التداولية لغة: مصدر من تداول تداولًا، يقال: دال
يدول دولًا: انتقل من حال إلى حال، و أدال الشيء: جعله متداولًا، وتداولت الأيدي
الشيء: أخذته هذه مرة، وتلك مرة [لسان العرب لابن منظور- دول: ٣٢٧].
فقولنا
مثلًا: " تداول الناس الخبر بينهم"، أي: تحادثوا فيه بعضهم مع بعضهم
الآخر في سياق معين، وصولًا إلى مستصفى الفائدة منه.
كما اشتُّقت كلمة براجماتيَّة
من الكلمة اليونانية براجما، أو براغما pragma ومعناها: فعل، ونشاط، وعمل ... وهي ترى أن
المنفعة العملية للمعارف مصدر لها، ومعيار رئيس لصحتها [المعجم الفلسفي لجميل
صليبا: ١/٢٠٣ - دار الكتاب اللبناني، و انظر أيضًا: البراجماتيَّة الأمريكية
المعاصرة وأصولها اليونانية لهاني محمد رشاد بخيت: ١٠ - المكتبة المصرية].
التداولية اصطلاحًا:
إن
وضع أي حد، و تعريف أي جزء، لا يستمد إلا من خلال استخدام هذا المعرف في مجاله،
وملاحظة عناصره، وأجزائه، ولما كانت هناك عدة توجهات للتداولية، لم يتفق بعد على
صيغة موحدة جامعة مانعة لتعريف التداولية.
فالتداولية درس جديد وغزير، إلا أنه لا
يمتلك حدودًا واضحة، فقد كانت التداولية في بداياتها تستلهم وجودها من خلال ما
يحيط بها من علوم نفسية، واجتماعية، وفلسفية، وتاريخية، وثقافية، ودينية؛ لذلك
نلحظ أن التداولية في بداياتها لم تكن ذات طبيعة تخصصية، وبعد ظهورها على الساحة
العلمية سعت لإثبات ذاتها، بأن أصبح لها طابع مستقل، وكيان منفصل عن العلوم
الأخرى، يعرف باسم التداولية، والتي بدورها تربط دارس التراكيب النصية، بما يحيط
بها من ملابسات سياقية.
وعليه
فإن الحديث عن التداولية، وعن شبكتها المفاهيمية يقتضي الإشارة إلى العلاقات
القائمة بينها وبين الحقول المختلفة: علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الدلالة الخ...
فعلم الاجتماع: يشارك التداولية من خلال دراسة أثر العلاقات الاجتماعية بين
المشاركين في الحديث، والموضوع الذي يدور حوله الكلام، ومرتبة كل من المتكلم،
والسامع، وجنسه، وأثر السياق غير اللغوي في اختيار السمات اللغوية، وتنوعاتها.
وعلم النفس: يشارك التداولية في الاهتمام بقدرات المشاركين، التي لها أثر كبير
في أدائهم، مثل الانتباه، والذاكرة، والشخصية.
وعلم الدلالة: يشارك التداولية في دراسة المعنى، على خلاف في العناية ببعض
مستوياته [ينظر آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر – د. محمود أحمد نحلة: ١٠- ١١ –
دار المعرفة الجامعية].
ومن هذا يتضح أن التداولية تشير
بانتمائها إلى حقول مفاهيمية تضم مستويات متداخلة، كالبنية اللغوية، وقواعد
التخاطب، والاستدلالات التداولية، والعمليات الذهنية المتحكمة
في الإنتاج، والفهم اللغوي، وعلاقة البنية اللغوية بظروف الاستعمال.
وفي أثناء البحث عن مفهوم موحد
للتداولية، نجد أن هناك العديد من تلك المفاهيم التي تختلف باختلاف المعرف لها،
وباختلاف الوجوه العملية التي يمارس بها البراجماتيون أفكارهم في الواقع
الحياتي.
وهذا
التعدد في التعريفات يشير بمدى تطبيق المنهج البراجماتي في شتى مجالات
العلوم والمعارف؛ لذلك نجد لها أصداءً في الأدب والفلسفة، والاجتماع، والدين،
والسياسة... وكل ميدان يطبقها يفسرها من منطلق تجربته الخاصة.
وفي خضم هذا التنوع المعرفي، وتعدد
زوايا النظر حول تأطير هذا المفهوم، يبرز تعريف "موريس" كأول حجر
أساس تاريخي وُضع لتحديد هوية هذا العلم، فكان أقدم تعريف للتداولية، هو تعريف موريس
سنة (١٩٣٨م) حين قال: إن التداولية جزء من السيميائية التي تعالج
العلاقة بين العلامات، ومستعملي هذه العلامات [المقاربة التداولية لفرانسواز
آرمينكو - ت: سعيد علوش: ٨].
وقد عرفت التداولية - أيضًا - على
أنها مذهب لساني، يدرس علاقة النشاط اللغوي بمستعمليه، وطرق صياغة العلامات
اللغوية بنجاح، والسياقات والطبقات المقامية المختلفة التي يُنجز ضمنها "الخطاب"،
والبحث عن العوامل التي تجعل من "الخطاب" رسالة تواصلية واضحة، وناجحة،
والبحث في أسباب الفشل في التواصل باللغات الطبيعية.. [التداولية عند العلماء
العرب - د. مسعود صحراوي: ٥ - دار الطليعة
للطباعة والنشر].
ومن أهم الملاحظ التي تشد انتباه
الدارس حين يراجع التعريفات المتفاوتة للتداولية، يجد أنها تمتاز بعنصر أساسي،
فرغم ذلك الاختلاف في المفاهيم، إلا أن تلك الوجوه المختلفة لتعريف التداولية
اللغوية، تتفق من حيث اعتمادها على فكرة رئيسة، ألا وهي فكرة استعمال اللغة في
السياق.