إن تحويل فقه الحدود إلى واقع معاش
يحتاج إلى مهارة، ودبلوماسية، وذكاء عاطفي شديد، ويمكن تلخيص ذلك في خطوات عملية
أربع:
- قاعدة كل شريك يعامل أهله بالمعروف
هذه هي القاعدة الذهبية في العلاقات
العائلية؛ فالزوج هو المسؤول عن وضع الحدود لأهله، والزوجة هي المسؤولة عن وضع
الحدود لأهلها، والسبب في ذلك نفسي واجتماعي؛ فالأم تغفر لابنها طلبه للاستقلال
بإدارة بيته، وتقبله منه برحابة صدر، بينما لو قالت الزوجة ذات العبارة لحُمِلت
فورًا على محمل سوء الأدب، والتكبر، ومحاولة خطف الابن، والشيء نفسه ينطبق على
الزوج مع أهل زوجته.
ويُستأنس هنا بوجوب الخطاب اللين
والحكيم تلطفاً بالوالدين كما أمر سبحانه: ﴿وَقُل
لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
[الإسراء: ٢٣].
- التفريق بين النصيحة والقرار
عندما يقدم أحد الوالدين نصيحةً أو
توجيهًا في شأن يخص الأسرة الناشئة، يجب التعامل مع هذه النصيحة بذكاء أدبي؛
بامتصاص حماس الأهل وشكرهم بعبارات دافئة مثل: (رأيك على رأسنا يا أمي،
جزاك الله خيرًا على خوفك علينا) فإن هذا الرد يرضي رغبتهم النفسية في العطاء؛ ثم
يذهب الزوجان إلى بيتهما ليتخذا القرار الذي يناسب حياتهما بحرية تامة، دون حاجة
للدخول في صدام فكري أو عناد مباشر مع الأهل لإثبات الرفض، والكلمة الطيبة صدقة،
وتأليف للقلوب؛ لقوله ﷺ: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» [صحيح البخاري، رقم: ٢٩٨٩].
عدم جعل الشريك في مواجهة الأبوين
من الأخطاء الكبرى أن يستند أحد
الزوجين إلى شريكه عند الاعتذار للأهل عن أمر ما؛ كأن يقول الزوج لأمه: أنا
كنت أريد زيارتك لكن زوجتي تعبانة وترفض الخروج، هذا الأسلوب يزرع بذور البغضاء في
قلب الأم تجاه زوجة ابنها، والصواب هو تملّك الاعتذار وصياغته بضمير المتكلم مثل:
(أنا مشغول اليوم يا أمي ولن أستطيع الحضور)؛ لحماية الشريك من الصورة الذهنية
السلبية، وفي هذا حماية للمؤمنين من التباغض والتشاحن الذي نهى عنه النبي -ﷺ-
بقوله: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا
عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» [صحيح البخاري، رقم: ٦٠٦٥].
رسم الحدود لا يعني الجفاء؛ بل إن
أفضل طريقة لتقبل الأهل للحدود الذكية هي إغراقهم بالبر، والاحترام، والهدايا،
والاتصال الهاتفي، والسؤال عن أحوالهم في المساحات خارج إطار القرارات الشخصية
للبيت.
فالهدية مثلًا مفتاح القلوب وبوابة
تطييب الخواطر؛ لقول النبي -ﷺ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» [رواه البخاري في الأدب المفرد، رقم: ٥٩٤].
وعندما يشعر الأهل بأن مكانتهم
محفوظة، وأن قيمتهم عالية، وبأن أولادهم يتسابقون في نيل رضاهم بالمعروف،
سيتنازلون تدريجيًّا وباطمئنان عن رغبة السيطرة والتدخل، لعلمهم أن الخصوصية لا
تعني العقوق أو النسيان.