وبدء الأمة من
آدم يجعل لقصة الخلق الواردة في القرآن الكريم معنى جليلًا، ولا تكون إقرارًا
لحقيقة أو لواقع فحسب، بقدر ما تكون تأسيسًا لمفهوم يُبنى عليه الاجتماع البشري،
فماذا قالت القصة؟ قالت الحقائق الآتية:
(أ) إن آدم من الأرض، فالأرض إذن أمُّه
وأبوه، ليس هذا شعارًا لدعاة الحفاظ على البيئة، بل جزء من تصديق كلمة الله سبحانه
وتعالى، وكون آدم من الأرض معناه أنه لا بد عليه وعلى أبنائه أن يعاملوها معاملة
الابن للوالدين، وأن العلاقة بينهما هي علاقة البر، وكون آدم من الأرض معناه
المساواة التي ستكون بين بنيه، فهم كلهم لآدم، وآدم من تراب، كما ورد في الحديث
النبوي؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ قَدْ
أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ
تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ،
لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ
جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي
تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ». [أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٣٦١) حديث (۸۷۲۱)، وأبو داود في كتاب تفسير القرآن باب "ومن
سورة الحجرات" حديث (۳۲۷۰)، وفي كتاب "الأدب" باب "في
التفاخر بالأحساب" حديث (٣٩٥٥)، (٥١١٦)، والترمذي في كتاب "المناقب"
باب "في فضل الشام واليمن" حديث (٣٩٥٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
(والجُعلان هي الخنافس).
وكون آدم من
الأرض معناه: أنه سيعود إليها، وأن حياته هنا محدودة بالموت، ولذلك فهي دار ابتلاء
واختبار وتكليف، وليست دار خلود وتشريف، قال سبحانه: ﴿مِنۡهَا
خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِیهَا نُعِیدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ [طه: ٥٥]، وكون آدم من الأرض يقتضي أنه محتاج إلى
غيره، وليس قائمًا بنفسه، وهو معنى قولهم: (لا حول ولا قوة إلا بالله) التي ورد في
الحديث أنها كنز من كنوز الجنة، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ:
«يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ»، أَوْ قَالَ: «أَلَا
أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا
قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» [متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب "الدعوات"،
باب "الدعاء إذا علا عقبة"، حديث: (٦٣٨٤)، ومسلم في كتاب "الذكر
والدعاء التوبة والاستغفار"، باب "استحباب خفض الصوت بالذكر"، حديث:
(٢٧٠٤)]؛ حيث تدل هذه الكلمة على حقيقة وجود الإنسان في الأرض، وحقيقة سعيه فيها.
(ب) إن آدم قد نُفخ فيه من رُوح الله سبحانه
وتعالى، ورُوح الله مخلوق راقٍ من مخلوقاته، فرُوح الله مضاف ومضاف إليه، والإضافة
فيها للقداسة، مثل قولنا: (بيت الله) و(رسل الله) قال تعالى:
﴿فَإِذَا
سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِینَ﴾ [الحجر: ٢٩].
(ج) إن آدم قد
سجدت له ملائكة الرحمن، مما يدل على تكريمه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ
كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ
وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ
خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٧٠].
(د)
إن آدم يمثِّل الخير في أصله، في مقابلة الشر الذي عند إبليس، ولذلك من تشبَّه
بآدم فهو خير، ومن انحرف وخالفه وتشبَّه بإبليس فهو شر؛ قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا
ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّیۡطَٰنِۚ وَمَن یَتَّبِعۡ
خُطُوَٰتِ ٱلشَّیۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ یَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ﴾ [النور:
٢١]،
وقال سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِی
ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلࣰا طَیِّبࣰا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّیۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ
لَكُمۡ عَدُوࣱّ مُّبِینٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
(هـ) فآدم إذن هُدي
النجدين؛ قال الله تعالى: ﴿وَهَدَیۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَیۡنِ﴾ [البلد:
١٠]؛
أي: طريق الخير، وطريق الشر.
(و)
آدم إذن شُرِّف وكلِّف؛ قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا
ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَیۡنَ أَن
یَحۡمِلۡنَهَا وأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ﴾ [الأحزاب:
٧٢].