Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أثر الفقر والسكن غير الآمن في تفشي أمراض الأسرة والمجتمع

الكاتب

هيئة التحرير

أثر الفقر والسكن غير الآمن في تفشي أمراض الأسرة والمجتمع

تمثل الصحة انعكاسًا مباشرًا للتفاعل بين الفرد وبيئته؛ حيث يبرز الفقر والسكن المتهالك كمحددات أساسية تخلق بيئة خصبة للأمراض، مما يستوجب فهمًا عميقًا لهذه العلاقة المعقدة.

الصحة بين الفرد والبيئة المحيطة

إن الصحة ليست مجرد غياب المرض، بل هي حالة من اكتمال السلامة البدنية والنفسية والاجتماعية؛ وهذه الحالة تتأثر تأثرًا مباشرًا بالظروف المعيشية التي تحيط بالفرد، وفي مقدمتها المستوى الاقتصادي للأسر، وجودة السكن الذي تعيش فيه، فالفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو حالة مركبة تنعكس على جميع جوانب الحياة، وتحول دون حصول الفرد على مقومات العيش الكريم من غذاء صحي، ومسكن آمن، ورعاية صحية مناسبة [المحددات الاجتماعية للصحة، منظمة الصحة العالمية، تقرير رقم ٢٠٣، ٢٠٢١].

والمجتمعات التي ترتفع فيها معدلات الفقر، وتنتشر فيها المساكن غير الآمنة، تشهد معدلات أعلى من الأمراض والاضطرابات الاجتماعية، مما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها، حيث يولد الفقر المرض، ويؤدي المرض إلى المزيد من الفقر [علاقة الفقر بالصحة، البنك الدولي، ورقة سياسات رقم ٨٩، ٢٠٢٠].

الفقر كمحدد أساسي للصحة

تؤكد الدراسات الحديثة أن الفقر يُصنف كأحد أقوى المحددات الاجتماعية للصحة، بل إن تأثيره يفوق تأثير العوامل الوراثية في كثير من الأحيان، فالفقراء يعيشون في ظروف تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، وأقل قدرة على الحصول على الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية [دليل المحددات الاجتماعية للصحة، د. محمود فوزي، المركز القومي للبحوث الاجتماعية، ٢٠٢٢، ص ٦٧].

فالأسرة الفقيرة تضطر إلى الاختيار بين توفير الطعام والعلاج، وبين توفير السكن المناسب والتعليم، وهذا الاختيار القاسي يجعلها تخسر في كل الأحوال، وتشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأسر التي تعيش تحت خط الفقر تزيد لديها معدلات الوفيات الناجمة عن الأمراض القابلة للعلاج بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بالأسر ذات الدخل المرتفع [تقرير الصحة العالمية، منظمة الصحة العالمية، ٢٠٢٢].

السكن غير الآمن: مخاطر متعددة الأبعاد

لا يقتصر مفهوم السكن غير الآمن على نقص المتطلبات الإنشائية فحسب، بل يشمل مجموعة من العوامل التي تجعل المسكن بيئة حاضنة للأمراض والاضطرابات، فالسكن غير الآمن قد يكون مكتظًا بالسكان، ما يسهل انتقال الأمراض المعدية، وقد يكون متهالكًا معرضًا للانهيار، مما يهدد السلامة الجسدية، وقد يفتقر إلى التهوية الجيدة والإضاءة الطبيعية، ما يسهم في انتشار الأمراض التنفسية والجلدية [جودة السكن وتأثيرها على الصحة، د. هالة عبد الرحمن، مجلة الصحة العامة العربية، العدد ٣٤، ٢٠٢١].

كما أن السكن غير الآمن يشمل - أيضًا - المساكن الواقعة في مناطق ملوثة بيئيًا، أو القريبة من مصادر التلوث الصناعي، أو التي تفتقر إلى خدمات البنية التحتية الأساسية من مياه نظيفة وصرف صحي، وهذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة معيشية تعج بمسببات الأمراض، وتجعل أفراد الأسرة في حالة دفاع مستمر ضد المخاطر الصحية المتنوعة.

أمراض الفقر الجسدية: من سوء التغذية إلى الأمراض المزمنة

تترافق ظاهرة الفقر مع مجموعة مميزة من الأمراض الجسدية، التي يطلق عليها أحيانًا "أمراض الفقر"، فسوء التغذية هو أبرزها؛ حيث تعجز الأسر الفقيرة عن توفير غذاء متوازن يحتوي على العناصرالغذائية الضرورية للنمو والمناعة، وهذا يؤدي إلى انتشار أمراض سوء التغذية لدى الأطفال، كالتقزم والهزال، وإلى فقر الدم والأنيميا لدى النساء والأطفال على وجه الخصوص [التغذية والصحة في المجتمعات الفقيرة، برنامج الأغذية العالمي، تقرير رقم ٧٨، ٢٠٢١].

كما أن الفقر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانتشارالأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، فالفقراء غالبًا ما يضطرون إلى الاعتماد على الأطعمة الرخيصة عالية السعرات ومنخفضة القيمة الغذائية، كما أن ضغوط الحياة اليومية تزيد من مستويات التوتر والإجهاد، وهما عاملان رئيسان في الإصابة بالأمراض المزمنة [الأمراض غير السارية والفقر، د. خالد عبد الله، المؤتمر الدولي للصحة العامة، ٢٠٢٢].

الأمراض النفسية: القلق والاكتئاب وضغوط الفقر

لا تقتصر آثار الفقر والسكن غير الآمن على الجسد فحسب، بل تمتد لتطال الصحة النفسية بدرجة لا تقل خطورة، فالمعيشة في ظروف الفقر تولد شعورًا دائمًا بالقلق وعدم الأمان، خاصة لدى رب الأسرة الذي يعاني من ضغوط توفير لقمة العيش، ولدى الأم التي تكافح لتغطية احتياجات أبنائها الأساسية [الصحة النفسية والفقر، د. نوال السعيد، مجلة علم النفس الاجتماعي، العدد ٥٦، ٢٠٢٠].

وتشير الدراسات إلى أن معدلات الاكتئاب والقلق بين الفقراء تزيد بأكثر من الضعف مقارنة بغيرهم، كما أن الأطفال الذين ينشؤون في ظروف السكن غير الآمن والمكتظ يعانون من اضطرابات سلوكية ونفسية متنوعة، وقد تظهر لديهم مشكلات في التركيز والتحصيل الدراسي، مما يؤثر على مستقبلهم وفرصهم في كسر دائرة الفقر [صحة الطفل النفسية والظروف المعيشية، منظمة اليونيسف، تقرير حالة الطفولة، ٢٠٢١].

التفكك الأسري: الفقر كعامل تهديد للتماسك الأسري

إن الضغوط الناجمة عن الفقر والسكن غير الآمن تشكل تهديدًا خطيرًا لتماسك الأسرة واستقرارها، فالزوج الذي يعجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية يعاني من شعور بالإحباط والعجز، وقد يؤدي هذا إلى التوتر المستمر بين الزوجين، وارتفاع معدلات الخلافات الأسرية، بل قد يصل الأمر إلى العنف الأسري أو الانفصال [الفقر والتفكك الأسري، د. أحمد العمران، مجلة الدراسات الأسرية، العدد ٢٢، ٢٠٢١].

كما أن السكن غير الآمن والمكتظ يسلب أفراد الأسرة الخصوصية التي يحتاجونها، ويزيد من الاحتكاك اليومي المسبب للتوتر، والأبناء في هذه الظروف ينشؤون في بيئة مشحونة بالضغوط، ما يؤثر على نموهم النفسي والاجتماعي، وقد يدفعهم ذلك إلى البحث عن ملاذات غير صحية خارج الأسرة، مما يزيد من مخاطر الانحراف والوقوع في مشكلات اجتماعية أوسع.

الآثار المجتمعية: من زيادة الأعباء إلى تفاقم الفقر

يتجاوز تأثير الفقر والسكن غير الآمن حدود الأسرة ليمتد إلى المجتمع بأسره، فانتشار الأمراض بين الفقراء يزيد من الأعباء على النظام الصحي، الذي يجد نفسه مضطرًا لتخصيص موارد كبيرة لعلاج أمراض كان يمكن الوقاية منها لو تحسنت الظروف المعيشية، كما أن تفشي الأمراض المزمنة والنفسية يؤدي إلى فقدان جزء كبير من القوى العاملة إنتاجيتها، مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني [تكلفة الفقر على الصحة والاقتصاد، البنك الدولي، ورقة بحثية رقم ١١٢، ٢٠٢٢].

والأخطر من ذلك أن هذه الآثار مجتمعة تخلق حلقة مفرغة يصعب الخروج منها: الفقر يؤدي إلى المرض وضعف الإنتاجية، وهذا بدوره يزيد الفقر ويجعله أكثر رسوخًا، وتنتقل هذه الحلقة المفرغة من جيل إلى آخر، حيث ينشأ أطفال الفقراء في ظروف تحرمهم من فرص التطور والنمو الصحي، فيعيدون إنتاج الفقر في الجيل التالي.

نحو حلول متكاملة: توصيات عملية

لمواجهة هذه المشكلة المركبة، لا بد من تبني استراتيجيات متعددة المستويات، تشمل التدخلات الفورية والطويلة المدى، ففي المدى القصير، ينبغي توسيع برامج الدعم الاجتماعي لتشمل توفير الغذاء الصحي والعلاج للأسر الفقيرة، وتحسين السكن العشوائي وتأهيله ليكون أكثر أمانًا وصحة [سياسات الحد من الفقر وتحسين الصحة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية، ٢٠٢٢].

أما في المدى الطويل، فلا بد من الاستثمار في التعليم والتدريب المهني لتمكين الأسر الفقيرة من الخروج من دائرة الفقر، وتوفير فرص العمل اللائقة التي تضمن دخلًا مستقرًا يُمكِّن الأسر من توفير مسكن آمن وحياة كريمة، كما ينبغي تطوير أنظمة الرعاية الصحية الأولية لتكون قادرة على الوصول إلى الفئات الأكثر فقرًا وتقديم خدمات وقائية وعلاجية مناسبة.

الخلاصة

إن الفقر والسكن غير الآمن ليسا مجرد مشكلتين اقتصاديتين أو اجتماعيتين منفصلتين، بل هما عاملان رئيسان يتداخلان ليشكلا بيئة خصبة لتفشي الأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية على مستوى الأسرة والمجتمع، ومن خلال خلق حلقة مفرغة من المرض والفقر، فإن هذه الظواهر تحرم الملايين من حقهم الأساسي في الصحة والحياة الكريمة؛ ولمواجهة هذا التحدي، لا بد من تبني رؤية متكاملة تجمع بين تحسين الظروف المعيشية المباشرة، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي، والاستثمار في التنمية البشرية طويلة المدى، إن الاستثمار في القضاء على الفقر وتحسين السكن هو في جوهره استثمار في صحة الإنسان وكرامته، وهو السبيل الأضمن لبناء مجتمعات أكثر صحة واستقرارًا وازدهارًا.

موضوعات ذات صلة

الوعي والدعم الأسري أساس علاج الأمراض النفسية.

تأهيل الضحايا يتطلب دعمًا نفسيًّا ودمجًا مجتمعيًّا.

الأسرة تحمي المراهقين باكتشاف الإدمان والتدخل المبكر.

موضوعات مختارة