Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أمانة العلم بين يقين البدايات وتواضع النهايات

الكاتب

أ.د علي جمعة محمد (عضو هيئة كبار العلماء)

أمانة العلم بين يقين البدايات وتواضع النهايات

من أدب العلم أن يبدأ بالبسملة، ويُختم بالتواضع: والله أعلم؛ فكيف نجح علماؤنا في ربط أبحاثهم البشرية بعظمة الخالق ليرسموا لنا طريقًا للتفكير الصحيح؟

أدب البدايات وحكمة النهايات عند العلماء

لقد تجلّى في أدبيات المسلمين وعيٌ واضح بالعلاقة بين النسبي والمطلق؛ فنراهم يبدءون بالإقرار بالإيمان بالمطلق، وما يقتضيه ذلك من الإيمان بالله، وبرسله، وبالقيم السامية العالية، ويتمثل ذلك في بدايات كتبهم؛ حيث يفتتحون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهي العبارة التي نُحِتَ منها في لغة العرب لفظ البسملة؛ لكثرة استعمالها في البدايات، ثم يتبعون ذلك بـ (الحمد لله رب العالمين)، وقد تفننوا في صيغ الحمد كثيرًا، ثم يذكرون الصلاة على سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم.

وكانوا يعللون ذلك، وهم يشرحون صنيعهم، بأن هذا البدء بالبسملة والحمدلة اقتداءٌ بالكتاب الكريم؛ إذ بدأت فاتحة الكتاب بقوله تعالى: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِیمِ * ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الفاتحة: ١-٢]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيهِ ببسم الله فهو أَبْتَر» [الخطيب البغدادي: كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، (١٢١٠)]، وفي رواية: «بحمد الله» [أبو داود: السنن،  كتاب الأدب  باب الهدي في الكلام (٤٨٤٠) بلفظ فهو أجذم بدلً من أقطع]،  وفي رواية: «ذكر الله» [انظر الإمام أحمد: المسند، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، رقم (٨٧١١)].

وأما ذكر الصلاة على سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فامتثالًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰۤئِكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وطلبًا للثواب العظيم الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَن صلى عَلَيَّ واحدةً، صلى اللهُ عليه عَشْرًا» [الإمام مسلم: الصحيح، (٤٠٨)]، وأداءً لحق سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوسنا من التعظيم، والتوقير، والمحبة.

وفي مقدمات الكتب، التي تستحق دراسة واعية من هذه الجهة، يذكر العلماء قضية الخلق، والكون من حولنا، ونعمة الله علينا بالتعلم، وبالأمر والنهي والتكليف.

كما يذكرون شيئًا من هموم الدنيا وشواغلها، ويقرون بمحدودية الإنسان وضعفه، وبأنه محتاج إلى أن يضمَّ إلى الحمد استغفارًا، وإلى الثناء طلبًا للمعونة والتوفيق، وقد يقرنون ذلك بالشهادتين، بوصفهما مدخلًا معرفيًّا يربط ما يقولونه من نسبي بما يؤمنون به من مطلق.

ثم تراهم، في نهاية اجتهادهم أو بحثهم، يقولون: والله تعالى أعلى وأعلم، أو: والله أعلم، وهي كلمة حكيمة تدل على أمور جليلة؛ منها: أن العالم يعلن أن علمه محدود، وأن حواسه التي تتلقى الواقع محدودة، وأن العقل الذي يفكر به محدود كذلك، ومعنى هذا أنه، مع اجتهاده وبحثه وتعاطيه مع الواقع، يعترف بحدوده، فلا تتضخم ذاته، ولا يغتر بما توصل إليه، ويترك مساحة واسعة بين قضايا القطع واليقين، وبين قضايا الظن والاجتهاد.

ومن حكمة هذه الكلمة - أيضًا - أن العالم يكون على استعداد لتغيير ما قد يكون أخطأ فيه، وأنه يرجع عنه فورًا إذا تبين له الحق بالبرهان، وهو بهذا يعلن أن باب العلم مفتوح، وأن البحث لا ينتهي عند شخص، ولا يقف عند رأي، ولا يحتكر أحد فيه الكلمة الأخيرة.

ومن حكمتها كذلك أنها ترد العلم إلى أهله؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، كما قال تعالى: ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ [العلق: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا﴾ [طه: ١١٤]، وقال عز وجل: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ وَیُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ بل إن أصل الخلقة قائم على هذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].

فوائد رد العلم الى الله

وردُّ العلم إلى الله يفيد فائدتين عظيمتين:

الأولى: فائدة معرفية، تتمثل في مستوى من التفكير المستنير يربط ظواهر الحياة بحقائقها، ويوقن أن هذه الدنيا مخلوقة لخالق، وأن الله - سبحانه وتعالى - لم يتركنا بعد أن خلقنا عبثًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثࣰا وَأَنَّكُمۡ إِلَیۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. 

والثانية: فائدة نفسية ترجع إلى العالم نفسه، إذ يزداد تواضعًا لله كلما ازداد علمه، ويزداد يقينًا بمعنى قوله تعالى: ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِی عِلۡمٍ عَلِیمࣱ﴾ [يوسف: ٧٦]، ومعنى قوله سبحانه: ﴿وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٨٥]. 

ومن حكم هذه المقالة العظيمة - أيضًا: أن العالم يترك مساحة لمن يأتي بعده من الباحثين والعلماء، فلا يغلق باب النظر، ولا يدعي الإحاطة المطلقة.

وهذه المعاني السامية التي أحاطت بقول العلماء: الله أعلم، قد تجاوزها كثير من المتصدرين بغير علم، ممن نصحهم سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «من حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعنيهِ» [الترمذي: السنن، (٢٣١٧)]، فتراهم يتصدرون لكل أنواع المعرفة من غير علم، ويظنون أنهم إذا ختموا كلامهم بقولهم: والله أعلم، فقد نجاهم ذلك من المسؤولية، ومن الحساب أمام الله، والأمر ليس كذلك؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - نبَّهنا إلى خطورة الكلمة، وإلى عظم المسؤولية فيها، وقال سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمنٌ» [الترمذي: السنن،(٢٣٦٩)]، وقال - أيضًا: «من أُفتي بغيرِ علمٍ كان إثمُه على من أَفْتاه» [أبو داود: السنن،(٣٦٥٧)].

فيا ليتنا نقرأ تراثنا قراءة جديدة، تمكننا من استخراج كنوزه، والاستفادة منها مع إدراكنا التام للواقع المعيش، ولمقتضيات الحياة المعاصرة؛ فلعل ذلك يعيد إلينا شيئًا من إنسانيتنا، ولعل ذلك يعيد إلينا شيئًا من التفكير المستقيم.

الخلاصة

إن قول العالم (الله أعلم) هو عين التواضع الذي يفتح آفاق النظر، بشرط ألا تتحول لستار يتخفى خلفه الجهلاء للتملص من مسؤولية الكلمة، فبالقراءة الواعية لتراثنا نواجه معضلات عصرنا بمنهج يجمع بين نور الوحي ومستجدات الواقع بعيدًا عن تجرؤ الجاهلين.

موضوعات ذات صلة

تسري القيم في كل آيات القرآن الكريم

أدب الحوار يقوم على الحكمة والكلمة الطيبة والمناقشة بالأسلوب الأرقى

أدب المتعلم يمثل حجر الأساس في بناء شخصية علمية متزنة وسلوك قويم

أدبُ البحثِ والمناظرةِ علمٌ يتعلّقُ بقواعدٍ نظريةٍ وأخلاقيةٍ تضبطُ المباحثاتِ والمناظراتِ

التفكير النقدي ليس ترفًا فكريًّا؛ بل هو أَساس لقيام حضارة إنسانية راشدة

موضوعات مختارة