قال المؤرخ الكبير حسين مؤنس: "ويكفي أن نذكر في هذا
المقام ركب الحجاج المعروف بالركب المغربي، الذي كان يخرج من فاس ومراكش للحج،
ويلم بمصر شهورا طوالا في الغدو والرواح، فقد كانت القافلة تصل في بعض الأحيان إلى
الخمسين ألف إنسان، وتصور أنت ما يمكن أن يكون من الأثر لخمسين ألف إنسان ينتقلون
كل عام من المغرب إلى مصر فالحجاز، ومن الحجاز إلى مصر فمراكش". [مصر ورسالتها/ص٤٠/، ط: الهيئة
المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة ١٩٩٨م].
وقال جمال حمدان: "غير أن الحج -لا شك- خير ما يلخص لنا
كل علاقات هذا المحور، وكان طريق الحج رافدا سنويا أو دائما يصب مؤثراته بهدوء في
مصر".
[شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان/٤/٤٢٦/، ط: دار الهلال، مصر، سنة ١٩٩٥م].
وألتقط هنا هذا الطرف من الخيط الدقيق الذي لمسه جمال حمدان بعمق، وهو أن هذه الروافد كانت
تصب أثرها بهدوء في مصر، أي أنها تصب آثارا اجتماعية واقتصادية ونفسية وعلمية
كبيرة ومتدفقة في وجدان الإنسان المصري ووعيه بذاته، وكل أثر من تلك الآثار يحتاج
رصدا موسعا، حتى ترى ما قامت به تلك الأمور من ترسيخ وبناء وحفاظ على اعتزاز
الإنسان المصري بقيمته، وإدراكه لقيمة وطنه، وتفرده بمزايا رفيعة، تجعله أبناء
الشعوب والثقافات المحيطة ترنو وتتطلع إلى هذه البقعة الطاهرة من أرض الكنانة بحب
وإجلال وإكبار، كما أن المصري كان يجتهد في تشغيل خيرات هذا الوطن العظيم ليكرم به
ضيوفه الوافدين من أشقائه العابرين بأرضه.
وكان لهذا أثر كبير في شخصية الإنسان المصري، حيث يخرج من ضيق نفسه إلى آفاق واسعة، ويدرك أن بلده
بلد خير ونماء وكرم وريادة، فإذا انفض الضيوف الغرباء بقي هو يتعامل بنفس الأريحية
والسعة والكرم مع الجميع في وطنه.
ومن الآثار الجليلة للحج أيضا أنه كان يجلب لمصر أفاضل الناس، والأتقياء الأنقياء
منهم، الذين يدركون منذ خروجهم من بيوتهم أنهم في رحلة روحية سامية، فأوقاتهم كلها
عامرة بالطاعة والخُلُق الكريم، ثم يعبرون على مصر في رجوعهم وقد تزودوا من التقوى
وشهود المشاهد المقدسة الجليلة، فكان الحج جاذبا للأفاضل من مختلف الشعوب، وما رأى
منهم المصريون إلا كل خلق حسن، ومعاملة فاضلة، ولم يصدر عنهم في مصر إلى هدم أو
عدوان على الأخلاق والقيم، فلم ينقلوا إلى مصر إلا الأرفع والأرقى من العادات
والأخلاق، مما يجعل المصريين يعيشون أجواء الحج السامية في كل موسم من مواسم الحج.
وطريق الحج القديم الذي يخترق العمق الإفريقي ويعبر على دول كثيرة،
ويصب في مصر، مرورا بها، بغرض النزول فيها، أو اجتيازها إلى الحرمين، كان أيضا
طريقا من طرق التجارة العالمية، كطريق الحرير الذي كان يعبر من عمق آسيا إلى
أوربا، مرورا بالدول والممالك الإسلامية، فتنشط به حركة التجارة وخدماتها في مائة
وستة وثمانين مدينة كبرى يعبر عليها ذلك الطريق، ولكل ذلك آثار اجتماعية ونفسية
عميقة جدا في شخصية الإنسان، وقد كتب الأستاذ أشرف أبو اليزيد كتابا عن طريق
الحرير. [مشروع توثيق طريق الحرير،
وإعادة إحيائه والانتفاع به اقتصاديا بما يناسب ظروف العصر الحاضر حظي باهتمام
كبير في السنوات الماضية، واعتنت به منظمة اليونسكو، وصدرت حوله عدة كتب، منها
كتاب: (طريق الحرير) تأليف إيرين فرانك، وديفيد براونسون، ط٢: المركز القومي
للترجمة، سنة ٢٠٠٩م، وكتاب: طريق الحرير، للأستاذ أشرف أبو اليزيد، الصادر عن
مكتبة الإسكندرية، سنة ٢٠١٣م].