الدور الاستراتيجي للمسجد في حماية الأمن الفكري والاجتماعي من
تهديدات الجرائم الإلكترونية المستحدثة التي تستهدف القاصرين والشباب.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الدور الاستراتيجي للمسجد في حماية الأمن الفكري والاجتماعي من
تهديدات الجرائم الإلكترونية المستحدثة التي تستهدف القاصرين والشباب.
يُعدُّ المسجد المؤسسة الاجتماعية والدينية الأكثر تأثيرًا في صياغة الوعي المجتمعي، وفي ظل سيطرة وسائل التواصل الإلكتروني على حياتنا اليومية، تعاظمت الحاجة إلى دور المسجد في التوعية بمخاطر هذه الوسائل، إن الجرائم الإلكترونية لها طابع خاص غير تقليدي؛ فهي عابرة للحدود، وتمتاز بسرعة وسهولة إخفاء أدلتها، مما يجعل تأثيرها واضحًا على أفراد الأسرة عمومًا والقاصرين خصوصًا.
إن دور المسجد هنا يتجاوز الوعظ التعبدي؛ ليصبح "منصة أمنية فكرية"، تُبصر المجتمع بخطورة هذه التحديات؛ فالمسجد بما يمتلكه من قبول مجتمعي قادر على تحويل المفاهيم التقنية المعقدة إلى وصايا أخلاقية وشرعية مفهومة، تسهم في بناء حائط صد ضد الاحتيال، والابتزاز، والأفكار المُنحرِفة.
تعد الجريمة ظاهرة اجتماعية تاريخية ترافق تطور البشرية، لكنها في العصر الحديث تأثرت بتقدم التكنولوجيا وظهور شبكة الإنترنت، مما أدى لبروز أشكال جديدة من "الجرائم التقنية"، وقد عرف مؤتمر الأمم المتحدة العاشر لمنع الجريمة ومعاقبة المجرمين (فيينا، ٢٠٠٠م) الجريمة الإلكترونية بأنها: أية جريمة يمكن ارتكابها بواسطة نظام حاسوبي، أو شبكة حاسوبية، أو داخل نظام حاسوبي، وتشمل جميع الجرائم التي يمكن ارتكابها في بيئة إلكترونية. [عبد الله، عبد الله عبد الكريم (۲۰۰۷) جرائم المعلوماتية والإنترنت. ط ا. بيروت منشورات الحلبي الحقوقية].
إن المسجد مطالب اليوم بتوضيح هذا المفهوم للعامة؛ لبيان أن الإجرام لم يعد يقتصر على السرقة المادية أو القتل الفعلي، بل امتد ليشمل تدمير العقول، والابتزاز المعنوي، وسرقة الهويات الرقمية، وهو ما يتطلب "فقهًا تكنولوجيًّا" يواكب هذه المستجدات.
يُشكل الأطفال والشباب الفئة الأكبر في المجتمع، وهم الأكثر عرضة للمخاطر الإلكترونية؛ لقلة وعيهم ونضجهم في التعامل مع المجال الإعلامي المفتوح، إن سرعة الحصول على المعلومة، والتأثر بما يعرض في الألعاب والمنصات الاجتماعية جعلت الطفل في مواجهة مباشرة مع الغرباء والمواقع المشبوهة.
وهنا يأتي دور إمام المسجد في توجيه الآباء لضرورة الرقابة الأسرية الواعية؛ فالطفل غير قادر على إدراك أساليب التلاعب الرقمي، والمسجد هو المكان الأنسب لتذكير الوالدين بمسؤوليتهم الشرعية تجاه هؤلاء الصغار، إن توفير "الوقاية الرقمية" للأطفال هو جزء من حفظ "فطرة الله التي فطر الناس عليها"، وحمايتهم من المعلومات الضارة هو حماية لمستقبل الأمة الإسلامية.
تبرز خطورة الجرائم الإلكترونية في كونها أصبحت "ناقلة" للأفكار الهدامة والمنحرفة التي تستهدف الأمن الفكري، إن عرض المواد الإباحية، والترويج لخطاب الكراهية، وبث شُبهات الغلو والتكفير، كلها جرائم تُرتكب عبر الفضاء الرقمي؛ بهدف زعزعة استقرار الدول، وتفكيك نسيج المجتمعات.
إن المسجد هو "الحصن الحصين" الذي يفند هذه الأفكار؛ فمن خلال المنبر يتم تبيين أن هذه المواقع ما هي إلا أدوات للتلاعب بالعقول، كما يجب على الخطاب المسجدي التصدي لظاهرة "الابتزاز الإلكتروني"، وتشجيع الضحايا على اللجوء للجهات المختصة، ورفع الغطاء الشرعي والأخلاقي عن المبتزين الذين يسيئون استخدام التقنية لإشاعة الفاحشة والذعر بين المؤمنين.
لقد أصبح الاقتصاد العالمي يعاني من تداعيات الأنشطة الإجرامية المستحدثة، حيث تورطت فيها مبالغ ضخمة من الأموال غير المشروعة عبر الإنترنت، مما هدد استقرار التنمية الاقتصادية؛ اجتماعيًا، تسبب هذه الجرائم حالة من "القلق الرقمي"، وفقدان الثقة في التعاملات الإنسانية. [عبد الله، عبد الله عبد الكريم . (۲۰۰۷) جرائم المعلوماتية والإنترنت. ط ا. بيروت منشورات الحلبي الحقوقية]
إن المسجد يُسهم في استعادة "السكينة النفسية" للمجتمع، من خلال غرس قيم الأمانة والصدق في التعاملات الرقمية، والتحذير من أكل أموال الناس بالباطل عبر الاحتيال الإلكتروني. إن ترسيخ مبدأ "الرقابة الإلهية" هو الترياق الحقيقي للحد من هذه الجرائم التي يصعب أحيانًا اكتشافها بالوسائل التقليدية؛ فالمسلم الذي يستشعر مراقبة الله لن يمارس الابتزاز أو الاحتيال، ولو غابت عنه رقابة القانون.
إن مواجهة التهديد البارز للجرائم الإلكترونية تتطلب من المسجد تبني إجراءات أمنية ووقائية من خلال "الخطاب الدعوي المستنير"، يجب أن يركز إمام المسجد على:
لقد وضع النبي ﷺ قواعد كلية تمنع الضرر والإضرار، ففي الحديث الشريف : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [موطأ الامام مالك:٣١]، وهذا الحديث يُعدُّ أصلًا في تجريم كافة أشكال الجرائم الإلكترونية التي تُلحق الضرر بالأفراد أو الدول، كما أن التحذير من الغلو في الدين: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [سنن الإمام النسائي:٣٠٥٧]، ينطبق اليوم على المتطرفين الذين يستخدمون الإنترنت؛ لنشر أفكار التكفير واستباحة الدماء.
إن المسجد يستلهم من هذه النصوص ضرورة التصدي للغلو التقني؛ وهو استخدام التكنولوجيا في التدمير والفرقة، مبينًا أن التقدم العلمي يجب أن يكون في خدمة البشرية وصلاحها، لا في تخريب ممتلكاتها ومكتسباتها.
ختامًا، إن المسجد يمثل الركيزة الأساسية في منظومة الأمن الفكري والرقمي، إن مواجهة مخاطر الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات تتطلب تكثيف الجهود الدعوية والتربوية لتوفير أقصى درجات الوقاية للطفل والأسرة، إن الإجرام الإلكتروني، وإن كان مُستحدثًا في وسائله، إلا أن الوقاية منه تعتمد على ثوابت أخلاقية وشرعية أصيلة يُرسخها المسجد في نفوس المؤمنين.
يجب الإشارة إلى ضرورة تزويد أئمة المساجد بمهارات "الإعلام الرقمي"؛ ليكونوا قادرين على حماية الشباب من شِباك المُنحرفين والمبتزين، ليبقى المسجد دومًا منارة للحق، وصمام أمان للمجتمع في وجه كل فتنة مستحدثة.
احترام الخصوصية والحدود يبني علاقة زوجية مستقرة.
المسجد، بيت الله ومركز الحضارة الإسلامية، يتجاوز كونه مكانًا للصلاة ليشمل وظائف متعددة كالإدارة والتعليم والإفتاء.
الزواج تكامل وجودي قوامُه الرفق والوفاء المتبادل.
تعد الأسرة خط الدفاع الأول لحماية المراهقين من خطر الإدمان.