إن الأمانة
المهنية من خلال الرؤية الإسلامية هي الركيزة الأساسية للوظيفة العامة، وهي تجسيد لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ
ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا﴾
[النساء: ٥٨]
فالأمانة هنا ليست مجرد ودائع مادية تُرد عند طلبها، بل هي منظومة متكاملة تشمل كل أمر كالوقت، والجهد، والخبرة، وحسن معاملة الجمهور.
ويدلنا على هذا المعنى سبب نزول الآية؛
فعندما فتح النبي- صلى الله عليه وسلم- مكة، وأخذ مفتاح الكعبة لم يعطه لعمه
العباس- رضي الله عنه- حينما طلبه، وإنما أعاده إلى صاحبه (عثمان بن طلحة- رضي
الله عنه-)، ليس لأنه صاحبه فقط؛ بل لأنه هو الأقدر على الأداء، كما تدلنا الآية
أيضًا على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
ولما سأل أبو ذر- رضي الله عنه- الإمارة
منعها، ليس قدحًا في مكانته، وإنما لأنها أقوى من أدائه لها، فعنه- رضي الله عنه-
قال: ناجيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ليلة إلى الصبح، فقلت: يا رسول الله، أَمِّرْنِي،
فقال: «إِنَّهَا أَمَانَةٌ،
وَخِزْيٌ، وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا
مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ
فِيهَا» [رواه أحمد في مسنده برقم: ٢١٥١٣].
فالموظف يرتبط ببلده وبالمواطنين بعقد شرعي وأخلاقي
وقانوني.
وهذا العقد
يقتضي منه أن يبذل قصارى جهده في أداء عمله على الوجه الأكمل، بكل إتقان وتجرّد
تحقيقًا لحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [أخرجه
أبو يعلى كما في المجمع (٤ / ٩٨- ط القدسي) من حديث عائشة وقال الهيثمي: فيه مصعب
بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة].
والتقصير في هذا
الأداء، أو استغلال وقت العمل في المصالح الشخصية، أو التراخي في قضاء حوائج الناس،
هو خيانة لتلك الأمانة.
وقد رسخ النبي- صلى الله عليه وسلم- هذا المفهوم حين ربط
بقوة بين العمل ومسؤولية الإنسان؛ ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمر- رضي
الله عنهما- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [رواه
البخاري في صحيحه برقم: ٥٢٠٠، ورواه مسلم بلفظ أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ
مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ برقم: ١٨٢٩].
فكل صاحب وظيفة
هو راعٍ في نطاق عمله، والمسؤولية تقتضي المحاسبة، والمحاسبة تبدأ من رقابة الضمير
الداخلي والوجدان الحي، قبل أن تبدأ من رقابة الأجهزة التنفيذية والقوانين الوضعية.
الأمانة المهنية تعني أن يستشعر الموظف قيمة دوره فهو يقف في ثغر من
ثغور الوطن، إن هو قصّر فيه، تضرر الجسد كله.