وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
السكن في اللغة: يعني وقف الحركة، ومنه: سكن النفس بعد الاضطراب، ومنها: السكن للغير، أي: الاستئناس به والاستراحة إليه، ولذلك عبر القرآن الكريم عن العلاقة الزوجية بقوله: ﴿لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا﴾، والسكن بين الزوجين كما يكون ماديًّا قد يكون معنويًّا ونفسيًّا، فالسكن المادي؛ هو الذي يوفر لكل من الزوجين ماديات الحياة من حاجات ضرورية وكمالية، بل وترفيهية؛ كالمأكل والمشرب والملبس وأدوات الراحة الكثيرة وغيرها، وهذه أشياء يقوم بها الرجل بحكم تحمله مسئولية الإنفاق داخل الأسرة، والسكن المعنوي أو النفسي يتمثل في الراحة النفسية التي يحصل عليها الزوج في البيت، بعد مكابدة مشاق السعي في الأرض، وعلى الزوجة يقع العبء الأكبر في توفير هذا النوع من الراحة.
والسكن بنوعيه ضروري لتحقق الترابط الأسري، فإذا لم يقم كل من الزوجين بتوفير أسباب هذا السكن للآخر، تحولت الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق وانعكس ذلك على الأولاد الذين هم ثمرة هذه الحياة، وفي السيرة النبوية الشريفة الدروس العظيمة التي نتعلم منها: إلى أي مدى كان للسكن الزوجي الأثر البالغ في تثبيت دعائم رسالة الإسلام، فمع أول لقاء بين الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ والوحي، لعب السكن الزوجي الجليل للسيدة خديجة ـرضي الله تعالى عنهاـ دورًا فريدًا، ذلك أنها عندما رأت الحالة التي جاء عليها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غار حراء بعد لقاء جبريل ـ عليه السلام ـ وبث لها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مخاوفه من شدة ما لقي من الوحي، قالت له في حنان الزوجة الصادقة التي تعرف للسكن الزوجي قدره: "والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ليطمئن قلبها عليه، وها هي السيدة أم سلمة ـرضي الله عنهاـ في صلح الحديبية تقوم بدور الأم الحنون على المؤمنين والسكن البار برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد دخل عليها بعد التوقيع على الصلح قائلًا «هَلَكَ المُسلِمونَ، أَمَرتُهُم أَنْ يَنْحَروا وَيَحلِقوا فَلَم يَفعَلوا»، فقالت يا رسول الله: لا تَلُمْهُم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح، يا نبي الله اخرج ولا تكلم أحدًا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، ففعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أشارت به زوجته الفاضلة فتواثب المسلمون إلى الهدي وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع على بعض، ويقول رواة السيرة: "إن الله تعالى جلى على الناس بأم سلمة"، وكما ثبت الله رسوله بسكن أم المؤمنين خديجة، كشف الغمة عن المسلمين بسكن السيدة أم سلمة ـرضي الله عنهاـ فإن كل زوجة يجب أن تكون كذلك سكنًا لزوجها في كل وقت وحين، ولكن إذا ضاعت السكنى من الحياة الزوجية، فماذا يبقى فيها بعد هذا؟، الإجابة: لا يبقى إلا كل ما هو سيء والعياذ بالله.
إن السكن بين الأزواج هو الذي يصنع الرجال العظام والنساء العظيمات، ذلك أن الابن الذي يأتي إلى الحياة والأبوين في سكن مستقر فلا بد أن ينعم بالهدوء والسكينة داخل الأسرة، ثم يتربى بين الأحضان المتآلفة فينشأ إنسانًا سويًّا، ولنا أن نتصور الحالة التي يكون عليها الشاب الذي جاء إلى أسرة مفككة لا تنعم بالسكن الزوجي، إن أبسط ما يقال في وصف هذه الحالة: إنَّ هذا الولد لا يعدو أن يكون بقايا إنسان قادم من الشتات، هو إلى التطرف أقرب منه إلى الاعتدال.
لقد عمل الإسلام جاهدًا على المحافظة الدائمة على استمرار الحياة الزوجية في السكن المتكامل، بحيث إذا تعرض هذا السكن لأي هزة تدخل بأوامره الحازمة لإصلاح أي خلل يلحق به من جراء ذلك، ففي القرآن أدلة قاطعة على صدق ذلك منها على سبيل المثال، قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا * وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا﴾ [النساء: ٣٤-٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا * وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: ١٢٨-١٢٩].
فإذا باءت كل محاولات الإصلاح بين الزوجين بالفشل ولم تتمكن من إعادة السكن الزوجي إلى حالته الطبيعية فلا فكاك من اللجوء إلى أبغض الحلال إلى الله وهو الطلاق الذي أشارت إليه الآية التالية تعقيبًا على الآيتين السابقتين: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: ١٣٠].
الأصل أن السكن بين الزوجين يشتمل على جميع مكونات الاستقرار الأسري ومن بينها: المودة والرحمة، ولكن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، فقد تتكدر الحياة الزوجية وتذهب منها بعض مقومات السكن الزوجي، وحينئذ يأتي دور المودة والرحمة فى العمل على عودة الصفاء بين أفراد الأسرة بل والمجتمع، ولأهمية هذا العنصر نتناول النقاط الآتية:
تحديد المقصود بالمودة والرحمة: لمعرفة التحديد والواضح المقصود بكل من المودة والرحمة يجب أن يكون معلومًا قطعيًّا أن المصدر المقرر لهما هو الله - تعالى - بمقتضى قوله المحكم تكملة الآية: ﴿وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]، وهذا له أهميته حتى تظهر الفائدة الكبرى المترتبة على شيوعهما داخل الأسرة؛ لأن الله تعالى لا يقرر إلا ما يحقق مصلحة الإنسان.
بيان المقصود بالمودة والرحمة:
دلالة كلمة (المودة):
في اللغة: من الفعل "ودد" بمعنى أحب، والمودة هي المحبة، وهي في محيط الأسرة يقصد بالمودة علاقة الحب التي تربط بين كل أفراد الأسرة، بحيث يصدق فيهم قول رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكى منه عُضْوٌ تَداعى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمّى» [أخرجه البخاري، ومسلم].
دلالة كلمة (الرحمة):
في اللغة: من الفعل "رحم" بمعنى رق له وعطف عليه وغفر له، والرحمة: هي الخير والنعمة، وداخل الأسرة يقصد بالرحمة علاقة العطف من الكبير على الصغير والاحترام من الصغير إلى الكبير، حتى يعم الخير والنعمة على جميع أفراد الأسرة ويظهر ذلك أثره على غيرهم في المجتمع.
هذا النطاق يتحدد من خلال تشريع الله المودة والرحمة في الأسرة على ضوء ما ورد بالآية الكريمة سالفة الذكر من كلمتي ﴿جَعَلَ بَيۡنَكُم﴾، فيمكن القول بأن نطاق المودة والرحمة يشمل الزمان والأشخاص وذلك على النحو التالي:
- نطاق المودة والرحمة من حيث الزمان:
إذا كانت الآية الكريمة افتتحت بقوله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم﴾ [الروم: ٢١]، وهذا كما يقول المفسرون: يشير إلى الخلق الأول وهو خلق السيدة حواء من سيدنا آدم، فإن المعنى لا يقف عند هذا الحد، بل يستمر ليشمل كل أسرة تتكون بعد ذلك.
والأسرة منذ بداية نشأتها من الزوجين تقوم على السكن بينهما الذي يتضمن المودة والرحمة فإذا ما اختل أي عنصر من عناصر هذا السكن أصبح من الحتمي البحث عن الوسائل الكفيلة لتحقيق ما تتطلبه الأسرة من المودة والرحمة وهذا ما توحي به كلمة "جعل" التي تعني كما في اللغة: (أنشأ وأوجد) ومنها جَعَلَ الشيء كذا أي: صيره إياه، ومن ثم يمكن القول: إن الأسرة التي فقدت مقومات السكن فلا بد من إيجاد ما يحقق لها ذلك بالمودة والرحمة فتصير في السكن، وبالتالي؛ فإن مرحلة المودة والرحمة تأتي بعد مرحلة السكن الأسري أي: أن الله - تعالى - لم يقرر المودة والرحمة في الأسرة مباشرة اعتمادًا على ما ركبه فى العلاقة الزوجية من السكن بين طرفيها.
نطاق المودة والرحمة من حيث الأشخاص:
يذهب كثير من المفسرين إلى أن المودة والرحمة في الآية الكريمة تنصرف في العلاقة ما بين الزوجين في الأسرة منذ أول أسرة تكونت فى الحياة من آدم وحواء إلى آخر الزمان، وقد وسع بعض المفسرين من هذا النطاق فجعله يشمل باقي أفراد الأسرة، ولكن إذا نظرنا إلى كلمة "بينكم" بنظرة متعمقة نلاحظ أنها تفيد نطاق المودة والرحمة وأوسع من كل هذا، بل يشمل كل أفراد المجتمع المسلم وأكثر من هذا فإنه يمتد إلى المجتمع الإنساني ككل وحجتنا في ذلك الآتي:
إن الله تعالى أورد الآية الكريمة التي تضمنت المودة والرحمة في سياق الآيات التي تتحدث عن الخلق بصفة عامة والتي تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] ولم يخص الله في هذه الآيات نوع أو جنس معين من المخلوقات ولكن السياق يفصح عن أن المقصود بالخلق هو الإنسان؛ لأن الآيات ذكرت أوصاف بني الإنسان المجرمون والذين آمنو وعملوا الصالحات والمكذبون واختلاف الألسن والألوان والخوف والنوم وغير ذلك من أوصاف، ولكن من بين خلق بني آدم لم يخصص منهم المؤمن وغيره والمسلم وغيره، ولهذا كان الخطاب من الله لهم عامة، وعلى هذا الأساس فإن الخطاب في كلمة (بينكم) يكون عامًّا ليشمل كل الخلق من بني آدم، وبالتالي؛ يمكن القول أن الله تعالى جعل المودة والرحمة بين الخلق أجمعين داخل الأسرة وبين أفراد المجتمع المسلم والمجتمع الإنساني بصفة عامة، أيا كانت عقيدتهم أو ديانتهم ويؤكد هذا المعنى ما وصف الله رسوله: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وأنه تعالى: ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
يتحقق هذا الترابط من خلال التواصل الجيد، وتبادل الاحترام والمودة بين جميع أفراد العائلة، إضافة إلى الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية وإشاعة روح التعاون والتسامح في المنزل، ونجد أن تحقيق الترابط الأسري يستلزم جهدًا متواصلًا من كل أفراد الأسرة عبر الاهتمام المتبادل وحل الخلافات بالحوار والاحترام، فبناء أسرة متماسكة يعني بناء مجتمع قوي ومتماسك، ولهذا يظل الترابط الأسري أحد أهم عوامل النجاح والتقدم في حياة الإنسان والمجتمع بأكمله.
الأسرةُ هي الدرعُ الحصين، وهي أهلُ الرجل وعشيرته، والجماعةُ التي يربطها أمرٌ مشتركٌ.
سنة نبوية تحقق السكينة والعفة وعمارة الكون.
تعزيز الوعي والحدود يحمي الأسرة والمجتمع.