، فالفكر السليم هو الذي يفيء بالمسلم إلى الوسط والاعتدال، وبدونه تسود الفوضى وتتعطل مصالح البلاد والعباد، إن استحضار خشية الديان سبحانه في التعامل مع النصوص هو الفارق بين منهج العلماء الراسخين ومنهج المتسرعين الذين أيقظوا الفتنة وحملوا السلاح على أمتهم.
يُمثل الانحراف الفكري إحدى الأسس الدموية التي يقوم عليها إجرام جحافل التكفير، وهو في حقيقته ميلان الفكر وخروجه عن مألوف السلوك وسوي التفكير، وقد تباينت التسميات باختلاف التوجهات؛ فالنفسيون أسموه انحرافًا سلوكيًّا، وآخرون أسموه انحرافًا عقديًّا، ولكن المصدر الحقيقي واحد وهو (الفكر)، الذي هو إعمال الخاطر في الشيء. ونبراسنا في مواجهة من يريد تفرقة الجماعة ما رواه مسلم عن عرفجة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» [أخرجه مسلم: (١٨٥٢)].
المتأمل في مسيرة الأمة المحمدية يجد أن الانحراف الفكري هو الخلاصة المرة التي آل إليها الانحراف التاريخي، فالأفكار والمفاهيم هي التي تقود الجوارح وتوجه السلوك، ولئن ظن البعض أن الأرزاء نتاج انحرافات سلوكية، فإن الانحراف الأخطر هو الذي يرزأ المفاهيم التي جنحت عن مراد الشارع، لذا يجد الداعية المشقة الكبرى في التعامل مع منحرف الفكر؛ لأنه يحتاج أولًا إلى تصحيح مفاهيمه قبل سلوكه، وتلك هي الغربة التي أخبر عنها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ» [أخرجه مسلم :(١٤٥)].
إن صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله، بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم والضالين، فصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد والحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد، وبدون هذا الفهم، تزل الأقدام رغم وجود العلم المجرد، ولذلك دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» [أخرجه أحمد: (٣٠٦/٥)].
وقف الانحراف الفكري سببًا تاريخيًا وراء مصائب عظمى، فبسببه تأبلس إبليس وقتل هابيل وسفكت دماء سادات الأمة كعثمان وعلى والحسين - رضي الله عنهم - وما الذي سلّط سيوف التتار ومهد لطوائف الإلحاد والزندقة إلا هذا الخروج عن جادة الفهم؟ إن مكمن الانحراف لدى طائفة التكفير يكمن في قلة فقهها، والاستدلال الناقص بالأدلة الشرعية بعيدًا عن مقاصدها الكلية؛ فالانحراف الفكري لا ينحصر في القلاقل والزعازع الحالية فحسب، بل هو وباء يمس جميع جوانب الحياة ويقوض أركان الحضارة الإسلامية.
تظل قضية الفكر السليم هي الركيزة الأساسية التي تضمن للمسلم حياة قائمة على الوسطية والاعتدال بعيدًا عن شطط الغلو، إن استئصال شأفة التكفير يتطلب وعيًا عميقًا بمقاصد الشريعة والالتفاف حول العلماء الراسخين الذين يجمعون بين العلم بالحكم والوعي بالواقع، والجهل بأحكام الديانة وقواعد الاستدلال هو الثغرة التي يتسلل منها دعاة الفتنة لشق عصا الجماعة وتدمير مكتسبات الأمة الإسلامية، وصحة الفهم هي الهبة الإلهية التي تعصم الدماء وتحفظ للأوطان استقرارها في مواجهة موجات التكفير العاتية التي رزئت بها أمتنا.
الانحراف الفكري ظاهرة مروعة قوضت سلام العالم، ومزقت الوحدة الداخلية للأمة
التطرفَ والإرهابَ لا ينبعانِ من سببٍ واحدٍ، بل من شبكةٍ معقّدة منَ العواملِ المتداخلةِ
يمثل الفكر مركز السلوك الإنساني، ومن ثم فإن انحرافه العقدي والسلوكي يولد فكرًا تكفيريًا يستهدف هيبة العلماء ويجهل مآلات الأفعال التدميرية
تتشابك أسباب التكفير بين جهل مطبق بمقاصد الشريعة وانحراف فكري يحيد بالمرء عن جادة الصواب، مما يولد فكرًا صداميًا يستبيح الحرمات.