وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن اختيار الزوج لا يقل أهمية عن اختيار الزوجة؛ لأنه على أساس كل من هذين الاختيارين تنشأ نواة جديدة في المجتمع وهي الأسرة، ونظرًا لأهمية هذه النواة؛ فقد أولى الإسلام الحنيف جل عنايته في وضع المعيار القويم الذي يتم بناء عليه اختيار كل منهما، ومعيار اختيار الزوج معروف لدى فقهاء الشريعة الإسلامية بشرط (الكفاءة بين الزوجين) وهو شرط لزوم في عقد الزواج.
إن معيار اختيار الزوج هو المقياس الذي يلتزم به ولي أمر الزوجة في انتقاء الزوج، بحيث يتم عرض المتقدم للزواج على هذا المقياس فاذا كان الرجل طالب الزواج مطابقًا في جميع صفاته لهذا المقياس كان أهلًا للزواج منها، وإن لم يكن كذلك فمن الخير عدم الاجابة إلى طلبه في الزواج.
وهذا المعيار أو المقياس ما هو إلا ميزان توضع فيه مقومات شخصية طالب الزواج، وعلى حسب رجحان إحدى كفتي هذا الميزان يكون اختيار الزوج قبولًا أو رفضًا، وأفضل موازين الاختيار تلك التي وضعها الإسلام، دين الله خالق الإنسان والعالم بما توسوس به نفسه: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
وميزان اختيار الزوج كما وضعه الإسلام وعرفه الفقهاء المجتهدون هو "شرط الكفاءة"، والكفاءة في اللغة تعني: المساواة والمماثلة، فقال: كافأ فلان فلانًا، أي: ماثله وساواه وصار نظيرًا له، وفي اصطلاح الفقهاء: الكفاءة هي مساواة الرجل للمرأة في أمور مخصوصة بحيث لا تعير الزوجة ولا أولياؤها بزوجها.
إذا كان الناس كما خلقهم الله على قدم المساواة في الحقوق الطبيعية فإنهم ومن المنظور الإسلامي البحت بلا شك على درجة من التفاوت في مكتسبات الحياة، فمثلًا الناس في العلم ليسوا سواء، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر: ٩]، وهم كذلك ليسوا سواء في كسب النفس في شتى مناحي الحياة، فهناك من كسب النفس ما يرفع درجة الإنسان على أخيه الإنسان كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [المجادلة: ١١]، ومن هذا المنطلق فإن معيار اختيار الزوج لا يكون على أساس المساواة في الحقوق الطبيعية، كالحق في الحياة والحرية والانتقال وغيرها، ولكن على أساس المساواة في الحقوق المكتسبة كالعلم والتدين والأخلاق والرزق وغير ذلك، وبالتالي؛ فإن الكفاءة بين الزوجين لا ترد على المساواة الأولى، ولكن تَنْصَب على المساواة الثانية، إذ أن المساواة الأولى مفترضة من باب أولى بالنسبة للمساواة الثانية، لأنه يفترض في كل من الزوجين التمتع بالحقوق الطبيعية على قدم المساواة، والمرجع في هذا الأساس الذي يقوم عليه معيار اختيار الزوج هو معايرة الزوجة وأهلها إذا لم يكن الزوج على ذات درجة الكفاءة معها بأن كان أقل منها في الحقوق المكتسبة كأن يكون أقل منها تدينًا أو أقل منها علمًا أو غير ذلك.
أجمع الفقهاء المجتهدون على أن معيار اختيار الزوج أو الكفاءة يتمثل في الدين بمعنى التدين والتقوى، بل أن بعضهم كالإمام مالك والإمام أحمد اعتبروا التدين هو المعيار الوحيد لاختيار الزوج، واعتبره البعض الآخر كالإمامين أبي حنيفة والشافعي المعيار الأول لاختيار الزوج، ثم تأتي بعده معايير أخرى كالنسب والحرفة والمال وغيره، والحكمة من هذا المعيار لدى الجميع هي أن التقوى والصلاح من أعظم المفاخر وأن الصالحين الأتقياء يعيرون بمصاهرة الفساق "وفى بيان هذا المعيار يقول الإمام ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ولم يختلف المالكية في أن البكر إذا زوجها الأب من شارب الخمر وبالجملة من فاسق؛ لها أن تمنع نفسها من النكاح وينظر الحاكم في ذلك، فيفرق بينهما، وكذلك إذا زوجها ممن ماله حرام، أو ممن هو كثير الحلف بالكلام، وقد استدل الفقهاء على هذا المعيار بآية كريمة وبحديث شريف، أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: ١٣]، وأما الحديث الشريف هو ما رواه الإمام الترمذي في سننه بإسناد حسن عن أبي حاتم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «إذا جاءَكم من ترضَونَ دينَهُ وخلُقَهُ فأنكِحوهُ إلّا تفعَلوا تكُن فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ قالوا يا رسولَ اللَّهِ وإن كانَ فيهِ! قالَ إذا جاءَكم من ترضونَ دينَهُ وخلقَهُ فأنكِحوه. ثلاثَ مرّاتٍ» [أخرجه الترمذي].
لم تترك الشريعة الإسلامية هذا الأمر الحيوي (اختيار الزوج) للمصادفة أو الأهواء العابرة، بل أولته عناية فائقة ووضعت له معايير دقيقة ومقاييس قويمة، إدراكًا منها أن هذا الاختيار ليس مجرد عقد بين فردين، بل هو تأسيس لأمة صغيرة وبذرة لجيل قادم، لقد وضع الإسلام الأساس المتين لهذا البناء، جاعلًا من الدين والخلق المعيار الأسمى الذي لا يُعلى عليه، فالشريك المتدين هو الضمانة الحقيقية لاستمرار المودة والرحمة وتحمل مسؤوليات الحياة المشتركة.
الخصوصية أساس الأمان، والاحترام سر الاستقرار.
صان الإسلام كرامة المرأة بالقوامة رعاية وإحسانًا.
الأسرة وحدة اجتماعية حصينة نظمها الإسلام بدقة.