Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المسؤولية المهنية في الشريعة الإسلامية وأبعادها الأخلاقية

الكاتب

هيئة التحرير

المسؤولية المهنية في الشريعة الإسلامية وأبعادها الأخلاقية

المتأمل في شريعتنا الغراء، يدرك يقينًا أن الدين الإسلامي لم ينظر إلى الوظيفة العامة على أنها مجرد مغنم يُنال، أو منصب يُتفاخر به، بل هي في حقيقتها أمانة ومسؤولية كبرى أمام الله- تعالى- وأمام خلقه، وهذا يرجع إلى أنها ولاية تبتدئ برعاية مصالح العباد، وتنتهي بإعمار البلاد.

الأمانة المهنية

 تُعد الأمانة المهنية من الركائز الأساسية التي يقوم عليها أي نجاح حقيقي ومستدام؛ فهي ليست مجرد صفة إيجابية، بل هي قيمة أساسية في بيئة العمل الحديثة تمثل حجر الأساس في بناء الثقة داخل بيئة العمل، سواء بين الأفراد أو بين المؤسسات وعملائها.

وترتكز الأمانة المهنية على الالتزام بالمبادئ الأخلاقية، والصدق في التعامل، وتحمل المسؤوليات بكل نزاهة ووعي.

مفهوم الأمانة المهنية

هو لفظ مركب فمفهوم الأمانةُ: قال الراغب: هو دفع ما يحق دفعه وتأديته (الأمانة) هي كل حق لزمك أداؤه وحفظه وقصر جمع لها على حق الحق وآخرين على حق الخلق [فيض القدير للمناوي ١/٢٢٣].

وقيل: هي كُل شيء يُؤتمن الإنسانُ عليه؛ من أمر ونهي، وشأنِ دين ودُنيا [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية ٤/ ٤٠٢].

ولفظة الأمانة المهنية: تعني الالتزام بالصدق والنزاهة في جميع جوانب العمل؛ فهي تستلزم من الفرد أن يكون واضحًا في تواصله، دقيقًا في أدائه، ومسؤولًا في تعامله مع المهام والمعلومات، كما تشمل احترام السرية المهنية، والالتزام بالمواعيد، والسعي المستمر؛ لتطوير الأداء الشخصي والمهني.

ونماذج الأمانة المهنية تكاد تكون في جميع مناحي الحياة، فالطبيب والممرض والمهندس والتاجر والجندي والمزارع والصانع وكذلك الإعلامي، وصاحب القلم والخطيب، إلى غير ذلك ممن لهم تأثير في المجتمع، والذي لا ينصلح المجتمع إلا بهم [الأمانة المهنية جوهر الأخلاق العملية في الإسلام أ.د. خالد سعيد مجلة الأزهر الجزء ١٠ ص ٢٠٧٨].

الأمانة المهنية جوهر الاستخلاف وعقد المسؤولية

إن الأمانة المهنية من خلال الرؤية الإسلامية هي الركيزة الأساسية للوظيفة العامة، وهي تجسيد لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]

فالأمانة هنا ليست مجرد ودائع مادية تُرد عند طلبها، بل هي منظومة متكاملة تشمل كل أمر كالوقت، والجهد، والخبرة، وحسن معاملة الجمهور.

ويدلنا على هذا المعنى سبب نزول الآية؛ فعندما فتح النبي- صلى الله عليه وسلم- مكة، وأخذ مفتاح الكعبة لم يعطه لعمه العباس- رضي الله عنه- حينما طلبه، وإنما أعاده إلى صاحبه (عثمان بن طلحة- رضي الله عنه-)، ليس لأنه صاحبه فقط؛ بل لأنه هو الأقدر على الأداء، كما تدلنا الآية أيضًا على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

ولما سأل أبو ذر- رضي الله عنه- الإمارة منعها، ليس قدحًا في مكانته، وإنما لأنها أقوى من أدائه لها، فعنه- رضي الله عنه- قال: ناجيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ليلة إلى الصبح، فقلت: يا رسول الله، أَمِّرْنِي، فقال: «إِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَخِزْيٌ، وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» [رواه أحمد في مسنده برقم: ٢١٥١٣].

فالموظف يرتبط ببلده وبالمواطنين بعقد شرعي وأخلاقي وقانوني.

وهذا العقد يقتضي منه أن يبذل قصارى جهده في أداء عمله على الوجه الأكمل، بكل إتقان وتجرّد

تحقيقًا لحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [أخرجه أبو يعلى كما في المجمع (٤ / ٩٨- ط القدسي) من حديث عائشة وقال الهيثمي: فيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة].

والتقصير في هذا الأداء، أو استغلال وقت العمل في المصالح الشخصية، أو التراخي في قضاء حوائج الناس، هو خيانة لتلك الأمانة.

وقد رسخ النبي- صلى الله عليه وسلم- هذا المفهوم حين ربط بقوة بين العمل ومسؤولية الإنسان؛ ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [رواه البخاري في صحيحه برقم: ٥٢٠٠، ورواه مسلم بلفظ أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ برقم: ١٨٢٩].

فكل صاحب وظيفة هو راعٍ في نطاق عمله، والمسؤولية تقتضي المحاسبة، والمحاسبة تبدأ من رقابة الضمير الداخلي والوجدان الحي، قبل أن تبدأ من رقابة الأجهزة التنفيذية والقوانين الوضعية.

الأمانة المهنية تعني أن يستشعر الموظف قيمة دوره فهو يقف في ثغر من ثغور الوطن، إن هو قصّر فيه، تضرر الجسد كله.

محاربة الفساد الإداري حماية لجسد الوطن من التآكل

إذا كانت الأمانة هي البناء الشامخ، فإن المعول الهدام الذي ينخر في هذا البناء حتى يخرّ صريعًا هو الفساد الإداري.

والفساد الإداري هو داء عضال يفتك بالمجتمع ويقضي على العدالة المجتمعية، كما يقضي على تكافؤ الفرص، ويمزق نسيج الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.

وقد وضعت الشريعة الإسلامية قاعدة أصولية فقهية تهدف لمحاربة هذا الداء وذلك من خلال منهج "سد الذرائع" وتجفيف منابع انتشاره.

وقد حذر القرآن الكريم أشد التحذير من العبث بالأموال والمقدرات العامة، وجعل الاعتداء عليها من أعظم الكبائر حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُوا۟ بِهَاۤ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُوا۟ فَرِیقࣰا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]

إن الفساد الإداري يتمثل في العديد من الصور كالمحسوبية، والمحاباة، وتقديم غير الكفء على الكفء، وتعطيل مصالح الناس لغايات شخصية.

وفي السنة النبوية الشريفة نجد تحذيرًا شديدًا من تغييب الكفاءة؛ حيث رُوي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قوله: «مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وخانَ رَسُولَهُ وخانَ الْمُؤْمِنِينَ» [قال الحاكم في مستدركه: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسنَادِ وَلَمْ يخرجَاهُ ج ٤ ص ١٠٤ برقم: ٧٠٢٣] وفي رواية: «فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ» [ المصدر السابق].

هذه الخيانة المركبة- لله وللرسول وللمجتمع- تعكس عمق الجريمة الأخلاقية التي يرتكبها الفاسد إداريًّا؛ لأنه يضعف مفاصل الدولة ويسلم قيادها لغير المؤهلين، مما يؤدي إلى تعثر مشاريع التنمية وضياع الحقوق.

الرشوة المقنعة من أخطر صور الفساد الإداري

ولعل من أخطر صور الفساد الإداري وأكثرها خفاءً وتغلغلًا في العصر الحاضر ما يمكن أن نسميه بـ (الرشوة المقنعة)، وهي تلك الممارسات التي تُحاط بمسميات براقة مثل: الهدية، أو الإكرامية، أو تسهيل الأمور، أو العمولة.

إنها محاولة بائسة لتلوين الحرام، والالتفاف على القانون، وتخدير الضمائر الإنسانية.

لقد تنبهت الشريعة الإسلامية إلى هذا الخطر الداهم منذ صدر الإسلام، فوضعت ضوابط صارمة تفرق بين الهدية المشروعة المبنية على المودة، وبين الهدية المغرضة المرتبطة بالوظيفة والمسؤولية والتي تعد رشوة مقنعة.

وفي هذا السياق، يبرز حديث "ابن الُأتْبِيَّةِ" كأصل قاطع وموثق في محاربة الفساد والرشوة المقنعة.

اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ، عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي.

قَالَ- صلى الله عليه وسلم-: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا» [متفق عليه واللفظ للبخاري برقم: ٢٥٩٧ ومسلم برقم: ١٨٣٢].

هذا الفقه النبوي الشريف قد وضع معيارًا لكشف الرشوة المقنعة: "أفلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟

إن الوظيفة العامة ليست سببًا للتربح الشخصي غير المشروع، وكل ما يأتيه الموظف من هدايا أو امتيازات بسبب موقعه الوظيفي، ولم تكن لتأتيه لو كان شخصًا عاديًّا في بيته، هو سحت وحرام وقد قال- صلى الله عليه وسلم-: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ» [صحيح البخاري رقم: ٢٠٥٩].

ويؤدي هذا الفساد المستتر إلى تدمير كفاءة الجهاز الإداري ويخل بمبدأ المساواة بين المواطنين.

معالم الطريق نحو استرداد القيم الإدارية والحضارية

الوصول إلى أمانة مهنية حقيقية، للخروج من مأزق الفساد الإداري والرشوة المقنعة يتطلب منا صياغة استراتيجية شاملة ترتكز على ثلاثة أبعاد متكاملة: 

١. إحياء الرقابة الذاتية والضمير الأخلاقي

من خلال ربط الأخلاق بالتدين الحقيقي فالدين ليس مجرد شعائر تُؤدى في المساجد، بل هو سلوك ومعاملة وأمانة وإتقان في العمل، يجب أن يتربى المرء على أن الله يراه في مكتبه، وتحت قلم توقيعه، وفي تعامله مع ملفات الناس.

٢. تطبيق القوانين بصرامة وعدالة

من الوسائل الرادعة للفساد الإداري التطبيق الصارم للقانون، إذ لا بد من تفعيل آليات المحاسبة، وتطبيق مبدأ (من أين لك هذا؟)، وتشديد الرقابة على المسارات الإدارية، التي تمثل الردع الحقيقي لكل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الوطن.

٣. تعزيز الشفافية والتحول الرقمي

إن ميكنة الخدمات الإدارية وفصل مقدم الخدمة عن متلقيها يساعد بشكل كبير في تقليص فرص الابتزاز الإداري، وكما يغلق الأبواب الخلفية التي تتسلل منها الرشوة المقنعة.

الخلاصة

إن الأمانة المهنية، ومحاربة الفساد بشتى صوره، ليسا مجرد خيار تنظيمي، بل هما قضية وجود وكرامة لأمتنا ولوطننا.

إن بناء الأوطان لا يكون بالهتافات والشعارات، بل بعرق المخلصين، ونزاهة المسؤولين، وعفة أيدي الموظفين.

موضوعات ذات صلة

الأمانة في الإسلام مسؤولية عظيمة تشمل الالتزام بالحقوق والتكاليف

إنَّ الإسلام الذي رفع العمل لمقام العبادة، جعل سلامة العامل فريضةً شرعية

تُعد الرشوة واحدة من أخطر الآفات التي تصيب بنية المجتمع وتفسد منظومة القيم

العمل هو أساس بناء المجتمعات وتقدّم الأمم، ولا يقتصر فقط على تحقيق المعيشة

موضوعات مختارة