قد
ينأى المتكلم عن مراعاة الواقع، ويجري وراء أمور اعتبارية فيخرج الكلام على غير
مقتضى الظاهر، ويراعي أحوال المخاطب، ولذلك صور كثيرة، منها:
أ) تنزيل
غير السائل منزلة السائل، وذلك إذا كان الكلام السابق
فيه إشارات تلوح له بحكم الخبر، وتثير في نفسه التساؤل والاستشراف الذي يظهره في
مقام المتردد، فيأتي التوكيد ليزيل هذا التردد الاعتباري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا
تُخَٰطِبۡنِی فِی ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤا۟ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾
[هود: ٣٧]، فنهي نوح عن مخاطبته عن الظالمين بعد الإعلان
عن عدم إيمانهم، وإعلامه بصناعة السفينة أثار في نفسه أنهم سيغرقون فجاء التوكيد
موافقًا لظنه، ونافيًا لتردده، ومنه قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا
ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَیۡءٌ عَظِیمࣱ﴾
[الحج: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أُبَرِّئُ نَفۡسِیۤۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ
بِٱلسُّوۤءِ﴾
[يوسف: ٥٣]، فالجملة الأولى (يا أيها الناس اتقوا
ربكم – وما أبرئ نفسي) تثير في النفس التساؤل لمعرفة السبب، فكانت الجملة الثانية
(إن زلزلة الساعة شيء عظيم – إن النفس لأمارة بالسوء) مؤكدة لتزيل التردد السابق،
وتجيب عن همس النفوس المتشوقة .
ب) تنزيل
المنكر منزلة غير المنكر؛ وذلك لقيام الدلائل، والشواهد
المحسوسة، أو المعلومة التي لو تأملها لارتدع عن إنكاره، فأصبح إنكاره غير مُعتدٍّ
به. ويتجلى ذلك في القضايا الكبرى التي يكابر فيها المعاندون؛ إذ يسوقها القرآن الكريم
في أسلوب هادئ حاسم، خالٍ من التوكيد، اعتمادًا على وضوحها وظهور أدلتها، كما في قوله
تعالى: ﴿تَنزِیلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ
ٱللَّهِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾ [غافر:
٢]، وعن محمد - صلى الله عليه وسلم – في قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدࣱ
رَّسُولُ ٱللَّهِۚ﴾ [الفتح:
٢٩]، وقد جاءت الآيتان مجردتين من أدوات التوكيد، مع أن هاتين القضيتين كانتا محلَّ
إنكارٍ وجدالٍ من المعاندين، وذلك بناءً على هذا المقام التنزيلي. ومن ذلك أيضًا قول
زهير بن أبي سُلمى:
وَفيهِم
مَقاماتٌ حِسانٌ وُجوهُهُم *** وَأَندِيَةٌ يَنتابُها القَولُ وَالفِعلُ
عَلى
مُكثِريهِم رِزقُ مَن يَعتَريهِمُ *** وَعِندَ
المُقِلّينَ السَماحَةُ وَالبَذلُ
وَإِن
جِئتَهُم أَلفَيتَ حَولَ بُيوتِهِم *** مَجالِسَ
قَد يُشفى بِأَحلامِها الجَهلُ
فكل
بيت من هذه الأبيات يصف فضيلة من الفضائل الكبيرة التي تحتاج إلى توكيد وتقرير حتى
تأنس بها النفوس، ولكن الشاعر سلك طريقًا آخر فخيل بذلك أن الذين يسمعون هذه الخلائق
منسوبة إلى هؤلاء الأقوام لا يستكثرونها.
ج) تنزيل
غير المنكر منزلة المنكر إذا بدا عليه شيء من
علامات الإنكار، فيؤكد له الأمر الذي لا ينكره، كما في قول الباهلي :
جَاءَ
شَقِيقٌ عَارِضًا رُمْحَهُ *** إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِم رِمَاحُ
فإن
مجيء شفيق مُدلًّا بشجاعته، وقد وضع رمحه عرضًا، دليلٌ على إعجابه الشديد بنفسه، واعتقاده
أن أحدًا من بني عمه لا يقوم إليه، حتى لكأنهم جميعًا عُزَّلٌ لا رمح مع أحدٍ منهم.
د) تنزيل
العالم بالفائدة ولازمها منزلة الجاهل بهما ؛ لتساويه معه في عدم العلم،
كقولك لمن يعنف أباه محمدًا: (محمد أبوك)، فهو لا يجهل أنه أبوه، وأنه يجب أن
يترفق به ولكن لما أساء الأدب نزل منزلة الجاهل.