وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن الحديث عن الأم في المنظور الإسلامي الرصين، ليس مجرد سردٍ لعاطفة جياشة، بل هو غوصٌ في أصل التكوين الإنساني الذي جعل الله فيه الأم "مستودع الأسرار" و"مهبط الرحمات"، إنها الوعاء الذي اختاره الحق سبحانه لتتجلى فيه صفة "الرحمن الرحيم" في عالم الشهادة، فكانت الأمومة هي الصورة المشهودة للرحمة الغيبية، إن الانحناء أمام الأم ليس انحناء ضعف، بل هو ارتقاء في مدارج العبودية لله- عزوجل - ، إذ جعل الله - سبحانه وتعالى - طاعتها من طاعته، وبرها سبيلًا لمرضاته.
لقد صاغ القرآن الكريم دستورًا فريدًا في تكريم الأم، حين ربط شكرها بشكره سبحانه في قوله: ﴿أَنِ ٱشۡكُرۡ لِی وَلِوَٰلِدَیۡكَ إِلَیَّ ٱلۡمَصِیرُ﴾[لقمان: ١٤] ، واللافت في البيان الإلهي هو الالتفات إلى "معاناة التكوين"، حيث قال تعالى : ﴿حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنࣲ﴾ [لقمان: ١٤]، إن تكرار لفظ الوهن يشير إلى تضاعف التعب الجسدي والنفسي، وهو ما استوجب تضاعفًا في الحقوق، ويذكر الإمام الرازي – رحمه الله - في هذا النص القرآني: " لما منعه من العبادة لغير الله والخدمة قريبة منها في الصورة بيَّن أنها غير ممتنعة، بل هي واجبة لغير الله في بعض الصور؛ مثل: خدمة الأبوين، ثم بين السبب، فقال: حملته أمه يعني: لله على العبيد نعمة الإيجاد ابتداءً بالخلق ونعمة الإبقاء بالرزق وجعل بفضله للأم ما له صورة ذلك وإن لم يكن لها حقيقة فإن الحمل به يظهر الوجود، وبالرضاع يحصل التربية والبقاء، فقال حملته أمه، أي صارت بقدرة الله سبب وجوده، وفصاله في عامين، أي صارت بقدرته أيضا سبب بقائه، فإذا كان منها ما له صورة الوجود والبقاء وجب عليه ما له شبه العبادة من الخدمة، فإن الخدمة لها صورة العبادة، فإن قال قائل وَصَّى اللَّهُ بالوالدين وذكر السبب في حق الأم، فنقول خص الأم بالذكر وفي الأب ما وجد في الأم فإن الأب حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ" [مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي ،ط٣، ٢٥ /١٢٠].
في المشهد النبوي الشريف، نجد أن المصطفى ﷺ وضع الأم في ذروة سنام الحقوق الاجتماعية، حين جاءه الرجل يسأل عن الأحق بالرعاية، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ» [صحيح البخاري، رقم: ٥٩٧١]، فقد كررالجناب النبوي ﷺ كلمة: «أُمُّكَ» ثلاثًا، إن هذا التأكيد النبوي يبينه الفقهاء بأنه استيعاب لثلاث مراحل انفردت بها الأم دون الأب: الحمل، والوضع، والرضاع، يقول الامام ابن الملقن رحمه الله: "وفي هذا الحديث دلالة أن محبة الأم والشفقة بها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لأنه - عليه السلام - كررها ثلاثًا وذكر الأب في الرابعة فقط، وإذا تأمل هذا المعنى شهد له العيان، وذلك أن صعوبة الحمل والوضع والرضاع والتربية تنفرد بها الأم وتشقى بها دون الأب، فهذِه ثلاث منازل يخلو منها الأب" [التوضيح: ط١ دار النوادر، دمشق، ٢٨/ ٢٣٩] .
ويؤكد أن لفظ «حُسْنِ الصَّحَابَةِ» الوارد في الحديث، لا يعني مجرد الطاعة، بل يعني اللطف في المعاملة، وبذل المال، وطلاقة الوجه، وعدم التبرم بطلباتها مهما كثرت، يقول الامام الشوكاني رحمه الله :" قوله: (أمك)، فيه دليل: على أنَّ الأمّ أحقُّ بحسن الصحبة من الأب، وأولى منه بالبرِّ، حيث لا يتسع مال الابن إلا لنفقة واحد منهما، وإليه ذهب الجمهور، كما حكاه القاضي عياض فإنه قال: ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب" [نيل الاوطار: ط١، دار ابن الجوزي – السعودية،١٢/ ٦٦٣].
إن برالأم هو "المغناطيس" الجاذب للرزق والخير والبركات في حياة العبد، يُروى في الآثارأن الله يُعجِّل ثواب البر في الدنيا قبل الآخرة، إن تيسير الأمور المتعسرة، وانشراح الصدر، ووقاية العبد من "مصارع السوء"، كلها ثمار يقطفها البار بأمه.
عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ، وَلا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»[مسند أحمد، رقم: ٢٢٤١٣]،ذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ :"أَنَّ دَوَامَ الْمَرْءِ عَلَى الدُّعَاءِ يُطَيِّبُ لَهُ وُرُودَ الْقَضَاءِ، فَكَأَنَّهُ رَدَّهُ، وَالْبِرُّ يُطَيِّبُ عَيْشَهُ، فَكَأَنَّهُ زِيدَ فِي عُمْرِهِ، وَالذَّنْبُ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ صَفَاءَ رِزْقِهِ إِذَا فَكَّرَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ، فَكَأَنَّهُ حُرِمَههٌ" [شرح السنه للبغوي:ط٢ المكتب الإسلامي – بيروت- ،ج١٣-ص٦].
ويشير الإمام المناوي إلى أن دعاء الأم مستجابٌ لا حجاب بينه وبين الله، وكأن الله جعل مفاتيح خزائن رحمته في رضاها [فيض القدير، ج٣، ص٥٢١]، فمن أراد سعة في الرزق أو نجاة من ضيق، فليلزم غرزها، فإن الجنة تحت قدميها.
لقد تجسد البر في حياة سلفنا الصالح كحالٍ من الأحوال العرفانية الراقية، يُذكر عن سيدنا الإمام زين العابدين علي بن الحسين – عليهم السلام - أنه كان لا يأكل مع أمه في قصعة واحدة، فقيل له في ذلك، فقال: "أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها" [الكامل للمبرد:ط٣ دار الفكر العربي – القاهرة -، ١ / ١٩١]، وهذا لعمري هو منتهى البروالأدب في "فقه القلوب"، كما كان سيدنا ابن عون المزني - رضي الله عنه - إذا نادته أمه فأجابها بصوتٍ أعلى من صوتها، أعتق رقبتين كفارةً لرفع صوته [حلية الأولياء، لأبي نعيم، ٣/ ١٤٢]، إن هذا الأدب هو الذي يصنع الإنسان السوي ويحفظ توازن المجتمع.
في قصة سيدنا أويس القرني- رضي الله عنه - تجلٍّ مذهل لعظمة بر الأم؛ فقد منعه بره بأمه من الهجرة للقاء الحبيب النبيﷺ، فرفع حضرت النبي ﷺ ذكره عند الصحابة ووصفه بأنه «خَيْرُ التَّابِعِينَ»، وأمر سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - أن يطلب منه الاستغفار له إذا لقيه، عَنْ أسير بن جابر، قال: كان عمر بن الخطاب، إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن. كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم. له والدة هو بها بر. لو أقسم على الله لأبره. فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»، فاستغفر لي. فاستغفر له. [صحيح مسلم،رقم: ٢٥٤٢].
إن أويسًا لم يشتهر بكثرة صلاة أو صيام، بل اشتهر بكونه «كَانَ بِهِ بَرٌّ بِأُمِّهِ»، وهذا الدرس النبوي يخبرنا أن "الولاية لله" يمكن نيلها عبر خدمة الأم وتدليلها في كبرها.
قد يظن البعض أن البر ينتهي بمواراة الجسد الثرى، لكن الشريعة الإسلامية جعلت البر"عهدًا لا ينقطع"؛ حين جاء رجل من بني سلمة يسأل: "يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟"، قال ﷺ: «نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» [سنن أبي داود، رقم: ٥١٤٢]. إن هذا النص يؤسس لثقافة "الوفاء الممتد"، حيث تتحول الطاعات التي يفعلها الابن إلى أنوار تتنزل في قبر الأم، وكأنها لا تزال تحيا بعمله الصالح.
من لطائف التشريع النبوي أن البر يمتد ليشمل "دائرة محبة الأم"، فإكرام جاراتها وصديقاتها اللاتي كانت تأنس بهن في حياتها، يعد من "أبر البر"، وقد كان سيدنا عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْمَرْءِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»" [صحيح مسلم، رقم: ٢٥٥٢]. وهذا ينسحب بالتبعية وبالأولى على الأم، فالبحث عن صويحباتها وإدخال السرور عليهن هو نوع من أنواع استحضار روح الأم وتكريم ذكراها.
لو استعرضنا تاريخ العظماء من العلماء والمصلحين، لوجدنا وراء كل واحد منهم "دعوة أم" صادقة في جوف الليل.
عَنْ السيدة عَائِشَةَ- رضي الله عنها -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالُوا: حَارثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ» ، قال الامام الذهبي – رحمه الله – (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ)[ المستدرك على الصحيحين : ط١ المنهاج القويم ،٦ /٢٥٠].
فالإمام الشافعي - رضي الله عنه - ربَّتهُ أمه يتيمًا وحملته من غزة إلى مكة ليتعلم العلم، وكان دعاؤها له هو البركة التي جعلته عالم قريش، والإمام أحمد بن حنبل- رضي الله عنه - كانت أمه توقظه في الفجر وتحمي له الماء في شدة البرد وترافقه إلى المسجد، إن هذه "الرعاية الروحية" هي التي تخرج للنور نماذج بشرية سوية، تملأ الأرض عدلًا ونورًا [ انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي].
إن الإسلام لا يرى في تكريم الأم يومًا واحدًا في العام، بل يراه "عبادة العمر" التي لا تنتهي، إن الرؤية الإسلامية تتجاوز المظاهرالاحتفالية لتجعل البر حقيقةً سلوكية تُمارس في كل "بسمة" وجه، وفي كل "طاعة" أمر، وفي كل "درهم" يُنفق، إن الإسلام جعل "الجنة" بكل نعيمها وعظمتها "تحت أقدام الأمهات"، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ» "[مسند الشهاب للقضاعي: ط٢ مؤسسة الرسالة – بيروت -، ١/١٠٢]، في إشارة رمزية إلى أن القرب من الله والوصول إلى الفلاح يبدأ من الانحناء لخدمة الأم، و"عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ - رضي الله عنه - «أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ:« هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ » قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا»" [مسند الامام أحمد،رقم: ١٥٥٣٨].
"قَالَ الطِّيبِيُّ:" قَوْلُهُ: عِنْدَ رِجْلِهَا كِنَايَةٌ عَنْ غَايَةِ الْخُضُوعِ، وَنِهَايَةِ التَّذَلُّلِ"[مرقاة المفاتيح: ط١ دار الفكر - بيروت- ،٧/٣٠٩٦].
وفي الختام، يتبين لنا أن الأم ليست مجرد فرد في الأسرة، بل هي "منظومة أخلاقية" وقيمة وجودية كبرى، إن إكرامها وبركاتها وحسن التعامل معها هو الاختبار الحقيقي لمعدن الإنسان وصدق إيمانه، إن البر بالأم هو النهر الجاري الذي لا ينضب، والعهد الوثيق الذي يربط الأرض بالسماء، فلنحرص على أن نكون في محراب أمهاتنا ركعًا سجدًا بالخدمة والإحسان، سائلين الله أن يرزقنا رضاهم في الدنيا، وشفاعتهم في الآخرة، وأن يجعلنا من الأوفياء لذكراهم حتى نلقاهم على حوض المصطفى ﷺ.
حقوق الوالدين تُعد من أبرز وأهم الحقوق التي يحث عليها الإسلام
جعلَ الله الإحسانَ للوالدينِ قرينَ توحيدِهِ، وأفاضَ من سَعةِ رحمتِهِ على من تذلَّلَ لوالدَيْهِ طاعةً لتمجيدِهِ
الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس
إن الناظر في جلال الهيبة المحيطة بسلوك بر الوالدين، يرى أن هذا المسلك الذي سنه الجناب النبوي المعظم ﷺ يمثل ارتحالًا قدسيًّا بالروح نحو معارج الوفاء
البر من الأخلاق الإسلامية التي حث عليها الإسلام، وهو اسم جامع للخيرات كلها