إن صناعة
العلماء ليست مصادفة، ولا وليدة لحظة، بل هي ثمرة بيئة متكاملة تبدأ من الأسرة
المؤمنة بدور أبنائها في عمارة الأرض، وتمتد إلى مجتمع يقدّر العلم، ويحتفي
بالاجتهاد، ويزرع القِيَم قبل الشهادات؛ فالدكتور حسن عزازي لم يُصبح ما هو
عليه فجأة، بل بالتربية، والتشجيع، والصبر، والقدوة، وببيئة احتضنت شغفه العلمي؛
ومن هنا، فإن الأسرة والمجتمع هما البذرة الأولى لأي نهضة علمية.
(أولًا) دور الأسرة:
الأسرة هي المدرسة
الأولى للعالِم، وهي الحجر الأساس في بناء شخصيته؛ فعلى عاتقها يقع دور غرس حب
العلم والبحث منذ الصغر، وليس مجرد الرغبة في الحصول على شهادة، ويمكن للأسرة أن
تحقق ذلك من خلال:
١- غرس حب
المعرفة: فبدلاً من تقديم الهواتف الذكية كلعبة للأطفال؛ يمكن للأسرة
أن توفر الكتب العلمية المناسبة لعمر الطفل، وأن تشجع على طرح الأسئلة، وأن يخصص
الوالدان للطفل وقتًا للقراءة المشتركة والاستكشاف؛ فالعالِم يبدأ بطفل شغوف يريد
أن يفهم كيف تعمل الأشياء من حوله.
٢- توفير
البيئة الداعمة: فالعالِم الناشئ يحتاج إلى بيئة هادئة ومحفزة على التفكير،
بعيدًا عن الترفيه المفرط، ومن هنا؛ فإن على الأسرة أن تقدر جهود الأبناء في
الدراسة، وأن تدعمهم عاطفيًا في أوقات الصعوبات، وأن تغرس فيهم قيمة الصبر،
والمثابرة؛ التي هي مفتاح كل إنجاز.
٣- إعلاء قيمة
العلم: فيجب على الأسرة أن تجعل العلم والتعلم أولوية قصوى، وأن
تعتبره جزءًا من العبادة والرسالة؛ وإن التضحية بالوقت والمال من أجل تعليم
الأبناء هي استثمار في مستقبلهم ومستقبل الأمة.
نماذج من
تاريخنا:
أم الإمام
الشافعي/ فقد تُوفي أبوه وهو صغير، ولكن أمه أدركت أن العلم هو
السبيل، فربّته على حب العلم، وسافرت به طفلًا صغيرًا من غزة إلى مكة ليطلب العلم،
رغم الفقر؛ يقول الإمام الشافعي: "كُنْتُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّي فَدَفَعَتْنِي فِي
الْكُتَّابِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَا تُعْطِي الْمُعَلِّمَ..؛ ثُمَّ قَدِمَ
وَالٍ عَلَى الْيَمَنِ فَكَلَّمَهُ لِي بَعْضُ الْقُرَشِيِّينَ أَنْ أَصْحَبَهُ،
وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أُمِّي مَا تُعْطِيَنِي أَتَحَمَّلُ بِهِ، فَرَهَنَتْ
دَارَهَا بِسِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا فَأَعْطَتْنِي فَتَحَمَّلْتُ بِهَا مَعَهُ،
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْيَمَنَ اسْتَعْمَلَنِي عَلَى عَمَلٍ فَحُمِدْتُ فِيهِ،
فَزَادَنِي عَمَلًا..." [جامع
بيان العلم وفضله (ابن عبد البر)، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ -
١٩٩٤ م،جـ١ صـ٤١٣].
فأيّ أمٍّ
عظيمة تلك التي ترى في ابنها مستقبل أمة، وتضحي بجهدها ومالها لأجل ذلك؟، وأيّ
طالب علم هذا الذي يكافح ويعمل إلى جانب طلب العلم؛ ليصبح علمه مرجع يُستفاد منه
على مر العصور.
وفي عصرنا
الحديث، تتكرر هذه الصورة المضيئة في نموذج الدكتور حسن عزازي، الذي صرّح
مرارًا أن أسرته كانت الداعم الأول له في طريقه العلمي الطويل؛ حيث وفّرت له أسرته
منذ الصغر بيئة تُشجّع على التفوق لا الضغط، وتُنمّي فيه حب الاكتشاف لا الخوف من
الفشل، وغرست فيه أن العلم رسالة، لا مجرد مهنة.
(ثانيًا) دور المجتمع:
بعد الأسرة،
يأتي دور المجتمع كحاضنة كبرى تحفز على العلم وتكرم أهله، ويمكن للمجتمع أن يؤدي
هذا الدور من خلال:
١- ربط الشباب بنماذج واقعية من أمثال الدكتور
عزازي:
لأن الشباب،
بطبيعتهم، يبحثون عن نموذج يُحاكونه، ويريدون أن يروا بأعينهم أن النجاح والتميّز
والإنجاز ممكنٌ في هذا الواقع، لا في صفحات التاريخ فقط؛ وحين يرى الشاب عالمًا
معاصرًا مثل الدكتور حسن عزازي، يسير في طريق البحث والاكتشاف، ويخترع ما ينقذ
حياة الناس، ويصل إلى تصنيفات علمية عالمية؛ يبدأ بالإيمان أن الطريق إليه ليس
مستحيلًا، بل مُمكنًا ومُلهمًا.
ومن هنا؛ يجب
أن تتصدر قصص النجاح العلمي النشرات والحوارات، كما تُصدر قصص الفن والرياضة، وأن
يستمر الحديث موصولًا عن (القدوة) في خُطَب الجمعة، ودروس المساجد؛ مُرفقًا بنماذج
علمية حقيقية؟ تمزج سيرة العلماء المعاصرين كسيرة دعوية تُجسد حديث النبي -صلى
الله عليه وسلم -: «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» [أخرجه الطبراني] فيُفهم منها أن الطبيب،
والمخترع، والباحث، إن قصد بعلمه وجه الله، صار من النافعين، وبلغ شرف العبادة
بالنية والإخلاص.
٢- دعم
المبادرات العلمية: يمكن للمؤسسات المجتمعية أن تساهم في دعم
الطلاب الموهوبين من خلال المنح الدراسية، أو إنشاء مراكز علمية، أو رعاية الأبحاث
التي تعالج مشكلات المجتمع، فالعلم مسؤولية جماعية.
٣- إقامة
ثقافة معرفية: فيجب أن يعود المجتمع إلى قيمة العلم والبحث والاطلاع؛ بدلًا
من التركيز على الأمور السطحية، ويمكن للمجتمع أن يحيي مجالس العلم، وأن يشجع على
النقاشات البناءة، وأن يقدر العقل المفكر.
إن العلم
النافع، الذي ينتفع به الناس وتُبنى به الحضارات، لا ينبت في فراغ؛ بل هو شجرة
كريمة تحتاج إلى أرض صالحة (الأسرة)، وسقاء مستمر (الدولة)، وهواء نقي (المجتمع)؛
فهل نحن على استعداد لنوفر هذه البيئة لنرى المزيد من أمثال الدكتور حسن
عزازي في المستقبل؟
نعم! فالأم
التي أنجبت الشافعي، يمكن أن تكون اليوم أمّ الدكتور والمخترع والعالِم والنافع؛ فالنهضة
تبدأ من حضن أم، وكلمة أب، ولمسة معلم، واحتضان مجتمع.