وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
متن الحديث هو: ألفاظه التي تشتمل على معانيه. [الخلاصة في أصول الحديث، للطيبي/ ٣٠].
والمراد بنقد المتن: تمييز المقبول منه من المردود على ضوء القواعد النقدية المعتبرة عند أئمة الحديث ونقاده، والتي تأسوا في أصولها بما ثبت عن الصحابة -رضي الله عنهم-، وعمن بعدهم من سلف الأمة الصالح.
ومن أهم تلك القواعد:
١- عرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض لبيان ما فيه من إدراج في المتن، أو قلب، أو اضطراب، أو تصحيف، أو تحريف، أو زيادة قام الدليل على وهم الثقة فيها، وقد خصص المحدثون لكل نوع من هذا مبحثًا خاصًّا في علم مصطلح الحديث. [ينظر: تقريب النووي مع التدريب، للسيوطي ١/٣١٤، (المدرج) ١/٣٤٢و(المقلوب) ٣٠٨ و(المضطرب) ٢/٦٤٨،٩١٥، و(المصحف والمحرف)، ونزهة النظر مع شرحها، للقاري/ ٤٨٨-٤٩٠ وزيادات الثقات/ التقريب مع التدريب ١/٢٨٥].
٢- عرض الأحاديث على ما يعارضها أو يشكل عليها في الظاهر من أحاديث أخرى ثابتة، وبيان إمكان الجمع أو الترجيح أو النسخ. وقد خصص المحدثون لذلك أيضًا مباحث في علم مصطلح الحديث كما ألفوا في ذلك مؤلفات. [ينظر التقريب مع التدريب١/٦٥١(مختلف الحديث) و٦٤٣ (ناسخ الحديث ومنسوخه)، وشرح مشكل الآثار، للطحاوي وغيره من المؤلفات في مشكل الحديث].
٣- عرض متن الحديث على ما يتعلق به من الوقائع والحقائق التاريخية المتفق على ثبوتها. [ينظر: سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في إنشاد الشعر - حديث أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه (الحديث) برواياته مع تعليق الشارح عليه ٨/١٣٨ - ١٤٠، وينظر: مقاييس نقد متون السنة للأستاذ الدكتور مسطر الدميني/ ١٨٨- ١٩١].
٤- مخالفة الحديث للأصول والقواعد الشرعية المقررة. [ينظر: الموضوعات لابن الجوزي ٣/٣٢٧ — ٣٣٠، كتاب ذم المعاصي - وفيه ما أخرجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنا وَلَا وَلَدُهُ وَلَا وَلَدُ وَلَدِهِ»، وأخرجه بنحوه من طريقين آخرين عن أبي هريرة. وبعد نقدها من جهة الإسناد، قال: ثم أي ذنب لولد الزنا حتى يمنعه من دخول الجنة؟ فهذه الأحاديث تخالف الأصول وأعظمها قوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ} [النجم: ٣٨].
٥- ركاكة أسلوب الحديث ومعانيه، بحيث يتفق أهل الاختصاص والأهلية على منافرتها لفظًا ومعنى لخصائص الأسلوب النبوي الرصين ومعانيه السامية الحكيمة. [فمن ذلك ما أخرجه ابن الجوزي من حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- في ذكر فضائل القرآن سورة سورة، وقد نقده من جهة السند، ثم قال: فنفس الحديث يدل على أنه مصنوع، فإنه قد استقرأ السور، وذكر في كل واحدة ما يناسبها من الثواب بكلام ركيك في نهاية البرودة، لا يناسب كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم-. الموضوعات الكبرى لابن الجوزي، كتاب العلم -أبواب تتعلق بالقرآن- باب في فضائل السور ١/٣٩٠ طبعة أضواء السلف بالرياض. ومن ذلك حديث صخر بن قدامة قال: قال رسول لله -صلى الله عليه وسلم-: «لَا يُولَدُ بَعْدَ المِائَةِ سَنَةٍ مَوْلُودٌ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ» أخرجه ابن قتيبة بسنده إلى صخر ص ١٠٠ وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ٣/٤٦٣ -٤٦٤، كتاب الملاحم والفتن، وذكر قول الإمام أحمد فيه: ليس بصحيح، ثم قال: فإن قيل: فإسناده صحيح، فالجواب أن: العنعنة تحتمل أن يكون أحدهم سمعه من ضعيف أو كذاب فأسقط اسمه، وذكر من رواه عنه بلفظ «عن» ثم قال: وكيف يكون صحيحًا وكثير من الأئمة والسادة ولد بعد المائة؟ وقد وافقه على هذا من جاء بعده ينظر المنار المنيف، لابن القيم/ ١٠٩، واللآلئ المصنوعة، للسيوطي ٢/٣٩٨، وتنزيه الشريعة ٢/٣٤٥].
ورغم هذا فقد وجد من المعاصرين غير المختصين بعلوم الشريعة فضلًا عن علوم الحديث، من عاب على المحدثين عنايتهم بنقد السند أكثر من عنايتهم بنقد المتن، يقول الأستاذ أحمد أمين: ولكنهم -أي: علماء الحديث- عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن، فَقَلَّ أن تظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يتفق والظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تنقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه، وهكذا.
ثم قال: نرى البخاري نفسه -على جليل قدره- يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث: «مَن اصْطَبحَ كُلَ يَومٍ سَبْعِ تَمَراتٍ مِن عَجْوَةٍ، لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ، ولا سِحْرٌ ذلك اليومَ إلى اللَّيْلِ». [فجر الإسلام ص٢١٧، ٢١٨ بتصرف ط ١١ سنة ١٩٧٥ مكتبة النهضة. والحديث في صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، حديث (٥٤٤٥)٠ وفي كتاب الطب، حديث (٥٧٦٨، ٥٧٦٩، ٥٧٧٩). وفي صحيح مسلم، كتاب الأشربة، حديث (٢٠٤٧)].
ومن قبله بقرون طعن بعض الناس في المحدثين بما يدل على بعدهم عن فهم المتن وما يشتمل عليه، ومنهم من امتد طعنه إلى روايات الصحابي وادعى أنها متعارضة أو متناقضة، وقد ألَّف في الرد على ذلك تفصيلًا، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة كتابَه تأويل مختلف الحديث. [راجع مقدمته المستفيضة في ذلك].
وفي مجال الحديث وعلومه ننبه إلى أن:
المقصد الأصلي للمحدثين تحرير ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفظًا لفظًا بقدر الطاقة الإنسانية باستعمال أدق المناهج العلمية لهذا التحرير، والفصل بينه وبين ما وضع عليه أو أضيف إليه من غير ما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- والمحدثون لا يمانعون في أن يذكر أهل التخصص في كل مجال تحدثت عنه السنة ما عندهم مما يوافق الحديث أو يعارضه، لكنهم يرفضون رفضًا قاطعًا رد الحديث الصحيح بمعارضة ما يراه المتخصصون في غير المجالات الدينية؛ لأن الحديث يشمل بحقائقه كل زمان إلى أن تقوم الساعة، كما يشمل كل مكان على الأرض، أما ما ينتهي إليه المتخصصون في دراساتهم مما يتعلق بالأمور المتغيرة فمقيد بحدود الزمان والمكان، وقابل للتغير إذا اتسع مجال البحث، أو توافرت وسائل التعرف على الكائنات.
من هنا كان نقد المتن على أساس القواعد الحديثية التي اعتمدها المحدثون هو أساس البحث في هذا الجانب- للوصول إلى المتن السالم من العلل وموانع القبول، ولا يكون ذلك إلا بعد دراسة السند واعتماد قبوله، وكذلك دراسة المتن على حسب ما قدمته من قواعدهم وغيرها.
وقد أوهم كلام بعض المؤلفين في الحديث، أن فيما ثبت سنده ما يرد على غير أساس القواعد الحديثية لنقد المتن؛ وهي عدم مخالفته صراحة كما ثبت بما هو أقوى منه، مع عدم وجود دليل على النسخ، ومع العجز عن الجمع أو التوفيق بينه وبين غيره من النصوص.
فمن ذلك قول ابن الجوزي: "ما أحسن قول القائل: كل حديث تخالفه العقول، وتناقضه الأصول، وتباينه النقول، فاعلم أنه موضوع".
ومن ذلك قول ابن القيم: "حديث إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صدق؟ هذا وإن صحح بعض الناس إسناده فالحس يشهد بوضعه". [دفاع عن السنة للشيخ محمد أبي شهبة، ص ٤٢].
فهذا الكلام لا ينطبق على حديث يعتمد المحدثون صحته أو بعض أئمتهم، وإنما ينطبق على كلام ليس له سند يقبل.
وظن بعض الناس أن كل حديث صحح سنده قابل للنقد بما يراه الناقد، فأساءوا إلى أنفسهم برد الحديث، وكشف البحث العلمي وسيكشف زيف هذا الاتجاه.
ولكي نضع القارئ أمام الموضوع مباشرة نعرض لجهود المحدثين في هذا المجال، ونكشف خطأ الناقدين للمتن على أسس تختلف عن المناهج التي سارت عليها هذه الجهود.
من جهود المحدثين في هذا المجال:
١- أورد يحيى بن معين في كتابه التاريخ نقدًا في متون بعض الأحاديث اعتمادًا على نقد السند، أو اعتمادًا على دراسة المتن، فمن ذلك: رواية وكيع فيمن أخرج زكاة غنمه قال: "فأعمَدُ إلى شاةٍ قد عرفتُ مَكانَها ممتلئةٍ مَحضًا وشَحمًا فأخرجتُها إليهِما". قال يحيى، محضًا إنما هو مخاضًا، فصحح هذه اللفظة التي أخطأ فيها الراوي. [التاريخ ج ١ ط أولى تحقيق د/ أحمد نور سيف ط: مكة المكرمة].
وفي حديث: «لَوَددتُ أني غودِرت مع أصْحَاب حصِ الجبلِ» - قال يحيى: "أوهم وهب، إنما هو نحص الجبل". [المصدر السابق ص ٢٥٠]. والنُّحص - بالضم -: أصل الجبل وسفحه، كما في لسان العرب.
وذكر حديث: «أرْضَعَتْنِي وإِيَّاهَا ثُوَيْبَةُ»، فقال له تلميذه: "الصواب وأباهَا". وأصرَّ يحيى على رأيه. [المصدر السابق ص ٢٥٦]. وعارضه تلميذه في روايته بسنده عن عائشة قالت: "تزوَّجَني النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى بَيْتٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَماً، فقَالَ: مَا هُوَ إلَّا عَلَى بَيْتٍ يعني مَتَاعُ بَيْتٍ". [المصدر السابق ص ٢٦٠].
وقال في رواية يحيى بن سعيد عن ابن عمر: البدنة عن واحد، والشاة عن واحد، والبقرة عن واحد، لا أعلم شكًّا، أخطأ يحيى، إنما هو شركًا في الضحايا. [المصدر السابق ص ٢٧٦].
وقال عن حديث: «سألتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن نَظْرةِ الفجأةِ فأَمَرَني أن أطرِفَ بَصَري» إنما هو أن أصرف بصري. [المصدر السابق ص ٢٨٧].
وسئل عن حديث: «أَعُوَذُ بِكَ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ» - إنما هو الحور بعد الكون. [المصدر السابق ص ٢٩٧].
قال في لسان العرب: "قال ابن الأثير: أي: أعوذ بك من النقص بعد الجود والثبات".
وقال عن قول الصحابي: "الفلق جب في النار إذا فتح هر منه أهل النار، قال الراوي: "هكذا قال يحيى: هر منه أهل النار، لم يقل: فر منه فاستفهمته، فقال: هر منه" [المصدر السابق ص ٣٠٩، التاريخ الصغير، ص ٩٨، ١٥٩، ١٦٠، ١٧١ ط باكستان].
وفي التاريخ الصغير للبخاري: وقال حَشْرَج: عن سعيد، عن سَفِينة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي بكر وعمر وعثمان: «هؤلاءِ الخلفاءُ بَعدي»، هذا لم يتابع عليه لأن عمر وعليًا قالا: "لم يستخلف النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهذا من رد المتن بما يخالفه مما هو أقوى منه وأثبت. [المصدر السابق ص ٣٠٩]. ورد حديث «أنَّ النبيَّ صلى اللَّهُ عليهِ وسلمَ أُتِيَ بنبيذٍ فصبَّ عليهِ ماءً»، بقوله: لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا، وبَيَّن من أخطأ في روايته ومَنْ رواه على الصواب بسند فيه كذاب. [المصدر السابق ص ٣٠٩].
ورد حديث: «لا تُصَلُّوا إلى قَبرٍ، ولا تُصَلُّوا على قَبرٍ» بما هو أصح منه، وهو: «أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ صَلَّى علَى قَبْرٍ». [المصدر السابق ص ٣٠٩]. واتهم راويًا بالكذب، واستدل بأنه قال: "عن عائشة -رضي الله عنها- كانت أدماء -أي: تميل إلى السواد- لأن غيره من الثقات قال: "كانت شقراء بيضاء". [المصدر السابق ص ٣٠٩].
ومن روائع نقد المتن قول الجصاص في أحكامه: وقد رُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث في بعض ألفاظه: «لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ». [صحيح مسلم، كتاب الألفاظ، حديث (٢٢٤٦)]. فتأوله أهل العلم على أن أهل الجاهلية كانوا ينسبون الحوادث المجحفة والبلايا النازلة والمصائب المتلفة إلى الدهر، فيقولون: فعل الدهر بنا وصنع بنا ويسبون الدهر، كما قد جرت عادة كثير من الناس بأن يقولوا: أساء بنا الدهر ونحو ذلك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تَسُبُّوا فَاعِلَ هَذِهِ الأُمُورِ فَإنَّ اللهَ هُوَ فَاعِلُهَا وَمُحْدَثُهَا».
قال: وأصل هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يقول الله تعالى: يُؤذِيني ابنُ آدَمَ يسُبُّ الدَّهرَ وأنا الدَّهرُ بيدي الأمرُ أُقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ» [صحيح البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٨٢٦)، وكتاب الأدب، حديث (٦١٨١)، وكتاب التوحيد، حديث (٧٤٩١)].
قال: فقوله، وأنا الدهر، منصوب بأنه ظرف للفعل، كقوله: «أنا أبدًا بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، وكقول القائل: أنا اليوم بيدي الأمر أفعل كذا وكذا. ولو كان مرفوعًا كان الدهر اسمًا لله تعالى، وليس كذلك؛ لأن أحدًا من المسلمين لا يسمي الله بهذا الاسم. [أحكام القرآن، لابن العربي (سورة الجاثية)، ومال إليه ابن حجر في شرح الحديث].
وقد جرى بعض شراح الحديث على أنه بالرفع واشتغلوا بتأويله وجعله ابن العربي اسمًا لله -تعالى- والمعتمد ما قاله الجصاص.
هذا عن نقد المتن بالأسلوب العلمي المعتبر.
٢- أما عن نقد المتن بغير هذا الأسلوب، فنذكر منه ما يلي:
١- قال ابن القيم: حديث أبي هريرة يرفعه: «إذا سجدَ أحدُكم فلا يبرُكْ كما يبرُكُ البعيرُ وليضعْ يدَيهِ قبلَ رُكبتَيهِ» [سنن أبي داود، كتاب الصلاة، حديث (٨٤٠)، ومشكل الآثار، للطحاوي، حديث (١٣٤)، وسنن الدارقطني ١/٣٤٥ وسنن البيهقي ٢/٩٩، وراجع: زاد المعاد ٥٧،٥٦/١ (ط المصرية)]. قد وقع فيه وهم من بعض الرواة، فإن أوله يخالف آخره، فإنه -أي: المصلي- إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولًا.
ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: "ركبتا البعير في يديه لا في رجليه. فهو إذا برك وضع ركبتيه أولًا، فهذا هو المنهي عنه". ثم ضعفه بقوله: إن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولًا وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولًا وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه -صلى الله عليه وسلم- وفعل خلافه وكان يضع ركبتيه أولًا ثم يديه ثم جبهته. وهذا عكس فعل البعير.
وتوهيم الراوي لأن روايته تخالف الواقع يستلزم فهم الواقع فهمًا دقيقًا، لكن الفهم هذا ليس موافقًا للواقع. فالقائم بعد الركوع إذا نزل إلى السجود فاعتمد على كفيه أشبه البعير الواقف لأن الكفين للإنسان كالخفين للبعير فإذا نزل على ركبتيه بعد ذلك خالف نزول البعير عند بروكه لأن البعير ينزل على مرفقيه أو ركبتيه في رجليه الأماميتين وهو ما يوازى مرفقي الإنسان، لكن النقد قارن بين الإنسان الواقف والبعير، والإنسان لا يشبه البعير، إلا إذا نزل على كفيه ثم العلاقة بين سجوده وبروك البعير.
٢- واعتراض أحمد أمين على حديث البخاري في دفع التمرات السم والسحر بأن الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية تثبت عدم صحته - كلام من غير متخصص في الطب أو عارف بالسحر، وقد توصلت جماعة إلى ظهور إعجاز في هذا الحديث؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وافق البحث العلمي المعاصر حيث ثبت أن السكريات في التمر تساعد المعدة على مقاومة السموم، وأن الطاقة المتولدة عن تناوله لونها أزرق تنفر منه الجن وتمتنع عن التأثير السحري فيمن يأكله ذلك اليوم. [حوار تلفزيوني نقلًا عن جمعية إعجاز السنة بلندن في عام ٢٠٠١م بقناة النيل الثقافية].
٣- أخرج البخاري وغيره عن أبي ذر قال:"كُنْتُ مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقالَ: «يا أبَا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟» قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «فإنَّهَا تَذْهَبُ حتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فذلك قوله: {وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَا}». [سورة يس، آية ٣٨]. قال: "مستقرها تحت العرش". [صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث (٣١٩٩)، وكتاب التفسير، حديث (٤٨٠٢)، وكتاب التوحيد، حديث (٧٤٢٤)].
وأخرج البخاري وغيره سؤال أبي ذر عن قوله تعالى: المستقر لها وجواب الرسول - صلى الله عليه وسلم- عليه. [صحيح البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٨٠٣)].
وأخرج أحمد والترمذي وغيرهم حديث أبي ذر، أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، قال لَهُ حِينَ غَيَاب الشَّمْسِ: «أتَدْرِي أيْنَ تَذْهبُ هَذِه؟ إنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَي رَبِّهَا، فَتَسْتَأذِنَ فِي الرُّجُوعِ فيَأذَن لَهَا، وَكَأنَّها قِيلَ لَهَا: اطْلَعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبها». [سنن الترمذي، كتاب الفتن، حديث (٢٢٨١)، وكتاب التفسير، حديث (٣٢٨٠)، ومسند أحمد ٠٦٥/٥].
قال رشيد رضا في تفسير المنار معلقًا: "حديث أبي ذر يعد متنه من أعظم المتون إشكالًا، ثم علله سندًا ليبطله متنًا بتدليس إبراهيم التيمي عن أبيه، حيث يحتمل أن يكون حدثه عنه غير ثقة -ورأى أن هذه العلة وراء احتمال دخول الإسرائيليات- وخطأ النقل بالمعنى". [تفسير المنار، ج ٨، ص ١٨٦].
ولم يبين الشيخ رشيد الإشكالات في الحديث، ولم ينتبه إلى الرابطة بينه وبين ما ورد في القرآن الكريم من جري الشمس لمستقر لها - وإذا اتفق الحديث مع القرآن في مدلوله فكل ما يقال عن علة فيه لا يساوي شيئًا. والبخاري إمام المعللين فلا يجري على ما رواه مثل هذا الكلام، ولذلك نترك الرد على كلامه في السند لأنه تخبط أو تخبيط.
وقد استشكل قبله الألوسي في تفسيره ما تضمنه هذا الحديث، فنقل قول الواحدي: على هذا إذا غربت الشمس كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع.
ونقل عن ابن حجر الهيثمي في فتاويه الحديثية أن سجودها تحت العرش إنما هو عند غروبها، قال الألوسي بعد أن ذكر روايات عجيبة في ذلك: وليس على صحة هذه الأخبار تعويل، وحديث أبي ذر مما لا كلام في صحته.
قال: والأمر في ذلك مشكل، سواء قيل: إنها تطلع من سماء إلى سماء حتى تصل إلى العرش فتسجد، أو قيل: إنها تستقر وتسجد تحته من غير طلوع، ثم ذكر كلام إمام الحرمين وغيره بأنه لا خلاف في أنها تغرب عند قوم وتطلع عند آخرين.
قال: وأيضاً هي قائمة على أنها لا تفارق فلكها فكيف تطلع من سماء إلى سماء حتى تصل إلى العرش، ولا يحتاج إلى بيان كونها تحت العرش دائمًا بمعنى احتوائه عليها وكونها في جوفه كسائر الأفلاك التي فوق فلكها والتي تحته.
قال: "وقد سألت كثيرًا من أجلة المعاصرين عن التوفيق بين ما سمعت من الأخبار الصحيحة، وبين ما يقتضي خلافها من العيان والبرهان فلم أوفق. ثم لجأ إلى التأويل بما يخالف ظواهر النصوص". [روح المعاني، ح٢٣، ص ٠١٣ ط/ دار إحياء التراث العربي - لبنان. عند تفسير قوله تعالى: {وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَا} [يس: ٣٨].
ولابن كثير كلام في تفسير الآية والحديث مبني على أن العرش قبة والأرض مسطحة ساكنة وحركة الشمس بين الغروب والشروق. [تفسير ابن كثير، عند تفسير قوله تعالى: {وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَا} [يس: ٣٨]].
وقال ابن حجر في شرحه: وظاهره مغاير لقول أهل الهيئة: إن الشمس مرصعة في الفلك فإنه يقتضي أن الذي يسير هو الفلك، وظاهر الحديث أنها هي التي تسير وتجري. [فتح الباري، شرح حديث رقم ٣١٩٩].
ويوضح ذلك قول طنطاوي جوهري في تفسير {يَسۡبَحُونَ} [الأنبياء: ٣٣] من الآية الكريمة: الفلك القديم جعل الكواكب مركوزة في الفلك أو في تدوير الفلك فليس للكوكب أن يسبح من تلقاء نفسه بل لا بُدَّ له من حامل يحمله ويدور به.
والذي يهمنا أن جميع الكواكب تسير على الحديث في مدارات كأنها سمك في بحر. [تفسير الجواهر، ج١٧، ص ١٤٤، ١٤٥].
ولتوضيح الأمر وإزالة إشكاله نقول: إن الحديث لا يتحدث كما فهم الشراح عن سير الشمس في الغروب، لأن ذلك سير الأرض ودورانها حول نفسها، ولكنه تحدث عن سير الشمس في مدارها بمجموعتها الشمسية، سواء أكانت تدور حول شمس أعظم أو لا، هذا المدار في نقطة منه يظهر العرش بغير عوائق للشمس كما يظهر لغيرها من الشموس فلا تتجاوز هذه النقطة إلا بالسجود والاستئذان في استمرار المسير فإذا أذن لها استمر سيرها. وإذا قيل لها ارجعي من حيث جئت تغير سيرها إلى عكسه، فتغيرت المدارات لما يتبعها من السيارات ومنها الأرض، وتطلع الشمس على أهل الأرض من المغرب وتسير إلى المشرق.
والعلم قديمًا كان يتخبط في تعليل ظهور النهار والليل، وكان يرجع ذلك إلى سير الشمس بسير الفلك حول الأرض الثابتة أو سير الشمس فيه، فلما تكشفت العلاقة بين مسار الأرض حول الشمس ودورانها حول نفسها ظهر مقصود الحديث.
فالإشكال ليس في الحديث، ولكن في قصور العلم والعجز عن إدراك مقصود الحديث، ولو سلم المتشككون أو المشككون حتى يكشف الله المراد لكان أولى بهم من الطعن على الحديث.
٤- عقد صاحب تفسير المنار فصلًا كبيرًا عَنْوَن له بقوله: "الإشكال والاشتباه في روايات الدجال"، وركز على جانبين:
الأول: كون ابن صياد هو الدجال، ونقل قول النووي في ابن صياد: قصته مشكلة، وأمره مشتبه. وظاهر الأحاديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يوح إليه أنه هو المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر: «إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ».
وعَدَّ من الإشكال: أن بعض الأحاديث يصرح بأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يرى من المحتمل ظهور الدجال في زمنه، وأنه يكفي المسلمين حينئذ شره. وبعضه يصرح بأنه يخرج في آخر الزمان قبل نزول عيسى -عليه السلام -.
كما عَدَّ من الإشكال: أنه -صلى الله عليه وسلم- وصف الدجال بصفات لا تنطبق على ابن صياد، كما قال ابن صياد لأبي سيعد الخدري -رضي الله عنه.
ونجيب على هذه الاعتراضات التي رأى أنها توجب تساقط الأحاديث لضيق المقام، فنقول:
(أ) الدجال اقتنص لقب المسيح وتخفى فيه فميزه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالدجال، وفي الأحاديث الصحيحة أنه يذوب إذا نزل عيسى -عليه السلام- ذوبان الملح في الماء. لأن الحق يدمغ الباطل ويزهقه.
(ب) روى البخاري ومسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ أَمَّتَهُ الدَّجَّالَ الأعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وإنَّ ربَّكم لَيْسَ بأعْوَرَ، وإنَّه بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ». [صحيح البخاري، كتاب الفتن، حديث (٧١٣١)، وكتاب التوحيد، حديث (٧٤٠٨)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٣٣)].
(جـ) رآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المنام يطوف بالبيت خلف عيسى -عليه السلام- وكلاهم واضع يده على منكبي رجلين، فعرف صورة من صوره تحدد هيئته حال ادعائه الألوهية وخروجه في آخر الزمان.
(د) أن له حال خروجه آخر الزمان - وادعاء الألوهية ظاهرًا للناس - مخاريق، تفتن غير المؤمن، وتمنعه من رؤية عوره وما هو مكتوب على جبينه من لفظة كفر أو كافر - وضعًا خاصًا عرفه الأنبياء وتكلموا حوله في ليلة المعراج والإسراء - كما ثبت في بعض الروايات عند الحاكم وغيره. [مستدرك الحاكم، كتاب الفتن والملاحم ٤/٤٨٨].
أما قبل ذلك فيظهر في صور مختلفة يفتن الناس عن الدين، وهذا ما حذر الأنبياء منه أممهم، ومنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث تحدث عن أحواله بالتفصيل.
(هـ) أن الأحاديث ربطت ربطًا دقيقًا بين ابن صياد والدجال، ففي المدينة يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن صياد وهو صبي قارب الحلم: «تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فيقول ابن صياد: أشهد أنك رسول الأميين - يقصر رسالته عليهم دون غيرهم من الناس.
وفي حديث تميم الداري الذي استنكره -بقسوة رشيد رضا-، يقول الدجال وهو موثق في جزيرة بالبحر لتميم ومن معه: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ وكأنه يؤكد أنه ابن صياد من حيث الاعتقاد الخاص الذي أراد به التأثير على من كان مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يكن منهم إلا الإنكار، واستئذان عمر -رضي الله عنه- في قتله، وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عليه، وإنْ لَمْ يَكُنْهُ فلا خَيْرَ لكَ في قَتْلِهِ».
(و) حلف جابر بن عبد الله أن ابن صياد هو الدجال مستندًا إلى أن عمر حلف بذلك عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ينكر عليه هذا القَسَم، وكذلك حلف ابن عمر وأبو ذر بأنه كذلك.
(ز) رأى عبد الله بن عمر ابنَ صياد وقد برزت عينه فضربه بعصاه حتى تكسرت، ولم يشعر بأنه ضربه، ولم ير من كان معه ما رآه ابن عمر، ورآه مرة ثانية وأغضبه بكلام فانتفخ ابن صياد حتى ملأ الطريق.
(ح) قال لأبي سعيد الخدري بعد أن لَبَّس عليه بأن الدجال بعد خروجه آخر الزمان لا يولد له ولا يدخل مكة والمدينة: إني لأعلم مولد الدجال ومكانه وأين هو، وقال: "لو عرض علي أن أكون هو – أي: الخارج في آخر الزمان - ما كرهت".
والقول بأن الدجال شيطان يظهر في صور مختلفة لشباب ورجال يفتن الناس عن الدين الصحيح هو الجامع لكل ما ورد من الأحاديث.
من هنا كان قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي «إن يخرُج وأَنا فيكُم فأَنا حجيجُهُ دونَكُم، وإن يخرُجُ ولستُ فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ، واللَّهُ خَليفتي على كلِّ مسلمٍ»، وأمره من أدرك زمان خروجه قبل يوم القيامة بقراءة أول سورة الكهف، فإنه جواركم من فتنته. [صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢١٣٧)، وسنن أبي داود، كتاب الملاحم، حديث (٤٣٢١)، وسنن الترمذي، كتاب الفتن حديث (٢٣٤١)].
(ط) أن فرح الرسول -صلى الله عليه وسلم- بحديث تميم الداري وربطه بين ما جاء فيه وما أخبر عنه، يدل على أن كلام تميم كان مؤكدًا، وليس أصلًا في الحديث عن الدجال.
فالتشكيك فيما حكاه تميم تشكيك فيما قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الدجال وما ذكر به أصحابه، وهذا لا يجوز.
(ك) أما إخفاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكان وجوده وإشارته إلى عدة اتجاهات، فلأنه يتقلب في الصور ويغير أماكن وجوده إذا أطلق. وإذا قيد يكون في المكان الذي يقيده الله -تعالى- فيه.
وأسوأ ما في كلام رشيد رضا أنه يقول عن حديث تميم: إنه مصنوع، وعلى تقدير صحته ليس له كله حكم المرفوع، وكذلك قال في سائر أحاديث الدجال المشكلة.
وكأن ما أشكل عليه لا يمكن أن يكون له مخارج صحيحة عند غيره، وهذا من ضيق التصور، وقصور البحث، والاجتراء على نقد المتون الصحيحة بمجرد الظن والتوهم، وهو ما لا يصلح في التعامل مع النصوص الصحيحة المتواترة فيما تشترك فيه من المعاني والنقول، والثابتة بالأسانيد الصحيحة المعتمدة. [راجع تفسير المنار، ج ٩، ص ٤٠٨ - ٤١٦، والنهاية لابن كثير، وفتح الباري، وشرح النووي وغيرها - مع مراجعة الأحاديث الصحيحة والربط بينها في ضوء ما ذكرناه].
٥- حديث السحر، وهو ما رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، واللفظ للبخاري قالت: "سَحَرَ رَسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ مِن بَنِي زُرَيْقٍ، يُقَالُ له: لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ، حتَّى كانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّه كانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ، حتَّى إذَا كانَ ذَاتَ يَومٍ -أوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ- وهو عِندِي، لَكِنَّهُ دَعَا ودَعَا"، ثُمَّ قَالَ: «يا عَائِشَةُ، أشَعَرْتِ أنَّ اللَّهَ أفْتَانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ أتَانِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أحَدُهُما لِصَاحِبِهِ: ما وجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَن طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ، قَالَ: في أيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: وأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: في بئْرِ ذَرْوَانَ»، فأتَاهَا رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- في نَاسٍ مِن أصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: «يا عَائِشَةُ، كَأنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، أوْ كَأنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ»، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «قدْ عَافَانِي اللَّهُ، فَكَرِهْتُ أنْ أُثَوِّرَ علَى النَّاسِ فيه شَرًّا فأمَرَ بهَا فَدُفِنَتْ». [صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٦٨)، وكتاب الطب، حديث (٥٧٦٣، ٥٧٦٥، ٥٧٦٦)، وصحيح مسلم، كتاب السلام، حديث (٢١٨٩)].
قال الرازي: واعلم أن المعتزلة أنكروا ذلك بأسرهم، وقال قائلهم: هذه الرواية باطلة، وكيف يمكن القول بصحتها، والله تعالى يقول: {وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ}. [سورة المائدة، آية ٦٧]. وقال: {وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ}. [سورة طه، آية ٦٩]. ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة، ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى الضرر لجميع الأنبياء والصالحين، ولقَدَروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم، وكل ذلك باطل. ولأن الكفار كانوا يعيرونه بأنه مسحور، فلو وقعت هذه الواقعة؛ لكان الكفار صادقين في تلك الدعوى، ومعلوم أن ذلك غير جائز.
وقد حاول الرازي الجواب عن ذلك، وقال: "كان الكفار يريدون بكونه مسحورًا أنه مجنون أزيل عقله بواسطة السحر، فأما أن يكون مسحورًا بألم يجده في بدنه فذلك مما لا ينكره أحد". [التفسير الكبير للرازي، تفسير المعوذتين].
وقد تلقف هذه الشبهات أو الأقاويل بعض المفسرين المتأخرين، فقال الشيخ رشيد رضا: "زعموا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سحر وأن السحر عمل فيه حتى أتاه جبريل فأخبره فاستخرج السحر وزال عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك العارض.
وقد قال الله تعالى مكذبًا للكفار فيما ادعوه من ذلك للرسول -صلى الله عليه وسلم-: {وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا}. [سورة الفرقان، آية ٨].
قال: ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبًا واستجرارًا إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء والقدح فيها.
قال: والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء -عليهم السلام- وإثبات معجزاتهم، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة، مع قوله تعالى: {وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ}. [طه: ٦٩]. فصدَّق هؤلاء من كذبه الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله. [تفسير المنار ج٩ ص ٥١، ٥٢ نقلًا عن أحكام القرآن، للجصاص، ج١ ص ٦٠].
وتلقف ذلك وغيره صاحب "أضواء على السنة المحمدية" ونقل عن الشيخ محمد عبده وهو يتكلم عن سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يلي: قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها، إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح؛ فيلزم الاعتقاد به وعدم التصديق من بدع المبتدعين؛ لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر.
قال: فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح في نظر المقلدين بدعة؟ نعوذ بالله - يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه -صلى الله عليه وسلم- وعده من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك، مع أن الذي قصده المشركون ظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون إن الشيطان يلابسه -صلى الله عليه وسلم-، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم.
والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به يجب الاعتقاد بما يثبته وعدم الاعتقاد بما ينفيه. وأما الحديث فعلى فرض صحته هو حديث آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون، على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده، أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجة. [الأضواء، لأبي ريه، ص ٣٧٧، ٣٧٨].
وقد رد علماء الحديث هذا الهجوم على الحديث واختاروا ما ذكره الرازي في تفسيره من أن أثر السحر كان جسمانيًا من نوع الأمراض ولا أثر له في علمه -صلى الله عليه وسلم- ولا فكره. [راجع: دفاع عن السنة، للشيخ أبى شهبة. ص ٣٦١-٣٦٤].
والذي يظهر من الحديث أن السحر لم يؤثر في الرسول -صلى الله عليه وسلم- تأثيرًا جسمانيًا أو عقليًا. وإنما أظهر أمامه أشياء تقتضي التأمل، فرغب في معرفة سببها.
وأصل ذلك في القرآن الكريم في قصة موسى -عليه السلام-، قال تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ * فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ}. [سورة طه، الآيتان ٦٧،٦٦].
وفي الحديث: «يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّه كانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ»، والتخييل: رؤية ما يشبه الحقيقة وليس حقيقة. وذلك بفعل الشياطين، فإذا وجهت بما يدفعها إلى الفرار فرت، وزال ما كانت تظهره من الأشياء.
ففي قصة موسى أظهر الجن الحبال تتحرك في صورة الحيات، فلما ألقى موسى عصاه فرت الجن وبقيت الحبال والعصي كما هي، وفي القرآن الكريم: {تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ}. [سورة طه، آية ٦٩]. {تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ} [سورة الأعراف، آية ١١٧]. ولو تلقفت الحبال والعصي لظن الناس أنه سحر أكبر وليس معجزة.
وأخطأ من قال: إن ذلك كان حيلة صناعية باستخدام الزئبق؛ لأن الأعمال الصناعية تعارض بصناعات مثلها. وإطلاق السحر على ما خفي من أمور الكيمياء وضروب الخداع العملي إطلاق مجازي كإطلاقه على
البيان الحسن. [راجع تفسير المنار عند قوله تعالى: {سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ} [الأعراف: ١١٦].
قال الشيخ محيي الدين في الفتوحات: "خيلت السحرة للعامة أن الحبال والعصي حيات ولم تكن كذلك، فأخفى تعالى العصا في روحانية الحية البرزخية، فتلقفت جميع حيات السحرة المتخيلة في عيون الحاضرين، فأبصرت السحرة والناس حبال السحرة وعصيهم التي ألقوها حبالًا وعصيًا، فهذا كان تلقفها لا أنها انعدمت الحبال والعصي، إذ لو انعدمت لدخل عليهم التلبيس في عصا موسى، وكانت الشبهة تدخل عليهم، فلما رأى الناس الحبال حبالًا علموا أنها مكيدة". [الفتوحات المكية، ج ١، ص ١٥٨].
فالتخييل بالسحر يتحقق إذا ظهرت الجن بصورة أحد الناس أو الخلق في حال غيابه للتلبيس، أو أظهرت الشيء بصورة غيره بإخفائه وظهورها بصورة ذلك الشيء، فإذا استعمل الدواء الإيماني الطارد للجن، بطل السحر وظهرت حقائق الأشياء.
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يضع الشيء في موضع، ثم ينظر بعد فترة فيجده في غير موضعه، فيتردد خاطره هل فعل ذلك، أو لا؟ وإذا لم يكن فعله فمن فعله؟ وكذلك يدخل حجرته فيرى إحدى نسائه، ثم يخرج فيراها قادمة من حجرة أخرى فيتردد في خاطره هل خرجت ثم عادت أو لم تخرج؟ وهذه الخواطر لم تؤثر إلا تفكيرًا في مصدر حدوثها، لكنه لم يتجه إلى الله -تعالى- في دفعها إلا بعد أن استمرت فترة، فكشف الله له سبب ذلك وأنه بسبب ما فعله ذلك الرجل من السحر، وفي مسند أحمد: استمر ذلك ستة أشهر. [مسند أحمد ٦/٦٣ عن عائشة].
وقد واجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما هو أعظم من ذلك في صلاته حينما هجم عليه عفريت من الجن بشعلة ضخمة من النيران. وهي نار خيالية لا حقيقة لها في التأثير.
روى مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ عدوَّ اللهِ إبليسَ جاء بشهابٍ من نارٍ ليجعلَه في وجهي، فقلتُ: أعوذُ باللهِ منك ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ قلتُ: ألعنُك بلعنةِ اللهِ، فلم يستأخِرْ ثلاثَ مرَّاتٍ ثمَّ أردتُ أن آخُذَه. واللهِ لولا دعوةُ أخينا سليمانَ لأصبح مُوثَقًا بها يلعبُ به صبيان أهلِ المدينةِ». [صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٤٢)]. وما كان خوف موسى أو اشتغال الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما رآه اعتقادًا بأحقية ما يراه، ولكنه كان خوفًا من السبب الذي أظهر الله به أفعال الشياطين أمامه، وهل ينكشف التخيل عن الحقيقة فتزول الغمة، أو يحدث بسببه من الفتنة ما يحدث؟ فالخوف أو الاهتمام لم يكن بسبب السحر بل بسبب ظهوره للأنبياء.
أما القول بوجود آثار للسحر في جسمه أو عقله فبعيد عن جو الحديث، إنه -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يَا عَائِشَةُ! أَشَعَرْتِ أَنَّ الله أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفَتيْتُهُ فِيهِ ؟»، لقد كان في ذهنه أسئلة عما يظهر من أفعال الشياطين، ما سببه؟ وإلام ينتهي؟ فكشف الله له ذلك على أوضح ما يكون.
وفي الحديث عن عائشة: قلت: أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني الله. لقد كشف السبب فزال تأثيره عند من لم يكن يعرفه، كما ألقى موسى العصا فبطل السحر والساحر.
أما التوجس من أضراره على النفس، فلا يقبل أن يخطر ببال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ}. [سورة البقرة، آية ١٠٢]. وقال لنبيه: {وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ} [سورة المائدة، آية ٦٧].
وقد أدى التخبط في فهم الحديث إلى استمرار التشكيك فيما ورد فيه، وهو ما لا يعذر فيه الباحثون عن مقاصد الحديث.
أما حملهم رواية: «حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ»، على الجماع فغريب جدًا لأن الإتيان أصله القدوم، وحمله على الجماع يحتاج إلى قرينة، وقد قال الحاكم عن الحديث بهذه الرواية: "وهو شاذ بمرة مخرج في الصحيح". [المدخل إلى الإكليل، للحاكم ص ٣٩].
فالاشتغال بتأويل هذه الرواية فيما انفردت به من ذكر إتيان النساء غير مطلوب؛ لأن ما انفردت به غير معتبر في القبول.
ويُنتهى من هذ البحث إلى أن نقد المحدثين يتجه إلى رواية من روايات الحديث أخطأ الراوي في عبارة رواها بالمعنى وخالف الثقات، أو عبارة انفرد بها تردها الأصول.
أما الطعن في حديث ورد كاملًا في الصحيح، أو في باب يشتمل على عدة أحاديث، فهذا لا يعرف عند المحدثين في نقد ما ثبت من الأحاديث. وإن نقد السنة بالعلم القاصر، أو الوهم الكاذب، أو البحث الناقص، لا يهز السنة ولكنه يهز الناقد ويضعه في الموضع الذي ينبغي أن يجاوزه ويخرج منه ليحسب له من العلم نصيب. والله أعلم.
نقد المتن هو: تمييز الأحاديث المقبولة من المردودة بناءً على قواعد نقدية معتبرة، وتشمل هذه القواعد عرض الأحاديث على بعضها، وعرضها على الأصول الشرعية الثابتة، وعلى الوقائع التاريخية، ومخالفة الأحاديث للأصول والقواعد الشرعية، أو ركاكة أسلوبها، مما يؤكد على أن المحدثين أولوا نقد المتن أهمية كبرى، بخلاف ما يدعيه بعض المنتقدين المعاصرين.
يُعرف المتن بأنه النص الأصلي للحديث، وهو الجزء الذي ينتهي إليه الإسناد.
تُعد عملية تصحيح سند الحديث ومتنه جزءًا أساسيًا من علم الحديث، وتهدف إلى التحقق من صحة الروايات من حيث السند والمتن.
المردود من الروايات هو ذلك الباب الذي وقف عليه أئمتنا الكبار، بعيون نافذة وقلوب مخلصة، يذبّون عن حياض النبوة كل ما دخله الخلل في السند أو المتن