Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الطاوية والكونفوشيوسية والفلسفة المشتركة في تشكيل العقل الصيني

الكاتب

هيئة التحرير

الطاوية والكونفوشيوسية والفلسفة المشتركة في تشكيل العقل الصيني

تشكل الطاوية والكونفوشيوسية الثنائية التأسيسية للفكر الصيني القديم، فبينما تتشاركان في أصول فلسفية واحدة (الين يانغ، الطاو)، تتباينان جذريًا في المنهج والغاية؛ فالأولى تدعو إلى الانسجام السلبي مع الكون، والثانية إلى الإصلاح النشط للمجتمع.

الطاوية والكونفوشيوسية الثنائية التأسيسية للفكر الصيني

تتشكل الخريطة الروحية والفكرية للصين القديمة حول محورين رئيسيين لا منافس لهما: الطاوية (Daoism) والكونفوشيوسية (Confucianism) ؛ لم يكن هذان المذهبان - الطاوية والكونفوشيوسية- مجرد ديانتين متجاورتين، بل كانا قطبي الحياة الروحية في الصين [انظر: عبد الحي، عمر: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، (ص ١٥٤)]، فبينما يمثل كونفوشيوس الجانب الكلاسيكي التقليدي المنشغل بالإنسان والمجتمع والمسؤولية، يمثل لاوتزو الجانب الرومانسي المتجه نحو الطبيعة والتلقائية والتحرر من القيود الاجتماعية، هذه الثنائية لم تكن صراعًا وجوديًا بقدر ما كانت تكاملًا وظيفيًا، حيث وجد الصيني نفسه بين مطرقة النظام الكونفوشيوسي وسندان التحرر الطاوي، واللافت أن كليهما يعتمدان اعتمادًا كبيرًا على أصلين كبيرين يُشكلان لب الفلسفة الصينية منذ نشأتها [انظر: عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، (ص ٦٢)]؛ مما يجعل الافتراق لاحقًا أكثر إثارة للفكر.

الأصل المشترك بين الطاوية والكونفوشيوسية

ينبع الاثنان من منبعين فلسفيين:

  • فلسفة (الين - يانغ): وهي إحدى الفلسفات الرئيسة في الفكر الصيني، ويقوم عليها تفسير الصينيين لنظريتهم في الخلق، حيث تقوم على وحدة التصور للكون، وأن الكون كله يرجع إلى أصل واحد هو (الين يانغ)؛ فمنه تنشأ كل الموجودات في الكون [انظر: عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، (ص ٦٢)]، هذه الثنائية التكاملية هي القاعدة الكونية التي يبني عليها كل من لاوتزو وكونفوشيوس رؤيتهما، وإن اختلفت تطبيقاتها.
  • فلسفة (الطاو): فكل من الديانة الطاوية والديانة الكونفوشيوسية تعتقد بمفهوم (الطاو) [انظر: عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، (ص ٧٦)]، لكن الفارق هنا يبدأ في الظهور، فلاوتزو يرى في الطاو الثوابت الكونية التي يجب على الإنسان التعايش معها والتوحد بها لبلوغ الحكمة والرضا النفسي، وجعل تجاهلها سببًا للكوارث، بينما يركز كونفوشيوس على علاقة الطاو بالمجتمع، فيجعل الطاو يكمن في اتباع طريق الأخلاق الصحيحة، التي تشكل مبدأ الإنسانية [انظر: عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، (ص ٦١ - ٧٦)]، وهكذا، يبقى الطاو هو المفهوم المركزي، ولكن الأول يرى فيه قانونًا كونيًا، والثاني يرى فيه ناموسًا أخلاقيًا.

الافتراق المركزي بين الطاوية والكونفوشيوسية

هنا يكمن خط التماس الفاصل:

الطاوية تجعل الكون مركز فكرها، وتسعى لتحقيق الاتحاد بالكون والانسجام معه [انظر: عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، (ص ١٥٤)]، فاهتمامها بالطبيعة هو غاية في ذاته، وعلى النقيض، أظهرت الكونفوشيوسية اهتمامها الأساسي بالإنسان وجعلته مركز اهتمام ديانتها [انظر: عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، (ص ١٥٤)]، هذا الاختلاف في المركزية يترجم مباشرة إلى اختلاف في الهدف: الطاوية تسعى للتحرر الروحي والفردي، بينما تسعى الكونفوشيوسية للإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، ولهذا كان ميل الكونفوشيوسية إلى الجانب العملي بينما ميل الطاوية إلى الجانب الروحي [انظر: عبد الحي: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، (ص ١٥٤)].

أوجه تشابه الطاوية والكونفوشيوسية

رغم هذا الافتراق الجذري، يجمع المذهبان على قواسم مشتركة:

١- الدعوة إلى الأخلاق الإنسانية: يشترك (لاوتزي) و(كونفوشيوس) في اهتمامهم بالفلسفة العملية والأخلاق، وقد أخذا من منبع واحد [انظر: غلاب: الفلسفة الشرقية، (ص ٢٣٧)]، لكن الوسيلة اختلفت: فبينما يرى لاوتزي أن الكمال يحصل بالتنسك واحتقار الدنيا وإهمال المادة، يراه كونفوشيوس عن طريق سنِّ القوانين والتشريعات [انظر: غلاب: الفلسفة الشرقية، (ص ٢٣٧)].

٢- احتقار الدنيا وتقديس الإنسان: كلا المذهبين يدعو إلى نوع من الزهد أو التحرر من التعلقات الدنيوية، لكن مع اختلاف الغاية، والكونفوشيوسية ركزت على تقديس الإنسان من خلال ترسيخ مفاهيم مثل (رن) النزعة الخيرية و (لي) الطقوس والمراسم، معتقدة أن جوهر النزعة الخيرية يتجسد في المخلوقات البشرية وليس في الآلهة [انظر: سعفان: معتقدات آسيوية، (ص ٢٧٣)].

أوجه اختلاف الطاوية والكونفوشيوسية

هنا يتسع الخلاف إلى حد التناقض:

  • الموقف من العقل: يرفض (لاوتزي) التفكير الفلسفي العقلاني ويعتمد على العرفان والتصوف، ويسخر من حكومة الفلاسفة؛ لأنهم يقحمون النظريات في كل نظام طبيعي ويريدون إقامة المجتمع على قواعد هندسية [انظر: سعفان، كامل: معتقدات آسيوية، (ص ٢٦٣ - ٢٦٤)]، بينما تقوم الكونفوشيوسية على العقل والمنطق والدراسة والتحصيل [انظر: كيلاني: ذيل الملل والنحل، (ص ٢٨)].
  • الموقف من القانون والحكم: يرفض لاوتزي فكرة الحكم بالنظم والقوانين أساسًا، ويرى أن الإصلاح يكون بترك القوانين والأنظمة، بل إن الإمبراطور يجب أن يمتنع عن كل الأعمال الحكومية، ويتفرغ للتأمل [انظر: حسن: تاريخ الأديان دراسة وصفية مقارنة، (ص ١٢٩)]، وهذا يقابله تمامًا فكرة كونفوشيوس التي تقوم على محاولة وضع نظام قانوني أخلاقي للمجتمع حُكّامًا ومحكومين [انظر: سعفان: معتقدات آسيوية، (ص ٢٧٣)].

موقف الإسلام من الطاوية والكونفوشيوسية

يقدم الإسلام رؤية نقدية تستوعب نقائص كلا المنظورين وتصححهما من أساسهما:

أولًا: التوحيد ضد الثنائية المشتركة: يرفض الإسلام الفلسفة المشتركة للأصلين (الين يانغ، والطاو)؛ لأنها تنطلق من ثنائية أزلية (ين/يانغ) أو مبدأ مجرد (طاو) بديلًا عن الإله الواحد الخالق المدبر، الله تعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي خلق الأضداد (الليل والنهار، الذكر والأنثى) لحكمة، وليس كقوتين أزليتين متصارعتين أو متكاملتين؛ فالتوحيد الإسلامي يقطع كل أشكال الثنائية والواحدية الطبيعية.

ثانيًا: التكامل الإلهي ضد المركزية الضيقة: الإسلام لا يضطر لاختيار بين مركزية الكون أو مركزية الإنسان؛ لأنه يقدم مركزية الله تعالى، الذي خلق الكون وسخره للإنسان، وخلق الإنسان لعمارة الأرض وعبادته، فالاهتمام بالكون (آيات الله في الآفاق) والاهتمام بالإنسان (آيات الله في الأنفس) أمران متلازمان في المنظور الإسلامي، وكلاهما يؤدي إلى الإيمان بالخالق، قال تعالى: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} [فصلت: ٥٣] 

ثالثًا: الشريعة ضد السلبية والوضعية: يرفض الإسلام سلبية الطاوية (الوو وي) التي تدعو لترك العمل وترك القوانين، كما يرفض وضعية الكونفوشيوسية التي تقنن الأخلاق والقوانين بناءً على العقل البشري المحض، الإسلام يأمر بالعمل: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٌ} [هود: ٦١]، ويأتي بشريعة كاملة منزلّة من الله تنظّم حياة الإنسان والمجتمع، وهي شريعة تحقق العدل وتصون الحقوق وتوازن بين مطالب الروح والجسد، والفرد والجماعة.

رابعًا: العقل في خدمة النقل: الإسلام يكرم العقل ويحث على استخدامه في التدبر والنظر، ولكنه يضعه في إطاره الصحيح: خادمًا للوحي، لا حاكمًا عليه، فالعقل يدرك الحاجة إلى النبوة، ويفهم النصوص، ويستنبط الأحكام، ولكنه لا يشرع من تلقاء نفسه، هذا الموقف الوسط يرفض احتقار الطاوية للعقل، ويصحّح إفراط الكونفوشيوسية في الاعتماد عليه وحده في مجال التشريع والقيم المطلقة.

الخلاصة

تكشف المقارنة بين الطاوية والكونفوشيوسية عن نموذج فريد للتفاعل الفلسفي داخل حضارة واحدة: فمن أصل مشترك (الين يانغ والطاو) ينشأ تياران متعاصران، أحدهما يتجه إلى الداخل والكون (الطاوية) والآخر إلى الخارج والمجتمع (الكونفوشيوسية)، هذا التكامل الظاهري أو التوازن في الشخصية الصينية كان حلًا بشريًا لإشكالية العلاقة بين الفرد والكون والمجتمع، ولكن من منظور الإسلام، يبقى كلا الحلّين ناقصًا وقاصرًا، لأنهما ينطلقان من أساس عقدي فاسد (الثنائية الأزلية أو الواحدية الطبيعية)، ويقدمان إجابات جزئية (إما سلبية روحية أو عملية وضعية).

 الإسلام، بتوحيده الخالص وتكامل تشريعه، يقدم الإجابة الشاملة التي تسمو على هذا الثنائي، فتجعل من عبادة الله وعمارة أرضه غاية الإنسان، ومن هدى الوحي دستوره، فيتحقق الانسجام الحقيقي مع الكون من خلال التسخير لا الذوبان، ومع المجتمع من خلال الشريعة لا العقل المجرد.

موضوعات ذات صلة

تمثل الطاوية إحدى أعرق الفلسفات والديانات الوضعية في التاريخ الصيني، التي تشكلت عبر مراحل زمنية مطولة.

تحتل الطاقة الكونية (تشي) مكانة مركزية في الشرائع الطاوية، فهي الـواحد المتولد عن الطاو، وأصل كل مظاهر الحياة.

هي فلسفة نشأت في الصين على يد كونفوشيوس، وتركز على الأخلاق والفضيلة في التعامل بين الناس.

موضوعات مختارة