Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أدب الحوار

الكاتب

أ.د/ محمد رجب البيومي

أدب الحوار

أدب الحوار يقوم على الحكمة والكلمة الطيبة والمناقشة بالأسلوب الأرقى، من خلال هذه القيم، يمكن الوصول إلى حوار هادئ ومثمر يؤدي إلى الإقناع وتعزيز التفاهم.     

نشأة الحوار في الدعوة الإسلامية

منذ قامت الدعوة الإسلامية بمكة، والحوار أهم وسائلها في الإقناع والإلزام، وهو حوار هادئ متزن لا يعرف الشطط والجموح، وفي كتاب الله - عز وجل - أمثلة واضحة، تحدد مرماه، وتظهر دلالته الواضحة في الاستماع إلى العقل، والاعتماد على الدليل، ففي سورة: "سبأ" مثلًا، ينعي الله على المشركين عبادة الأصنام، فيقول مخاطبًا المشركين: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ: ٢٢].

ومع وضوح الأمر في قلة جدوى عبادة الأصنام، يحاول القرآن الرفق بهم، فيقول سبحانه: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ ٢٤]، فلا يريد أن يصدمهم بأنهم الضالون، بل يدعوهم إلى التفكير في هدوء فيقول: "إما أن نكون وأنتم مخطئين، أو مصيبين"، وهذا أسمى ما يُرجى من محاورٍ يستعمل الرفق واللين، وفي السورة نفسها يذهب الحوار أعقل مذهب، وأدعاه للصواب، فيخاطب القرآن القوم داعيا إياهم أن يتركوا العناد الجمعي، ويخلو كل إنسان بنفسه، أو مع زميل له، يفكر في أمر الرسول الذي اتهموه بالجنون ليتساءلوا بعد أن لمسوا اتزانه وحسن أخلاقه، أيكون مثله مجنونًا؛ وإذا كان مجنونًا فمن العاقل؟! يقول تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: ٤٦].

الحوار الهادئ وسيلة إقناع فعالة

هذا في مكة، أما في المدينة فقد التزم القرآن الحوار الهادئ، والمضي مع المعاندين إلى أبعد غايات التسامح، فالقوم قد أكثروا اللجاج، ولم يستجيبوا للدليل الساطع مع وضوحه، وأظهروا من العناد ما لا سبيل إلى مقاومته بالبرهان، وكان المنتظر أن يثور الله عليهم ثورة الغاضب على الجاحد المنكر للبدهي الملموس؛ ولكن الله - عز وجل - يقول لهؤلاء مخاطبًا رسوله الكريم: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران ٦١]، ويزيد الأمر وضوحًا وتجلية لدعوة السلام والرفق، فيقول الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران ٦٤]، هذا الرفق في الخطاب، وهذا الهدوء في الحوار، يؤكد طبيعة المسالمة في الدعوة الإسلامية، وإذا وجد في بعض الآيات ما يعلن النكير الصارخ على القوم، فليس في ذلك عدول عن الحوار الهادئ، ولكنه إعلان لحقيقة الجحود التي لا ينفع معها منطق سديد، أو برهان رشيد، مع وضوح الغاية واهتداء الطريق، ولك أن تعجب لرسالة خالدة جاءت بالدين الجديد، فأظهرت دلائله الواضحة، ولاقت من أساليب العناء ما بلغ حد التعذيب والقتل لمعتنقي الدين الجديد، وكان المرتقب مع ذلك أن يقابل المسلمون الشدة بالشدة في الجدال، وغير الجدال، ولكن الإسلام يدعو إلى الحوار السلمي، وينادي القرآن نبي الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: ٤٠]، وقوله: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: ٩٩- ١٠٠]، وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:٢٧٢] والمعهود في الدعوات الجديدة أن ينفعل أصحابها، ويقابلوا المعارضين بثورات صاخبة، بل إنهم يستأصلون شأفتهم إذا نجحت ثوراتهم وملكوا زمام الأمور.

قواعد الحوار

ولكن دعوة الإسلام بدأت بالحوار السلمي في هدوء مثابر، ووضعت منهجًا للدعوة واضحًا صريحًا يتجلى في قول الله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: ١٢٥]، فتلك أمور ثلاثة في سير الدعوة على طريقها الصحيح:

- الأمر الأول مراعاة الحكمة في الحوار وليست الحكمة هي الأدلة العقلية وحدها، ولكنها النظر في شؤون القوم، وتقدير عقلياتهم، ومراعاة أحوالهم الاجتماعية والنفسية، ثم مواجهة ذلك بما يتطلب من الرفق الحكيم، والصبر المتئد، فتكون هذه الحكمة الواعية دائمة الاستجابة.

- ثم تليها الموعظة الحسنة: فلا نجابه القوم بانحرافهم في غلظة وعتو، ولكنا نصطنع سبل التمهيد، ونصغي لما يوجه من اعتراض بصدر متسع وعقل متفتح.

- فإذا بدأت المجادلة التي تقذف بالرأي المعارض، فعلينا أن نجادل بالتي هي أحسن، لأن الشدة في الخطاب، والحماسة الدافعة إلى مجابهة المعارض في استنكار، لا تنتهي إلى ما نريد من الاستجابة عن بينة واقتناع، أضف إلى ذلك ملاحظة أن كل إنسان يعتز برأيه، ويرى في بادئ الأمر أنه مصيب غير مخطئ، فمجابهته بخطئه عن طريق الشدة تزيده عتوا وإصرارا، وإن اتضحت الحقيقة أنها في غير جانبه، كما قال الله عز وجل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: ١٤].

علم المناظرة وأدبه

ولدينا في التراث الإسلامي علم يسمى: (أدب البحث والمناظرة)، وهو يوضح السبيل الراشد للإقناع السديد، ويرسم خطوات الحوار في أحسن وجوهه، وقد وضع الإمام الغزالي شروطًا للمناظرة العلمية التي تسير على وجهها الصحيح، وبمراعاتها ينتهي الحوار إلى غاية حميدة، وقد لا يظهر المعارض ارتياحه التام لهذا الهدوء الملزم، ولكن في أعماقه يعرف أن الحق أبلج، وأن الباطل لجلج، على أننا لا ننكر أثر الكلمة الطيبة في تهدئة النفوس، واستمالة الخواطر، وأثر الكلمة الخبيثة في هيجان الشعور، وإثارة الحفائظ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: ٢٤-٢٦].

الخلاصة

الحوار أسلوب أصيل في الإسلام، واحترام عقل الآخر أساس الحوار الناجح، وهو يقوم على الحجة والدليل، حتى مع المعاندين، بعيدًا عن العنف والحدة والتجريح أو الصدام، فالغلظة لا تُجدي في الإقناع بل تزيد العناد، وكل أسس الحوار هذه وغيرها استوعبها علم "أدب المناظرة"، والذي يُعد علمًا مستقلًا يضبط أساليب النقاش والإقناع.

موضوعات ذات صلة

هو أول منازل السالكين وأعلى مراتب الخُلق هو الأدب مع الله رب العالمين.

الأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فريضة إيمانية كبرى وترجمة صادقة للمحبة الواجبة.

القرآن كلام الله المعجز، الذي يهدي البشرية جميعًا، والتأدب معه واجب شرعي.

موضوعات مختارة