Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مفهوم التداولية اللغوية وكيف تصنع المعنى من سياق الكلام؟

الكاتب

هيئة التحرير

مفهوم التداولية اللغوية وكيف تصنع المعنى من سياق الكلام؟

لماذا لا تبوح الكلمات بكل أسرارها بمجرد النطق بها؟

لأن اللغة في جوهرها ليست مجرد أصوات ساكنة، بل هي فعل حي يتشكل سياقه وفقًا لمقاصد قائليها، خلف كل تركيب لغوي غاية خفية؛ وهنا تنطلق "التداولية اللغوية" لتسبر أغوار الخطاب، محولةً الكلمات إلى أدوات فاعلة تكتسب معناها الحقيقي من خلال التفاعل بين نية المتكلم، ظروف المقام، وقدرة المخاطب على التأويل.

مدخل إلى النظرية التداولية وكيف نفهم غاية المتكلم؟

هل تساءلت يومًا كيف نفهم المقاصد الخفية للبشر خلف كلماتهم العادية؟

ففي عالم "التداولية اللغوية"، لا يقتصر المعنى على نطق الحروف، بل يتشكل في رحلة أثيرة تتشابك فيها نية المتكلم، وحال السامع، وسياق المقام، لتتحول اللغة من مجرد أصوات إلى أداةٍ فاعلة تُنجز الأفعال وتصنع التأثير.

في تعريف ابن جني اللغة يقول: وحَدُّها أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم [الخصائص لابن جني: ١/٤٤].

فإن كانت اللغة وسيلة للتعبير عن الغايات والمقاصد التي يرمي إليها المرسل في خطابه، فكيف يعبر المرسل عما يريد بغير ما توحي به الكلمات من معان؟ وكيف يفهم المخاطب غاية المرسل؟

إن الموضوع الذي تتناوله التداولية هو الطريقة التي تؤول بها التراكيب اللغوية في المقامات المختلفة، والتي تستعمل فيها للتعبير عن غايات محددة، فالمرسل، والمخاطب، والمقام، وظروف المقال، وكل ما يقوم بين هذه العناصر من تفاعل، له دور كبير في تحديد المعنى الذي يعد غاية التواصل.

فإن كانت مناهج البحث اللغوي على تعددها تسعى إلى إثبات المعنى وتأكيده مع اختلاف في المنهج والطريقة، فإن التداولية أقرب الطرق العملية، وأكثرها دقة في كشف المعنى وتوضيحه، وذلك لاعتمادها على أسس عملية في التحليل اللغوي، فالمرسل، والمخاطب، والمقام، وظروف المقال، وعدد المشاركين في الحدث اللغوي، والزمان والمكان عناصر هامة في تحديد القوة الإنجازية للتركيب اللغوي.

وفي تاريخ التداولية نجد أنه يعود لثقافات متعددة؛ فقد استخدم مصطلح البراغماتيَّة لدى فلاسفة اليونان، واشتقت من الكلمة اليونانيَّة براغما، أو براجما Pragma، [المعجم الفلسفي لجميل صليبا - دار الكتاب اللبناني: ج ١، ٢٠٣، انظر أيضًا البرجماتيَّة الأمريكية المعاصرة وأصولها اليونانية لهاني محمد رشاد بخيت - المكتبة المصرية: ١٥].

 

رواد التداولية والبراجماتيَّة وتأثيرهم في التحليل اللغوي

إن مصطلح التداولية قد ظهر استخدامه في ثقافات متعددة، فنجد لدى العديد من فلاسفة اليونان من أمثال أفلاطون، وأرسطو، وأوغسطين، ودانز سكوت، وكوبرنيكوس، وجاليليو، وكانط [مقدمة في الفلسفة المعاصرة: ٤٧، وانظر أيضًا - نقد المذاهب المعاصرة - لإبراهيم مصطفى إبراهيم - دار الوفاء للطباعة والنشر:١/٧٧] الذين تصوروا البراجمانية بصورة نشاط أو فعل أو عمل يعتمد على التجربة والممارسة العملية للوصول إلى النتائج؛ أما الفكر البراجماتي المعاصر فقد ارتبط اسمه بالفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس، فقد كان الواضع الأول لكلمة براجماتية، وأول من أعلن البراجماتيَّة منهجًا فلسفيًّا، وجاء جيمس فأخذه عنه، وجاء من ورائه جون ديوي، وأدلى برأيه في الحركة البراجماتيَّة [نوابغ الفكر الغربي "وليم جيمس" محمود زيدان دار المعارف: ٣٧- ٣٨ - انظر أيضًا: مقدمة في الفلسفة المعاصرة: ١٩١].

ولكي يتمكن بيرس من تقديم فهم جيد للأفكار، ربطها بيرس بآثارها الحسية؛ ففكرتنا عن أي شيء هي فكرتنا عن تأثيراته الحسية؛ فإن لم يكن لهذه الأفكار من تأثيرات حسية فلا معنى لها، وهذه هي طريقة بيرس في تحديد معاني الأفكار والألفاظ، وعلى ذلك يمكن القول بأن بيرس ربط بين الدال والمدلول بما يمكن الوصول إليها بطريقة تجريبية، من خلال تتبع الأعمال، والأفكار الحسية في الواقع العملي؛ فالدال لدى بيرس يتكون نتيجة اتحاد مجموعة من العناصر الصوتية، بعضها مع بعض بشكل ما، غير أن مدلولها العرفي يحدده المؤول من خلال ما يحيط به من آثار حسية [المنطق البراجماتي عند تشارلز بيرس مؤسس البراجماتية - لخليل حامد: ١٩٦ - دار الينابيع للنشر - انظر أيضًا مقدمة في الفلسفة المعاصرة: ٤٩].

وهو بذلك ينفي أن تفسر الأفكار والألفاظ من خلال وضع مترادفات مقابل كل لفظة، بناء على ترجمتها إلى ألفاظ أخرى، أو من خلال دلالتها المباشرة في الواقع المتعارف عليه؛ فقد يلجأ المرسل إلى الخروج عن الدلالة المحددة للفكرة، أو للعلامة اللغوية، وقد شارك وليم جيمس بيرس في قاعدته الفلسفية لتفسير المعاني والأفكار، حين جعل الآثار العملية المترتبة على فكرة ما طريقًا لتفسيرها، فلكي نتوصل إلى وضوح كامل دقيق لأفكارنا عن شيء ما، أو عن موضوع ما، فإننا لا نحتاج إلا أن تدخل في اعتبارنا جميع الآثار الحسية المترتبة عمليًّا على هذه الفكرة [اتجاهات في الفلسفة المعاصرة، وكالة المطبوعات: ٩٠ لإسلام عزمي].

لكن جيمس لم يكتف بذلك، فقد خالف بيرس في اقتصار الفلسفة البراجماتيَّة على التجربة العملية، وجمع بين ما هو عقلي، وما هو تجريبي، ليحتفظ بالدين كالعقليين، و يحتفظ بالإخلاص العميق للوقائع كالتجريبيين [وليم جيمس: ٤٥- لمحمود زيدان نقلا عن W. James pragmatism p. ٢٠] وبذلك يأخذ جيمس موقف الوسط بين التجريبيين، والعقليين بما يحقق له المنفعة أو الغاية في تلبية حاجاته، وإشباع رغباته [النفعية pragmatism: مذهب يتخذ القيمة العملية التطبيقية قياسًا للحقيقة، معتبرًا أن الحقيقة المطلقة غير موجودة، وأنه لا شيء حقيقي إلا كل ما ينجح. وينظر: التداولية اليوم: ٢٨ - لروبول آن و موشلار جاك - ترجمة سيف الدين دغفوش، ومحمد الشيباني].

أما جون ديوي فقد اقترن اسمه بمذهب الذرائعية [الذرائعية أو الوصلية : Instrumentialism نظرية تهتم بالفائدة العملية لفكرة كمعيار لصدقها؛ وهي تلح على المكون العملي، أو الفاعل للإنسان بقصد بلوغ المعرفة، والمعرفة أداة عمل، والعمل بدوره يصبح غاية المعرفة، وينظر: المدارس اللسانية المعاصرة: ١٦٥ - لنعمان بوقرة - مكتبة الآداب – وانظر - أيضًا: حياة الفكر في العالم الجديد: ١٩٤ - لزكي نجيب محمود - مكتبة الأنجلو المصرية]، أو المذهب الوسيلي، أو الأدائية [الأداتية: محاولة لوضع نظرية منطقية دقيقة عن التصورات والأحكام، والاستدلالات في شتى صورها، بالنظر قبل كل شيء إلى التفكير، كيف يعمل في تحديد النتائج المستقبلة تحديدًا تجريبيًّا ، ينظر: جون ديوي: ٩٣- لأحمد فؤاد الأهواني - دار المعارف]، فقد حاول جون ديوي أن يشير إلى اتجاه براجماتي خاص به، يتميز به عن بيرس.

كما سُميت فلسفة ديوي باسم فلسفة الذرائع، أو فلسفة الوسائل، أو Instrumentialist؛ ذلك لأن كل فكرة هي بمثابة ذريعة، أو وسيلة، أو أداة لبلوغ هدف منشود، وكل ما يؤدي إلى هذا الهدف فهو حق [ينظر: مقدمة في الفلسفة المعاصرة: ٦٨، وانظر أيضًا : البراجماتيَّة لوليم جيمس: ٥٠ -  ترجمة محمد علي العريان - دار النهضة: ٨٠].

ما العلاقة بين التداولية والعلوم الأخرى؟

التداولية لغة: مصدر من تداول تداولًا، يقال: دال يدول دولًا: انتقل من حال إلى حال، و أدال الشيء: جعله متداولًا، وتداولت الأيدي الشيء: أخذته هذه مرة، وتلك مرة [لسان العرب لابن منظور- دول: ٣٢٧].

فقولنا مثلًا: " تداول الناس الخبر بينهم"، أي: تحادثوا فيه بعضهم مع بعضهم الآخر في سياق معين، وصولًا إلى مستصفى الفائدة منه.

كما اشتُّقت كلمة براجماتيَّة من الكلمة اليونانية براجما، أو براغما pragma ومعناها: فعل، ونشاط، وعمل ... وهي ترى أن المنفعة العملية للمعارف مصدر لها، ومعيار رئيس لصحتها [المعجم الفلسفي لجميل صليبا: ١/٢٠٣ - دار الكتاب اللبناني، و انظر أيضًا: البراجماتيَّة الأمريكية المعاصرة وأصولها اليونانية لهاني محمد رشاد بخيت: ١٠ - المكتبة المصرية].

التداولية اصطلاحًا:

إن وضع أي حد، و تعريف أي جزء، لا يستمد إلا من خلال استخدام هذا المعرف في مجاله، وملاحظة عناصره، وأجزائه، ولما كانت هناك عدة توجهات للتداولية، لم يتفق بعد على صيغة موحدة جامعة مانعة لتعريف التداولية.

فالتداولية درس جديد وغزير، إلا أنه لا يمتلك حدودًا واضحة، فقد كانت التداولية في بداياتها تستلهم وجودها من خلال ما يحيط بها من علوم نفسية، واجتماعية، وفلسفية، وتاريخية، وثقافية، ودينية؛ لذلك نلحظ أن التداولية في بداياتها لم تكن ذات طبيعة تخصصية، وبعد ظهورها على الساحة العلمية سعت لإثبات ذاتها، بأن أصبح لها طابع مستقل، وكيان منفصل عن العلوم الأخرى، يعرف باسم التداولية، والتي بدورها تربط دارس التراكيب النصية، بما يحيط بها من ملابسات سياقية.

وعليه فإن الحديث عن التداولية، وعن شبكتها المفاهيمية يقتضي الإشارة إلى العلاقات القائمة بينها وبين الحقول المختلفة: علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الدلالة الخ...

فعلم الاجتماع: يشارك التداولية من خلال دراسة أثر العلاقات الاجتماعية بين المشاركين في الحديث، والموضوع الذي يدور حوله الكلام، ومرتبة كل من المتكلم، والسامع، وجنسه، وأثر السياق غير اللغوي في اختيار السمات اللغوية، وتنوعاتها.

وعلم النفس: يشارك التداولية في الاهتمام بقدرات المشاركين، التي لها أثر كبير في أدائهم، مثل الانتباه، والذاكرة، والشخصية.

وعلم الدلالة: يشارك التداولية في دراسة المعنى، على خلاف في العناية ببعض مستوياته [ينظر آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر – د. محمود أحمد نحلة: ١٠- ١١ – دار المعرفة الجامعية].

ومن هذا يتضح أن التداولية تشير بانتمائها إلى حقول مفاهيمية تضم مستويات متداخلة، كالبنية اللغوية، وقواعد التخاطب، والاستدلالات التداولية، والعمليات الذهنية المتحكمة في الإنتاج، والفهم اللغوي، وعلاقة البنية اللغوية بظروف الاستعمال.

وفي أثناء البحث عن مفهوم موحد للتداولية، نجد أن هناك العديد من تلك المفاهيم التي تختلف باختلاف المعرف لها، وباختلاف الوجوه العملية التي يمارس بها البراجماتيون أفكارهم في الواقع الحياتي.

وهذا التعدد في التعريفات يشير بمدى تطبيق المنهج البراجماتي في شتى مجالات العلوم والمعارف؛ لذلك نجد لها أصداءً في الأدب والفلسفة، والاجتماع، والدين، والسياسة... وكل ميدان يطبقها يفسرها من منطلق تجربته الخاصة.

وفي خضم هذا التنوع المعرفي، وتعدد زوايا النظر حول تأطير هذا المفهوم، يبرز تعريف "موريس" كأول حجر أساس تاريخي وُضع لتحديد هوية هذا العلم، فكان أقدم تعريف للتداولية، هو تعريف موريس سنة (١٩٣٨م) حين قال: إن التداولية جزء من السيميائية التي تعالج العلاقة بين العلامات، ومستعملي هذه العلامات [المقاربة التداولية لفرانسواز آرمينكو -  ت: سعيد علوش: ٨].

وقد عرفت التداولية - أيضًا - على أنها مذهب لساني، يدرس علاقة النشاط اللغوي بمستعمليه، وطرق صياغة العلامات اللغوية بنجاح، والسياقات والطبقات المقامية المختلفة التي يُنجز ضمنها "الخطاب"، والبحث عن العوامل التي تجعل من "الخطاب" رسالة تواصلية واضحة، وناجحة، والبحث في أسباب الفشل في التواصل باللغات الطبيعية.. [التداولية عند العلماء العرب - د. مسعود صحراوي: ٥ -  دار الطليعة للطباعة والنشر].

ومن أهم الملاحظ التي تشد انتباه الدارس حين يراجع التعريفات المتفاوتة للتداولية، يجد أنها تمتاز بعنصر أساسي، فرغم ذلك الاختلاف في المفاهيم، إلا أن تلك الوجوه المختلفة لتعريف التداولية اللغوية، تتفق من حيث اعتمادها على فكرة رئيسة، ألا وهي فكرة استعمال اللغة في السياق.

الخلاصة

التداولية ليست بحثًا تجريديًّا في قواميس اللغة، بل هي امتداد حي للفلسفة "البراجماتيَّة" التي تربط المعنى بأثره الواقعي والتجريبي، إنها العلم الذي يدرس حياة اللغة في ميدان الاستعمال والتفاعل؛ حيث تندمج نية المتكلم، بظروف المقام، وقدرات المخاطب؛ لإنتاج خطاب تضحي فيه الكلمات أفعالًا تُنجز، ورسائل تواصلية تبلغ غايتها.

موضوعات ذات صلة

اللغة: نظام إنساني، منحة إلهية، وذاكرة حضارية.

العربية: لسان القرآن وذاكرة التراث والحضارة.

جذور العربية: مفتاح التدبر وفهم الإعجاز اللغوي.

موضوعات مختارة