Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر

الكاتب

هيئة التحرير

إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر

يقوم علم المعاني على مراعاة مقتضى الحال، وموافقة الكلام لأحوال المخاطبين النفسية والذهنية، غير أن البليغ قد يعدل أحيانًا عن مقتضى الظاهر إلى أساليب تعبيرية تقتضيها اعتبارات بلاغية ونفسية، تتصل بالمتكلم أو بالمخاطب، فيأتي الكلام على خلاف ما يقتضيه الظاهر؛ تحقيقًا لمقاصد دلالية وبلاغية أبلغ أثرًا في السياق.

تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر وصوره

عندما يكون المتكلم عالمًا بأحوال المخاطبين، خبيرًا بما يجول في خواطرهم، فإنه يتكلم إليهم كلامًا يلائم أحوالهم، فإذا كان المخاطب خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر، والتردد فيه – أي: لا يشك فيما يسمع - تكلم إليه دون تأكيد، فيقول مثلًا: (زيد عالم)، وإذا كان المخاطب مترددًا في إسناد أحدهما إلى الآخر، احتاج لمؤكد واحد استحسانًا، فيقول: (إن زيدًا عالم)، وإذا كان المخاطب منكرًا للحكم وجب توكيد الحكم حسب إنكاره، فيقول له: (إن زيدًا عالم) إن كان لا يبالغ في الإنكار،  و(إن زيدًا لعالم) إن كان يبالغ، و(والله إن زيدًا لعالم) لمن اشتد إنكاره وغالى فيه. [علم المعاني، بسيوني فيود، ص: ٤٨ وما بعدها]، لكنه عندما يبتعد عن مراعاة الواقع، ويجري وراء أمور اعتبارية، فإنه بذلك إما أن يراعي أحوال المخاطب، أو أن يراعي أحوال نفسه، فيرسل الكلام على غير الأوصاف الواقعية، وهو ما يعرف بإخراج الكلام على غير مقتضى الظاهر.

وقد درس علماء البلاغة ضمن تتبعهم لموضوعات علم المعاني ظاهرة الخروج عن مقتضى الظاهر في الكلام البليغ، لداع من الدواعي البلاغية، ذات التأثير في النفوس والأفكار؛ لما فيها من عناصر فنية إبداعية تتضمن دلالات، فكرية أو تعبيرات جمالية، أو إلماحات ذكية، وقد ظهر لهم من التتبع الأنواع التسعة الآتية؛ (الالتفات، وأسلوب الحكيم، والإضمار في مقام الإظهار والإظهار في مقام الإضمار، والتعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، والتغليب، ووضع الخبر موضع الإنشاء ووضع الإنشاء موضع الخبر، والانتقال من الماضي إلى المضارع وبالعكس، وتجاهل العارف، والقلب بإجراء التبادل بين جزئين يمكن إجراء التبادل بينهما من أجزاء الجملة). [البلاغة العربية .. أسسها وعلومها، عبد الرحمن حبنكة، ص ٤٧٨].

مراعاة أحوال المخاطب في التخريج على خلاف مقتضى الظاهر

قد ينأى المتكلم عن مراعاة الواقع، ويجري وراء أمور اعتبارية فيخرج الكلام على غير مقتضى الظاهر، ويراعي أحوال المخاطب، ولذلك صور كثيرة، منها:

‌أ) تنزيل غير السائل منزلة السائل، وذلك إذا كان الكلام السابق فيه إشارات تلوح له بحكم الخبر، وتثير في نفسه التساؤل والاستشراف الذي يظهره في مقام المتردد، فيأتي التوكيد ليزيل هذا التردد الاعتباري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَٰطِبۡنِی فِی ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤا۟ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، فنهي نوح عن مخاطبته عن الظالمين بعد الإعلان عن عدم إيمانهم، وإعلامه بصناعة السفينة أثار في نفسه أنهم سيغرقون فجاء التوكيد موافقًا لظنه، ونافيًا لتردده، ومنه قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَیۡءٌ عَظِیمࣱ﴾ [الحج: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أُبَرِّئُ نَفۡسِیۤۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوۤءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، فالجملة الأولى (يا أيها الناس اتقوا ربكم – وما أبرئ نفسي) تثير في النفس التساؤل لمعرفة السبب، فكانت الجملة الثانية (إن زلزلة الساعة شيء عظيم – إن النفس لأمارة بالسوء) مؤكدة لتزيل التردد السابق، وتجيب عن همس النفوس المتشوقة .

‌ب) تنزيل المنكر منزلة غير المنكر؛ وذلك لقيام الدلائل، والشواهد المحسوسة، أو المعلومة التي لو تأملها لارتدع عن إنكاره، فأصبح إنكاره غير مُعتدٍّ به. ويتجلى ذلك في القضايا الكبرى التي يكابر فيها المعاندون؛ إذ يسوقها القرآن الكريم في أسلوب هادئ حاسم، خالٍ من التوكيد، اعتمادًا على وضوحها وظهور أدلتها، كما في قوله تعالى: ﴿تَنزِیلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾ [غافر: ٢]، وعن محمد - صلى الله عليه وسلم – في قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدࣱ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقد جاءت الآيتان مجردتين من أدوات التوكيد، مع أن هاتين القضيتين كانتا محلَّ إنكارٍ وجدالٍ من المعاندين، وذلك بناءً على هذا المقام التنزيلي. ومن ذلك أيضًا قول زهير بن أبي سُلمى:

وَفيهِم مَقاماتٌ حِسانٌ وُجوهُهُم *** وَأَندِيَةٌ يَنتابُها القَولُ وَالفِعلُ

عَلى مُكثِريهِم رِزقُ مَن يَعتَريهِمُ *** وَعِندَ المُقِلّينَ السَماحَةُ وَالبَذلُ

وَإِن جِئتَهُم أَلفَيتَ حَولَ بُيوتِهِم *** مَجالِسَ قَد يُشفى بِأَحلامِها الجَهلُ

فكل بيت من هذه الأبيات يصف فضيلة من الفضائل الكبيرة التي تحتاج إلى توكيد وتقرير حتى تأنس بها النفوس، ولكن الشاعر سلك طريقًا آخر فخيل بذلك أن الذين يسمعون هذه الخلائق منسوبة إلى هؤلاء الأقوام لا يستكثرونها.

‌ج) تنزيل غير المنكر منزلة المنكر إذا بدا عليه شيء من علامات الإنكار، فيؤكد له الأمر الذي لا ينكره، كما في قول الباهلي :

جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضًا رُمْحَهُ *** إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِم رِمَاحُ

فإن مجيء شفيق مُدلًّا بشجاعته، وقد وضع رمحه عرضًا، دليلٌ على إعجابه الشديد بنفسه، واعتقاده أن أحدًا من بني عمه لا يقوم إليه، حتى لكأنهم جميعًا عُزَّلٌ لا رمح مع أحدٍ منهم.

‌د) تنزيل العالم بالفائدة ولازمها منزلة الجاهل بهما ؛ لتساويه معه في عدم العلم، كقولك لمن يعنف أباه محمدًا: (محمد أبوك)، فهو لا يجهل أنه أبوه، وأنه يجب أن يترفق به ولكن لما أساء الأدب نزل منزلة الجاهل.

مراعاة أحوال المتكلم في التخريج على خلاف مقتضى الظاهر

وكذلك قد ينأى المتكلم عن مراعاة الواقع ويجري وراء أمور اعتبارية فيخرج الكلام على غير مقتضى الظاهر، ويراعي أحوال نفسه، فيسوق الكلام مؤكدًا لا لنفي تردد وإنکار، وإنما لاعتبار آخر يقتضيه المقام، نشير إلى بعض منها :

  1. قد يكون التأكيد للإشارة إلى مجيء الخبر على غير ما كان يرجو المتكلم ويأمل، وكأن نفس المتكلم تنكره فيؤكده لها، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِی كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّی وَضَعۡتُهَاۤ أُنثَىٰ﴾ [آل عمران: ٣٦].
  2. وقد يكون التأكيد لغرابة الخبر وتأنيس نفس المخاطب، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّاۤ أَتَىٰهَا نُودِیَ مِن شَٰطِئِ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَیۡمَنِ فِی ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن یَٰمُوسَىٰۤ إِنِّیۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [القصص: ٣٠]، فنداء الله - عز وجل - لموسى في هذا الوقت وفي هذا المكان كان غريبًا، وكان موسى في حاجة معه إلى أنيس.
  3. وقد يكون التأكيد لإظهار ما تعتقده النفس؛ لتزداد يقينًا به، وتطمئن إليه، كقوله تعالى في شأن الصابرين: ﴿قَالُوۤا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].
  4. وقد يكون التأكيد لتقرير المعنى وتقويته في نفس المخاطب، وإن كان لا ينكر ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
  5. وقد يكون التأكيد لتحقيق الوعد أو الوعيد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ۗ﴾ [الحج: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۤ أُو۟لَٰۤئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
  6. وقد يكون التأكيد لإظهار صدق الرغبة في الحكم وقصد ترويجه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡا۟ إِلَىٰ شَیَٰطِینِهِمۡ قَالُوۤا۟ إِنَّا مَعَكُمۡ﴾ [البقرة: ١٤].
  7. ومنه تأكيد الدعاء ؛ إظهارًا لانفعال النفس به ورجائها في قبوله، كقوله تعالى: ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. [انظر تفصيل ذلك في: دلائل الإعجاز، الجرجاني ١ / ٣١٥ وما بعدها، وخصائص التركيب، محمد أبو موسى، ص ٥٠ وما بعدها، وعلم المعاني، بسيوني فيود، ص: ٥١ وما بعدها، وبغية الإيضاح، عبد المتعال الصعيدي، ١ / ٣٤ وما بعدها].

الخلاصة

يمثل إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر مظهرًا من مظاهر دقة علم المعاني ومرونته؛ إذ يخرج المتكلم عن مقتضى الظاهر مراعاةً لأحوال المخاطب، أو تعبيرًا عن أغراضٍ تتصل بنفسه، فينزل المنكر منزلة غير المنكر أو العكس، ويؤكد الخبر أو يجرده من التوكيد بحسب ما يقتضيه المقام، تحقيقًا لأبلغ أثرٍ في المعنى والتأثير.

موضوعات ذات صلة

الفصل في البلاغة: هو ترك عطف جملة على أخرى بالواو لتحقيق غرض بلاغي

أسلوب القصر يكشف عن دقة التركيب وسحر التخصيص

الإيجاز هو التقصير أو تقليل الكلام، وأداء المقصود من الكلام بأقل عبارات

المجاز العقلي أحد أركان البيان العربي، يُظهر فطنة التعبير، ودقة الإسناد

موضوعات مختارة