Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزواج الصوري والزواج القائم على المصلحة

الكاتب

هيئة التحرير

الزواج الصوري والزواج القائم على المصلحة

ظلت مؤسسة الزواج عبر التاريخ حصنًا روحيًّا وميثاقًا يحقق السكن والسكينة، لكن مع طغيان المادية المعاصرة، تسللت عقلية السوق لهذا الرباط الفطري، ليتحول أحيانًا إلى زواج مصلحة تُقايَض فيه المشاعر بالمنافع المادية كالثراء والجنسية، هذا المسخ التجاري للأسرة يستدعي وقفة تحليلية عميقة من منظور نفسي واجتماعي وشرعي.

اغتراب الذات وسيكولوجية العوز الوجداني

خلف الستار البراق لزيجات المصلحة، تعيش الأنفس الحاضرة في هذه الصفقات أزمة نفسية حادة؛ فالإنسان لا يمكنه خداع فطرته طويلًا، وتحويل الشريك إلى أداة نفعية يولد تشوهات سيكولوجية غائرة، منها:

(١) الاغتراب الزوجي والفقر العاطفي

عندما يوافق الفرد على الارتباط بشريك لا يشعر تجاهه بأي قَبول عاطفي أو رُوحي، لمجرد تحقيق مكسب مادي، فإنه يحكم على نفسه بـالانتحار الوجداني والنفسي الصامت؛ إذ يعيش هذان الشريكان تحت سقف واحد كالغرباء، يتبادلان الأقنعة أمام الناس، وينطويان على فراغ قاتل في غُرَفِهما المغلقة.

هذا الجفاف الوجداني المستمر يصيب الطرفين بالاحتقان النفسي، والاكتئاب المزمن، ويُوَلِّد حالة من الجوع العاطفي التي تدفع الفرد مستقبلًا، إما إلى الانحراف السلوكي والخيانات الزوجية بحثًا عن الحب المفقود، أو الانهيار النفسي الكامل [جمعية علم النفس الأمريكية - APA الجفاف العاطفي، الإهمال، والصدمات].

(٢) تآكل التقدير الذاتي، والشعور بالنفعية

في زواج المصلحة، يدرك كل طرف (أو الطرف المستغَل بدقة) أنه لم يُختَر لذاته، بل لماله، أو لمنصبه، أو لجواز سفره، هذا الإدراك يزرع في أعماق النفس شعورًا بالمهانة والدونية؛ فالإنسان يشعر بأنه تحول إلى سلعة تُشترى وتُباع في سوق العلاقات، هذا الشعور يُفقد الفرد كرامته الداخلية، ويجعله يعيش في شك دائم وتوجس مستمر من اللحظة التي تنتهي فيها مصلحة الطرف الآخر فيُلقى به بعيدًا.

الآثار الاجتماعية للزواج الصوري

تُعتبر الأسرة هي النواة الصُّلبة التي تَمد المجتمع بقيم التراحم والتكافل، وعندما تصبح النواة تجارية، يصاب المجتمع بالانحراف الأخلاقي:

(١)  تسليع العلاقات الإنسانية الكبرى

إن شيوع زواج المصلحة والزواج الصوري ينشر في المجتمع ثقافة نفعية خطيرة تؤدي إلى تآكل رأس المال الاجتماعي [عالم الاجتماع جيمس كولمان، نظرية رأس المال الاجتماعي]، ويصبح الشباب والفتيات ينظرون إلى الزواج لا بوصفه مشروعًا لبناء طاقات بشرية صالحة، بل بوصفه تذكرة عبور اقتصادية أو خطوة تسلق وظيفي يفرز هذا الواقع مجتمعًا ماديًّا جافًا، تختفي منه قيم التضحية والإيثار والشهامة، وتطغى عليه الأنانية الفردية المطلقة. [المفكر زيجمونت باومان، كتاب الحب السائل: عن سيولة العلاقات الإنسانية].

الأثر السلبي على الأبناء (التربية على الزيف)

إذا أسفر زواج المصلحة عن إنجاب أطفال، فإن الكارثة التربوية تتضاعف؛ إذ ينشأ الطفل في بيئة غير آمنة، يرى فيها جهارًا علاقة تمثيلية بين والديه قائمة على المصالح والتبادل المنفعي البحت، خالية من العواطف الصادقة، والمشاعر المتبادَلة، والمساندة الصادقة، ويمتص الطفل هذه النمذجة السلوكية [عالم النفس ألبيرت باندورا، نظرية التعلم الاجتماعي]، فيكبر مشوَّهًا في مفاهيمه العاطفية، غير قادر على بناء علاقات سويَّة، ويرى المجتمع الخارجي كله عبر منظار المنفعة المادية والمكسب الشخصي فقط.

مقاصد النكاح وبطلان التلاعب بالحدود الإلهية

لقد أسست الشريعة الإسلامية الغراء الزواج على قواعد سماوية سامية، غايتها صيانة النسل وتحقيق الطمأنينة النفسية، وتأتي النصوص القرآنية لتجعل المودة والرحمة هما الركن الركين لهذا البناء، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجࣰا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّةࣰ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].

إن زواج المصلحة أو الزواج الصوري الذي يُعقد بنية الطلاق بمجرد انتهاء المنفعة (كالحصول على إقامة أو مال) يتنافى تمامًا مع مقصد التأبيد في النكاح، ويقترب فقهيًا من نكاح المتعة أو نكاح المحلل المحرَّمَين شرعًا؛ لما فيهما من غِش، وخِداع، واتخاذ لآيات الله هزؤًا. [الإمام ابن قدامة، كتاب المغني، باب الشروط في النكاح].

وقد وضع النبي ﷺ معيارًا متوازنًا للاختيار يحفظ كرامة الطرفين ويمنع تحول الزواج إلى صفقة جافة، حيث قال ﷺ: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمالِها، وَلِحَسَبِها، وَلِجَمالِها، وَلِدِينِها، فاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ» [صحيح البخاري، رقم: (٥٠٩٠)].

إن الحديث الشريف لا ينكر وجود الدافع المادي أو الجمالي، ولكنه يجعل الدين والخُلُق هما المانع من تحول الزواج إلى مجرد عملية تجارية نفعية خالية من القيم الروحية، فالزواج الصوري الذي يفتقر للحقوق والواجبات الشرعية (كالمعاشرة بالمعروف والنفقة الحقيقية) هو عقد صوري، في ظاهره الصحة وفي باطنه التلاعب بأحكام الشريعة وحدودها.

الزواج الحقيقي في مواجهة زواج الصفقة المادية

يوضح الجدول التالي الفروق الجوهرية بين الزواج المبني على الفطرة والمقاصد الشرعية، والزواج القائم على الصفقات الصورية والمصالح المادية:

وجه المقارنة

الزواج الحقيقي الفطري (بيئة السكن)

زواج المصلحة والزواج الصوري (بيئة الصفقة)

الدافع الأساسي للارتباط

السكن النفسي، بناء أسرة، وتحقيق التكامل العاطفي والروحي.

تحقيق مكسب مادي، الحصول على وثيقة قانونية، أو وجاهة اجتماعية.

طبيعة العلاقة اليومية

مودة، رحمة، حوار صادق، وتضحية متبادلة في الأزمات.

تمثيل مسرحي، جفاف عاطفي، وتوجس دائم مستمر من الغدر.

مصير العلاقة عند زوال المؤثر

الاستمرار والنمو؛ لأن الرابط مبني على قيم ذاتية ثابتة لا تزول.

الانهيار الفوري والطلاق بمجرد انتهاء المصلحة أو نفاد المال.

البيئة النفسية للأبناء

طمأنينة، استقرار وجداني، ونشوء شخصيات سوية ومِعطاءة للمجتمع.

قلق، تشتت، وتطبُّع بذات العقلية النفعية والمادية الزائفة.

استراتيجيات عملية لمواجهة تسليع الزواج وحماية الأسرة

إن إنقاذ الأجيال الشابة من الوقوع في الزيجات الصورية والنفعية يتطلب خطوات جادة وفعالة تحفظ للفرد قيمته وللمجتمع تماسكه، ومنها:

(١) إعلاء قيم الاستحقاق الذاتي داخل الأسرة: يتحمل الوالدان مسؤولية تربية الأبناء والبنات على أن قيمتهم الإنسانية تنبع من أخلاقهم، وعلمهم، وكيانهم المستقل، لا من مدى قدرتهم على قَنص شريك ثَريٍّ أو ذي نفوذ، يجب على الأسر الكف عن الضغط على الفتيات للقبول بأي طارق لمجرد ماله، والكف عن دفع الشباب للزواج الصوري المغترب خلف الحدود بحثًا عن مصلحة مادية سريعة، وإفهامهم أن جدران البيوت المبنية على الطمع تنهار فوق رؤوس أصحابها سريعًا.

(٢) تفعيل الفحص النفسي قبل الزواج: مثلما تطبق الدول الفحص الطبي الإلزامي لضمان السلامة البيولوجية للمقبلين على الزواج، ينبغي للمؤسسات الاجتماعية تفعيل دورات تأهيلية مكثفة تركز على الجاهزية النفسية والعاطفية، يجب اختبار دوافع الطرفين بذكاء، وتبصيرهم بعواقب غياب المودة والرحمة، وصناعة وعي شبابي يرفض أن يكون طرفًا في صفقة صورية تسلب منه سنوات عمره وشغفه الإنساني الفطري.

الخلاصة

إن زواج المصلحة والزواج الصوري ما هما إلا عرضان لمرض مجتمعي أكبر، يتمثل في طغيان المادة على الروح، وتسليع كل ما هو مقدس في الحياة البشرية، فالبيوت لا تُبنى ببنود العقود المالية المجرّدة، ولا تدوم برصيد المصارف ومظاهر الوجاهة الكاذبة، بل تُشيَّدُ بالحب الصادق، والكلمة الطيبة، والكتف اللينة التي يستند إليها الشريك في الملمات والخطوب، إن إعادة الاعتبار لمفهوم الزواج بوصفه رباطًا إلهيًّا مقدسًا، وقائمًا على المودة والرحمة والمسؤولية الأخلاقية، هي بداية الطريق الصحيح نحو بناء مجتمع مستقر، متماسك، ونقي النفس.

موضوعات ذات صلة

أهلُ الرجل وعشيرته، والجماعةُ التي يربطها أمرٌ مشتركٌ.

وضع الإسلام ضوابط للزواج لتبقى الأسرة متماسكة وموجهة وفقًا لقيم الدين.

يمثل الزواج ميثاقًا غليظًا ونظامًا فطريًّا شرعه الله لحفظ النوع البشري وتحقيق السكينة.

يقوم الزواج في الإسلام على المودة والعدل.

 الأسرة هي الملاذ الأول للإنسان، ومصدر طمأنينته وسكينته.

موضوعات مختارة