Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مراتب المعرفة الروحية في الفكر الجيني

الكاتب

هيئة التحرير

مراتب المعرفة الروحية في الفكر الجيني

ماهية المعرفة عند الجينيين تأتي بوصفها جوهرًا كامنًا محجوبًا بالكارما، وترتبط بمراتب الإدراك الخمس وشروط الرياضة الروحية السبعة الشاقة اللازمة للانعتاق من علائق المادة.

مفهوم المعرفة في العقيدة الجينية

إن الحديث عن المعرفة في النسق العقدي للديانة الجينية لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن السياق اللغوي والاصطلاحي الذي حدده أرباب هذه النحلة؛ فالمعرفة في اللغة: هي الخِلقة التي يكون الإنسان عليها في أول أمره وجبلته الأولى، وقد استفاض الإمام الجوهري في كتابه الصحاح حين قرر أن: الفِطرة بالكسر هي الخِلقة، وقد فطره يفطره فطرًا؛ أي خلقه وأوجده، فالفطر في أصل اللسان هو الابتداء والاختراع الذي يسبق التأثر بالعوارض [انظر: الصحاح للجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ج ٢، ص ٧٨١].

أما إذا انتقلنا إلى ميدان التعريف الاصطلاحي العلمي، فإن المعرفة تُعرف بأنها: إدراك الشيء على ما هو عليه في الحقيقة الواقعة، وهي بهذا الملحظ الدقيق مسبوقة بجهل عارض بخلاف العلم المطلق الذي لا يسبقه جهل [انظر: التعريفات للشريف علي الجرجاني، ص ١٠٣]. والمقصود بـ المعرفة في هذا المنظور الديني الجيني: هي المعرفة الحقيقية الصافية من الشوائب، أو العلم الصحيح اليقيني، الذي جُمعت أصوله في طيات كتب الوصايا التي يطلقون عليها اسم (أجاماس) [انظر: موسوعة الأديان السماوية والوضعية، محمد العربي، ص ١٥٧].

ويقصدون بتلك المعرفة الحقيقية الصافية من الشوائب: معرفة دينهم ومعتقداتهم، وجدير بالذكر أن هذه المعرفة تمثل في الفلسفة الجينية الياقوتة الثانية في الترتيب الثلاثي المقدس بعد الياقوتة الأولى (وهي الاعتقاد الصحيح)، وهي في جوهرها لا تمثل كسبًا خارجيًا فحسب، بل هي تعبير عن مكنون من جواهر النفس البشرية التي طمرتها المادة. والهدف الأقصى لهذا العلم الصحيح هو التمكن من سبر أغوار العالمين: العالم المادي الكثيف والعالم الروحي اللطيف، وهذا الإدراك الكلي هو أمر يفترض ضرورة صفاء الروح تمامًا وقوة البصيرة النافذة، فمتى ما توافرت هذه الشروط تمكن الإنسان من رؤية الكون بصفائه ونقاوته الحقيقية دون حجاب.

هرم المعرفة ومراتب الإدراك الخمس في الديانة الجينية

ولكي نستوعب نظرية المعرفة الجينية على حقيقتها، يجدر بنا التوسع في شرح مراتبها الخمس التي تتدرج صعودًا بحسب درجة طهارة الروح من مادة الكارما:

أولًا: الإدراك الحسي ماتي Mati - : وهي أدنى مراتب المعرفة، وتمثل الإدراك الأولي الذي يتم بواسطة الحواس الخمس الظاهرة أو عبر الكد الذهني المحض عن طريق القياس والاستقراء، ومما يميز هذه المرتبة أنها تشترط حضور المحسوس ذاته أمام العضو الحاس، أي حصول العلم نتيجة مباشرة العالم الحاس للمعلوم المحسوس، ولذلك فهي معرفة محدودة بحدود المادة الملموسة [انظر: تيارات الفلسفة الشرقية، محمد حسن، سوريا، ص ١٦٨].

ثانيًا: المعرفة بالوثائق المقدسة شروتي Sruti-وهي درجة العلم المستقى عبر وسيط، وتتمثل في النصوص والكتب الدينية المقدسة التي دونها الحكماء، ويعرف هذا القسم عندهم بـ العلم غير المباشر نظرًا لتوسط الوثائق بين الذات العارفة والموضوع المعروف، ويعتقد الجينيون أن كتبهم (الأجاماس) قد أحصت كليات الوجود وجزئياته، فهي في نظرهم الشارح الوافي لكل معضلات الحياة.

ثالثًا: الإدراك الوجداني المحدود أوادي  Avadhi-: وهنا ننتقل إلى المعرفة اللطيفة؛ فهي درجة العلم بالوجدان المحدود، حيث يتم فيها إدراك ماهيات الأشياء وصورها بواسطة الروح مباشرة لا بواسطة الحواس الكليلة، فالموجود في هذه المرتبة يمكن أن يُرى روحيًا حتى وإن عجزت العين المجردة عن إبصاره لبعده المكاني أو لطافته الجسمانية، وهذه المرتبة هي كشف وجداني لا يبلغه إلا من شرع في تنقية روحه من أوساخ المادة التي علقت بها جراء الانغماس في الحيوات الحسية.

رابعًا: الإدراك الوجداني المحيط ماناهباريايا  Manahparyaya- : وهي مرتبة العلم بالوجدان المحيط والشامل، وهي تتجاوز المرتبة السابقة بأنها لا تحتاج حتى إلى صورة الشيء المدرك؛ إذ تتجاوز الروح فيها بالكلية الأبعاد المكانية والزمانية التي تؤثر في تشكيل الصور الذهنية، وباستطاعة صاحب هذه الدرجة أن يسبر أغوار الموجودات في العوالم العلوية والسفلية، وهذا يستلزم طهارة روحية شبه كاملة لم تتبقَّ فيها إلا ذرات يسيرة من الكارما.

خامسًا: إدراك الضمائر والعلم المطلق كفالا: Kevala- وهو قمة الهرم المعرفي والغاية النهائية للجيني. ويتمثل في العلم بما تخفي الصدور وما تنطوي عليه الضمائر، إنه علم بما لم يوجد بعد إلا على شكل تصورات ذهنية مجردة، وهذه المعرفة المطلقة لا تُنال إلا بعد التطهير الشامل للروح وهجر سائر علائق الدنيا بالكلية، بما في ذلك الأهل والوطن، والانخراط في رياضات روحية بالغة القسوة والجهد [انظر: موسوعة الأديان السماوية والوضعية، ص ١٦٠-١٦١].

الشروط السبعة لنيل المعرفة في الجينية

إن بلوغ تلك المقامات المعرفة، وخاصة مقام (كفالا)، ليس نزهة فكرية بل هو مخاض روحي شاق، وقد حدد الفكر الجيني سبعة شروط جوهرية لتحقيق هذا التطهير:

١- العهود والمواثيق: الالتزام الصارم بالعهود الغليظة التي تُقطع أمام الرهبان القادة بالتمسك بالاستقامة المطلقة.

٢- التقوى والاحتياط: وهو الحذر الشديد في الأقوال والأفعال، والاحتياط في كل حركة وسكنة لتجنب إيذاء أي كائن حي، وهو ما يعرف بمبدأ (اللاعنف).

٣- السيطرة على الأنفاس: التقليل المتعمد من الحركات البدنية ومن الكلام ومن التفكير الدنيوي، صيانةً للطاقة الروحية من التبدد في توافه المادة.

٤- التحلي بالخصال العشر: وهي أمهات الفضائل الجينية: (العفو، الصدق، الاستقامة، التواضع، النظافة، ضبط النفس، التقشف الظاهري والباطني، الزهد، اعتزال النساء، والإيثار) [انظر: الأديان الوضعية في مصادرها المقدسة، إبراهيم محمد إبراهيم، ص ١٢٩-١٣٠].

٥- التأمل الوجودي: وهو إعمال الفكر العميق في الحقائق الكونية والنفسية للوصول لليقين.

٦- قهر البدن: السيطرة المطلقة على الحاجات البيولوجية (كالجوع، والعطش، والبرد) وبناء حصن نفسي منيع يمنع الروح من التأثر بأوجاع الجسد.

٧- القناعة والطهارة: الوصول لدرجة الرضا التام والطهارة الباطنية التي تجعل الروح مرآة صقيلة تعكس أنوار الحقيقة.

جدلية الكارما والمعرفة في الديانة الجينية

يتبين لنا من هذا الاستقراء التحليلي أن العلاقة بين الكارما والمعرفة هي علاقة تضاد وجودي؛ فـ الكارما بمفهومها المادي الكثيف هي العائق أو الحجاب الذي يمنع تدفق أنوار المعرفة إلى الروح. وبحسب الفلسفة الجينية، فإن المعرفة ليست شيئًا يُكتسب من الخارج أو يُتعلم بالدرس فحسب، بل هي قوة متأصلة وكامنة في جوهر الروح ذاتها منذ الأزل، ولكنها محبوسة تحت ركام مادة الكارما، فمثل الروح في ذلك كمثل المنبع الصافي الذي غطته الصخور والأتربة، فمتى ما قام المرء بإزاحة تلك الأتربة (التي هي الكارما) عبر الرياضة الروحية، انبثق ماء المعرفة تلقائيًا من داخل النفس. فالمعرفة الكاملة هي النتيجة الحتمية لتحطم قيود الكارما، وبمجرد أن يتخلص الجيني من الكارما المدمرة وغير المدمرة، تشرق المعرفة في روحه إشراقًا كاملًا ليصبح إلهًا مستقلًا في معتقدهم.

المنظور الإسلامي لمقام المعرفة في الجينية

إننا حين نعرض هذه التصورات الجينية على ميزان الوحي الإسلامي المعصوم، نجد بونًا شاسعًا في الرؤية والمنطلق:

 أ- مصدر المعرفة: المعرفة في الإسلام مصدرها: الحس، والعقل، والوحي؛ فالمصدر الحسي هذا يولد مع الإنسان ونجده مع الإنسان منذ طفولته؛ لذلك الإسلام لم يكلف الطفل لأن التكيفات مثل الصلاة والصوم وغيرها يشترط فيها كمال العقل وهو يكون عند البلوغ، والمصدر الثاني يأتي بعد ذلك وهو العقل ليضيف جديدا ويصحح ما يوجد في أخطاء عند الحس، ثم المصدر الثالث وهو الوحي المعصوم الخبر المعصوم الذي لا يعتليه الكذب وهو الوحي الإلهي؛ لأنه يعادل في اليقين يقين العقل ويقين الحس؛ فليست المعرف في الإسلام  مجرد إشراق ذاتي ينبع من الروح بالرياضة البدنية المهلكة، قال تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} [النساء: ١١٣] 

 ب- الوسطية والرفق: الإسلام يرفض بشدة تعذيب الجسد وقهر النفس بالحرمان المطلق من الطعام أو اعتزال الناس اعتزالًا كليًا؛ فالنبي ﷺ يقول: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» [صحيح البخاري:١٩٧٥]، والرهبانية في الإسلام هي الجهاد وطلب العلم النافع والقيام بمصالح العباد، لا في الانزواء المهلك.

 ج- مقام العبودية: المعرفة المطلقة وما في الضمائر (التي تسميها الجينية كفالا) هي صفة استأثر الله بها وحده، وادعاء الإنسان القدرة على بلوغها هو نوع من الطغيان الفكري الذي يخرج العبد من مقام العبودية إلى مقام الادعاء الإلهي، قال تعالى: {عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا} [الجن: ٢٦-٢٧] 

 د- فطرية التوحيد: بينما تسعى المعرفة الجينية لتحويل الإنسان إلى إله عبر إفناء العمل، تسعى المعرفة الإسلامية لترسيخ عبودية الإنسان لخالقه؛ فكلما ازداد العبد علمًا بالله، ازداد تذللًا وخضوعًا وانكسارًا بين يديه، لا استغناءً وتألهًا.

الخلاصة

 إن البحث في فلسفة المعرفة الجينية يكشف عن عمق المأزق الذي تقع فيه العقول حين تنفصل عن هدي السماء؛ فبينما يسعى الجيني للتحرر من مادة الكارما للوصول لليقين، يجد نفسه مكبلًا برياضات مهلكة وتصورات مادية قاصرة، وتظل الحقيقة الكبرى هي أن المعرفة الحقة هي التي توازن بين الروح والبدن، وبين العلم والعمل، وتحفظ للإنسان بشريته وللخالق ألوهيته، وهي الغاية التي لم تتحقق بتمامها وصفائها إلا في ظلال العقيدة الإسلامية الغراء التي أخرجت الناس من عبادة العباد والأنفس إلى عبادة رب العباد.

موضوعات ذات صلة

إدراك الشيء بعد جهل به، ولهذا يُوصف الله بالعالم وليس بالعارف. أما عند الصوفية، فالمعرفة علمٌ مقترنٌ بالعمل والحال.

تبرز الديانة الجينية كأنموذج فريد لتحولات الفكر البشري ومكابداته بين ذروة التجريد الفلسفي وبين الوقوع في حبال الوثنية المحدثة.

تبين عقيدة قهر العواطف في الديانة الجينية وفلسفة الجمود الوجداني التي تنشدها.

موضوعات مختارة