وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
وعن سنبلقيوس أيضًا أخذ الفارابي بعض ما أورده في كتابه "الجمع بين رأيي الحكيمين" الذي حاول فيه التوفيق بين أفلاطون وأرسطو.
وفي هذا الكتاب يبدأ فيقرر منزلة هذين الحكيمين واتفاق الآراء على الإشادة بهما، قال : ونحن نجد الألسنة المختلفة متفقة في تقديم هذين الحكيمين، وإليهما يساق الاعتبار، وعندهما ينتهي الوصف بالحكم العميقة، والعلوم اللطيفة، والاستنباطات والغوص في المعاني الدقيقة المؤدية في كل شيء إلى الحقيقة، ثم أشار إلى ما ذهب إليه الناس من اختلاف آرائهما في بعض الأمور فقال : زعم بعضهم أن بين الحكيمين اختلافًا في إثبات المبدع الأول، وفي وجود الأسباب عنه، وفي أمر النفس والتعقل، وفي المجازاة على الأفعال : خيرها وشرها، وفي كثير من الأمور المدنية ( السياسية والخلقية، والمنطقية)، ولهذا رأى أن يوفق - أو على حد تعبيره : يجمع - بين رأييهما، قال : أردت في مقالتي هذه أن أشرع في الجمع بين رأييهما، والإبانة عما يدل عليه فحوى قوليهما، وليظهر الاتفاق بين ما كانا يعتقدانه، ويزول الشك والارتياب عن قلوب الناظرين في كتبهما، وأبين مواضع الظنون ومداخل الشكوك في مقالاتهما.
ثم يقدم تعريفًا للفلسفة يكون أساسًا في الفصل في هذه الأمور فيقول إن الفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة، والمذهب يكون صحيحًا إذا انطبق على الموجود.
لكن هذين الحكيمين - أفلاطون وأرسطو - اختلفا في بعض أمور الفلسفة، ولا بد أن يكون هذا الاختلاف راجعًا إلى واحد من الأسباب الثلاثة التالية:
أ - فأما أن الحد المبين عن حقيقة الفلسفة غير صحيح.
ب - وإما أن يكون رأي الجميع أو الأكثرين واعتقادهم في تفلسف هذين الرجلين فاسدًا وبغير أساس.
ج - وإما أن معرفة أولئك الظانين بأن بينهما خلافًا هي معرفة مقصرة، [الفلسفة والفلاسفة في الحياة العربية، عبد الرحمن بدوي، دار المعارف سوسة تونس، ص٢٠٧].
١- أول نقط الخلاف هي في السلوك في الحياة، فإن أفلاطون قد تخلى عن كثير من الأسباب الدنيوية، بينما أرسطو قد انغمس في علائق الدنيا ونال الكثير من مفاخرها، وحاز المال الوفير، وتزوج وأنجب أولادًا.
ويرى الفارابي أن الأمر ليس هكذا، فإن أفلاطون اهتم بشؤون الدنيا ودون السياسات وهذبها، وبين السيرة العادلة والعشرة الأنسية المدنية، وأبان عن فضائلها، وأظهر الفساد العارض الأفعال من هجر العشرة المدنية وترك التعاون فيها، وكتبه في هذا الباب معروفة، ومختلف الأمم تدرسها منذ أيامه الى عصرنا هذا.
وأرسطو اتبع تعاليم أفلاطون كما وجدها في مؤلفاته، ولما عاد إلى ذاته، وجد في نفسه قوة على تقويم نفسه ثم التعاون مع الآخرين والاشتغال بكثير من الأمور السياسية.
٢- طريقة التأليف: وثاني نقط الخلاف - الظاهري - هي في طريقة كل منهما في التأليف، فإن أفلاطون - هكذا يزعم الفارابي خطأ - كان يوصي بعدم التأليف؛ لأنه كان يفضل أن يبث الحكمة في القلوب الطاهرة والعقول الصحيحة، ولما خاف من ضياع علمه وكلمته بسبب النسيان، عمد إلى الرموز والألغاز لتدوين معارفه وحكمته، بحيث لا يفهمها إلا القادرون عليها، أما أرسطو فكان مذهبه التدوين والوضوح والترتيب.
ويسوق الفارابي أمثلة على ذلك، ويؤيد رأيه بكلام لأرسطو يقول فيه: إني وإن دونت هذه العلوم والحكمة، فقد رتبتها بحيث لا يخلص إليها إلا أهلها، وعبرت عنها بعبارات لا يحيط بها إلا بنوها.
٣- مشكلة الجواهر: ونقطة خلاف ثالثة تدور حول مسألة الجواهر أيها الأشرف: الكلي، أم الجزئي؟
ومعظم الذين درسوا مؤلفات أفلاطون وأرسطو يعتقدون بوجود خلاف بينهما في هذه المسألة، إذ يجدون في كثير من مؤلفات أفلاطون ما يدل على أنه يرى أن الجوهر الأشرف والأقدم هو الأقرب إلى العقل والنفس والأبعد عن الحس والفرد، بينما يجدون أرسطو في كتبه، خصوصًا في كتاب «المقولات وكتاب «الأقيسة الشرطية، يقرر أن الجوهر الأولى بالشرف والتقديم هو الجوهر الأول أي الفرد لا الجوهر الثاني أي الكلي، لهذا زعم الفارابي أن بين كلا الحكيمين خلافًا في هذه المسألة، ولكن يعزوه الى اختلاف السياق.
٤- القسمة والبرهان: يرى أفلاطون أن الحد التام يكون بالقسمة بينما يرى أرسطو أنه يكون بالبرهان والتركيب.
والفارابي يشبه هذا بسلم يصعد عليه وينزل منه، فالمسافة واحدة، ولكن الاتجاه مختلف بين من ينزل وبين من يصعد، ويبين أنه لا خلاف بينهما ها هنا بل كلاهما يستهدف نفس الهدف ولكن في اتجاهين مختلفين، ذلك أن من يلجأ إلى القسمة ينبغي عليه أن يمر بالتركيب بين الجنس والفصل النوعي، ومن يستخدم القياس يجب عليه أن يلجأ إلى القسمة، فالمسلكان متكاملان، وليسا متناقضين.
٥- مسائل منطقية: القياس، تقابل القضايا:
ويبين الفارابي ما قيل من خلافات بين أرسطو وأفلاطون في بعض مسائل المنطق الصوري، وخصوصًا القياس، وتقابل القضايا، ويفصل أوجه الخلاف، وينتهي إلى نوع من التوفيق، مما لا مجال ها هنا لذكره لطوله وتعقيده.
٦- مسائل في الطبيعيات: الإبصار
ويشير الفارابي ها هنا إلى الخلاف بين أرسطو وأفلاطون في مسألة الإبصار: فأفلاطون يقول انه يكون بخروج شيء من العين يلقى موضوع الإبصار، أما أرسطو فيرى أن الإبصار يتم بانفعال يحدث في العين.
ويحاول الفارابي بعد عرض حجج أنصار كليهما في هذا الموضوع أن يدلي برأي وسط بينهما، لكنه رأي مقتضب لا يوفق بين رأيي أرسطو وأفلاطون. [الفلسفة والفلاسفة في الحضارة العربية، عبد الرحمن بدوي، ص٢٠٨ وما بعدها].
٧- الأخلاق: يرى أفلاطون في كتاب السياسة (المعروف خطأ بـ الجمهورية) أن الطبع يغلب العادة، وأن الكهول الذين يطبعون على خلق يعسر زواله منهم، أما أرسطو فقد صرح في الأخلاق إلى نيقوما خوس، أن الأخلاق كلها عادات تتغير، وأن ليس شيء منها بالطبع، وأن في استطاعة المرء أن ينتقل من خلق إلى غيره بالاعتياد والدربة.
ويلاحظ الفارابي أنه ليس في هذا خلاف، وإنما أرسطو يتكلم ها هنا في الأمور المدنية والكلام القانوني يكون أبدًا كليًا ومطلقًا.
والفارابي يشيرها هنا فيما يتعلق بأرسطو إلى قوله في الأخلاق إلى نيقوما خوس (المقالة الثانية، فصل ۱، ص ۱۱۰۳ أس ١٦ وما يتلوه)، أما فيما يتعلق بأفلاطون فمن الصعب أن نجد في كتاب "السياسة" ما يشير إليه، وأقرب موضع إلى ذلك ما ورد في المقالة السابعة (فصل ٤، ص ٥١٨).
٨- تحصيل العلم: كذلك يختلف الحكيمان في تفسير تحصيل العلم، فأفلاطون في محاورة "فيدون" يبين أن كل علم تذكر، أما أرسطو فيرى أن الحواس مصدر العلم، وأن من فقد حسًا فقد علمًا.
والفارابي يوفق بين الرأيين بأن يذكر الناس بما قاله أرسطو في أول کتاب البرهان: كل تعليم وكل تعلم فإنما يكون عن معرفة سابقة متقدمة الوجود، ويقول: أليست هذه هي نظرية التذكر عند أفلاطون بعينها!!
ولم نجد هذا النص في كلام أرسطو في كتاب البرهان فلسنا ندري من أين استقاه! [تاريخ الفلسفة في الإسلام، دى بور، ترجمة، محمد عبد الهادي أبو ريدة، ط٢، القاهرة، ١٩٤٨، ص١٤٠-١٤٣].
۹ - مسألة أزلية العالم وأبديته : يظن الناس أن أرسطو يؤكد أن العالم أزلي أبدي، بينما يقول أفلاطون إن العالم مخلوق في الزمان.
ويرى الفارابي أن الذي ساقه الناس إلى هذا الظن عن أرسطو هو ما قاله في "الطوبيقا" على سبيل المثال، لكن هذا مجرد مثال، وما يقال على سبيل المثال لا يعبر بالضرورة عن اعتقاد من يذكر المثال، فضلا عن أن أرسطو في الطوبيقا لم يكن بصدد الكلام عن العالم، بل هو يتكلم في الأقيسة التي تتألف مقدماتها من قضايا معروفة بوجه عام.
كذلك دفعهم إلى هذا الظن ما قاله أرسطو في كتاب "السماء والعالم" من أنه ليس للكل بدء في الزمان، فاستنتجوا من هذا أنه يقول إن الزمان أزلي، وهذا غير صحيح - هكذا يقول الفارابي.
وهكذا ينكر الفارابي أن يكون أرسطو قد أكد أن العالم قديم ومن الغريب أن يتجاهل الفارابي ما أكده أرسطو بكل وضوح في المقالة الثانية من كتاب "الطبيعة" لإثبات أزلية الحركة وأبديتها! [الفلسفة والفلاسفة في الحضارة العربية، عبد الرحمن بدوي، ص٢١٢]
١٠- المثل الأفلاطونية: ونقطة الخلاف العاشرة بين الحكيمين تتعلق بالمثل التي أكدها أفلاطون وهاجمها أرسطو بشدة، وهنا يلجأ الفارابي، من أجل التوفيق بينهما في هذا المجال، إلى ما ورد في كتاب "أثولوجيا" المنسوب خطأ إلى أرسطو، بينما هو في الواقع تلخيص للتساعات من ٤ إلى ٦، لأفلوطين، وما كان أسهل على الفارابي أن يقدم حينئذ مهمة التوفيق! إذ مذهب أفلوطين هو في جملته مذهب أفلاطون، ويجد الفارابي عونًا مسعفًا له في مسعاه في الموضع المشهور من "أثولوجيا" حيث يقول صاحبه: إني ربما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبًا، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن، فأكون داخلًا في ذاتي، راجعًا إليها، خارجًا من سائر
الأشياء - فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعًا، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والضياء ما أبقى له متعجبًا مهتمًا، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الشريف الفاضل الإلهي ذو حياة فعالة، فلما أيقنت بذلك، ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي، فصرت كأني موضوع فيها متعلق بها، فأكون فوق العالم العقلي، فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف الإلهي، فأرى هناك من النور والبهاء ما لا تقدر الألسن على صفته ولا تعيه الأسماع. [أفلوطين عند العرب، عبد الرحمن بدوي، ط٢، القاهرة، ١٩٦٦، ص٢٢].
۱۱- الثواب والعقاب في العالم الآخر : والنقطة الأخيرة تتعلق بمسألة الثواب والعقاب في العالم الآخر، يقول الفارابي ان البعض يزعم أنه لا أفلاطون ولا أرسطو يعتقدان في وجود عالم آخر، ولا في الثواب والعقاب في عالم آخر، لكن الفارابي يرى أن هذا الزعم غير صحيح : فبالنسبة إلى أرسطو يستشهد الفارابي بالرسالة التي بعث بها أرسطو إلى أم الاسكندر الأكبر يعزيها في ولدها، والرسالة منحولة، وبالنسبة إلى أفلاطون يشير الفارابي إلى كلام أفلاطون في نهاية كتاب "السياسة " مما يدل على البعث والحساب والميزان والثواب والعقاب والفارابي إنما يشير ها هنا إلى أرسطو الواردة في المقالة العاشرة في كتاب "السياسة" (ص ٦١٠د، ٦١٢ أ، ٦١٣هـ (وما يتلوها).[الفلسفة والفلاسفة في الحضارة العربية،عبدالرحمن بدوى، ص٢١٣-٢١٤].
استعرض النص جهود الفارابي في تفتيت عشر إشكالات خلافية بين الحكيمين، شملت السلوك، والمنطق، والطبيعيات، وما وراء الطبيعة، مرجعًا الاختلاف إلى قصور في الفهم أو تباين في السياق، وقد اعتمد في توفيقه على تأويل النصوص واستخدام كتب منحولة، ليثبت في النهاية انسجام المدرستين في القضايا الجوهرية كالمعاد والألوهية.
يُمثل الفارابي حلقة الوصل المركزية في تاريخ الفكر الإنساني، حيث استطاع بعبقريته الفذة التوفيق بين صرامة العقل اليوناني وروحانية المشرق الإسلامي.
يمثل مفهوم الألوهية حجر الزاوية في النسق الفلسفي للفارابي، حيث تتشابك البراهين العقلية مع مقتضيات التنزيه الديني لإرساء دعائم "الموجود الأول".
المدينة الفاضلة عند الفارابي جوهر مشروعه الفلسفي، فهي تجسيد لمثالية الفلسفة التي تسعى لتغيير الواقع وتوجيه الفطرة الإنسانية نحو نيل السعادة.