وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
ولقد تأثر المسلمون في كتابة أدبياتهم بفكرة النسبي والمطلق، فنراهم يبدعون بالإقرار بالإيمان بالمطلق، وبما يؤدي إليه ذلك الإيمان من الإيمان بالله وبرسله وبالقيم السامية العالية التي شرحناها من قبل، ويتمثل ذلك في بدايات الكتاب بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) والتي نحت منها في لغة العرب كلمة (البسملة) للدلالة عليها؛ حيث كثر استعمالها في البدايات، ثم يتبعون ذلك بـ (الحمد لله رب العالمين) وتفننوا في صياغات الحمد كثيرًا، ثم يذكرون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ويعللون ذلك وهم يشرحون كلامهم بأن في هذا -البدء بالبسملة والحمدلة- اقتداء بالكتاب الكريم، حيث بدأ بفاتحة الكتاب بقوله تعالى: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِیمِ * ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الفاتحة: ١-٢]، ولقوله ﷺ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» [ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٥٦) وعزاه لأبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وحسنه، ولكن في "سنن أبي دواد" المطبوع في كتاب "الأدب" باب "الهدي في الكلام" حديث (٤٨٤٠) بلفظ: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» من حديث أبي هريرة أيضًا]، وفي رواية: «بِحَمْدِ اللهِ» [أخرجها النسائي في "السنن الكبرى" ( ٦/١٢٧) حديث (۱۰۳۲۸) ، وابن حبان في "صحيحه" (۱/۱۷۳)، والدارقطني (١/٢٢٩) والبيهقي في "السنن الكبرى" (۳/ ۲۰۸) حديث (٥٥٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، وفي رواية: «ذِكْرُ اللَّه». [ أخرجها الدارقطني (۱/۲۲۹) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجها عبد الرزاق في "مصنفه" (٦/۱۸۹) حديث (١٠٤٥٥)، ومعمر بن راشد في "الجامع" (۱۱/ ١٦٣) من حديث رجل من الأنصار يرفع الحديث].
وذكر الصلاة على النبي ﷺ امتثالًا لقوله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰۤئِكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وطلبًا للثواب العميم الذي ورد في قوله: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» [أخرجه مسلم في كتاب الصلاة باب "الصلاة على النبي ﷺ" حديث (٤٠٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، وأداء الواجب النبي ﷺ في نفوسنا من تعظيمه وتوقيره وحبه.
وفي أثناء مقدمات الكتب التي ينبغي أن تتم فيها دراسة واعية للبدء بهذا الإقرار، أعني الإقرار بالمطلق، يذكرون قضية الخلق، والكون من حولنا، ويذكرون نعمة الله علينا بالتعلم، وبالأمر والنهي والتكليف، ويذكرون شيئا من هموم الدنيا وعوارضها وشواغلها ومشاغلها، ويقرون بمحدودية الإنسان وبضعفه، وبأنه يحتاج أن يضيف الاستغفار مع طلب المعونة والتوفيق إلى ذلك الحمد الذي بدأ به، وقد يقرون مع ذلك بالشهادتين كمدخل معرفي يربط ما يقولونه من نسبي بما يؤمن به من مطلق.
وتراهم يقولون في نهاية اجتهادهم أو بحثهم "والله تعالى أعلى وأعلم" أو "والله أعلم" وهي كلمة حكيمة تدل على أمور، منها: أنه يعلن أن علمه محدود، وأن حواسه التي تتلقى الواقع من حوله محدودة، وأن الدماغ الذي هو محل التفكير وأداته محدود كذلك، ومعنى هذا أنه مع اجتهاده وتعامله مع الواقع وبحثه يعترف بأنه محدود، ويبدو أن الذات لا تتضخم حينئذ ولا يغتر الإنسان بما قد توصل إليه، ويترك فرصة كبيرة من ورائه لقضايا القطع واليقين والجزم في مقابلة قضايا الظن.
ومن حكمة هذه المقالة أيضًا أن ذلك العالم عنده استعداد لتغيير ما قد يكون قد أخطأ فيه، وأنه يرجع عنه فورًا إذا ما تبين له الحق بالبرهان، وأنه يعلن أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة؛ ولذلك فإنه لا يحترق أبدًا كما ذهب إليه بعضهم، ومن حكمة هذه المقالة أيضًا أنه يُرجع العلم إلى أهله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم كما في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ [العلق: ٥]، وفي قوله تعالى : ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا﴾ [طه: ١١٤]، وفي قوله تعالى : ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ وَیُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، بل في أصل الخلقة حيث يقول: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
ورد العلم إلى الله يفيد فائدتين عظيمتين: الأولى: مستوى التفكير المستنير الذي يربط ظواهر الحياة بحقائقها، وهي أن هذه الدنيا مخلوقة لخالق، وأن الله سبحانه وتعالى لم يدعنا بعد ما خلقنًا عبثًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثࣰا وَأَنَّكُمۡ إِلَیۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، والفائدة الثانية : فائدة نفسية ترجع إلى العالم نفسه الذي يزداد تواضعًا لله كلما ازداد علمه، والذي يعلم عن يقين معنى قوله تعالى: ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِی عِلۡمٍ عَلِیمࣱ﴾ [يوسف: ٧٦]، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ومن الحكم أيضًا لهذه المقولة العظيمة أن العالم يترك مساحة للبحث بعده من غيره من العلماء.
وهذه المعاني السامية التي أحاطت بقول العلماء "الله أعلم" قد تجاوزها كثير من المتصدرين بغير علم فيما لا يعنيهم، والذين نصحهم رسول الله ﷺ فقال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [أخرجه الترمذي في كتاب "الزهد" باب "فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس" حديث (۲۳۱۷) ، وابن حبان في "صحيحه" (١/٤٦٦) حديث (۲۲۹) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، فترى هؤلاء يتصدرون لكل أنواع المعرفة من غير علم، ويظنون أنهم إذا أنهوا كلامهم بقولهم "والله أعلم" قد نجّاهم ذلك من المسئولية ومن الحساب أمام الله، والأمر ليس كذلك، بل إن الله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى مسئولية الكلمة، وإلى أهميتها، فقال رسول الله ﷺ: «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ»،[ أخرجه الترمذي في كتاب "الزهد" باب "ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ" حديث (۲۳٦۹)، وأبو داود في كتاب "الأدب" باب "في المشورة" حديث (٥۱۲۸) ، وابن ماجه في كتاب "الأدب" باب "المستشار مؤتمن" حديث (٣٧٤٥) ، (٣٧٤٦) من حديث أبي هريرة ، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"] ، وقال أيضًا: «مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» [أخرجه أبو داود في كتاب "العلم" باب "التوقي في الفتيا" حديث (٣٦٥٧)، والحاكم في "المستدرك" (۱/ ١۸۳ - ١٨٤) حديث (٣٤٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
وتراهم في كتبهم - حتى في دقائق المسائل - قد راعوا قضية المطلق والنسبي بصورة علمية دقيقة، خاصة من خلال اللغة فيما هو وصلة بين الخالق والمخلوق، فتراهم يقررون أنه يجب أن نخرج الذات العلية - سبحانه – عن سياق الكلام عن الأكوان، وأن يختص سبحانه ويستثنى مما تقتضيه استعمالات ألفاظ اللغة، يؤيد ذلك قول الشيخ الأمير: "و الاسم الكريم حقيقة، وقال في الإتقان الأعلام واسطة بين الحقيقة والمجاز، وكأنه لاحظ أنها ليست من موضوعات اللغة الأصلية، ولا يخفاك أنها لا تضعف عن اصطلاح التخاطب، والظاهر عدم المجازية فيه بوجه من الوجوه، ولو قلنا إنه كلي وضعًا وإنه في الجزئي - باعتبار خصوصه - مجاز؛ إذ لا مانع من استثناء أسمائه تعالى، وتخصيصها بمزايا كما جعلوا تعريف علميته فوق الضمير ... إلى غير ذلك" اهـ.[ حاشية الأمير على شرح الملوي على الاستعارات في شرح البسملة ص٣].
وكذلك ما ذكر في حاشية الشيخ حسن العطار حيث قال: "أما باعتبار كون مدلول لفظ الجلالة ذات الرب تبارك وتعالى، وكذلك الرحمن الرحيم - فمما يجب صون اللسان عن الكلام فيه من مثل هذه الأمور؛ فإن المقولات أجناس عالي الجوهر والعرض، والواجب تقدس وتعالى يستحيل اتصافه بواحد منهما" اهـ. [حاشية الشيخ حسن العطار على شرح المقولات لشيخه أحمد السجاعي ص ٣].
فيا ليتنا نقرأ تراثنا بطريقة جديدة تمكننا من استخراج كنوزه، والاستفادة منها، مع إدراكنا التام للواقع المعيش والمقتضيات الحياة المعاصرة؛ فلعل ذلك يعيد إلينا شيئًا من إنسانيتنا، ولعل ذلك يعيد إلينا شيئًا من التفكير المستقيم. (يتبع)
إن إدراك الفارق بين المطلق الإلهي والنسبي البشري في تراثنا يمثل صمام أمان للفكر المستقيم، مما يستوجب إعادة قراءة هذا الكنز المعرفي برؤية معاصرة تستعيد للإنسان تواضعه العلمي وتمنحه أدوات التفكير الرصين لمواجهة تعقيدات الحياة.
يقوم العقل المسلم على التمييز الدقيق بين الذات الإلهية المطلقة، والقيم الثابتة وبين المتغيرات النسبية المرتبطة بالزمان والمكان.
يرتكز فهم النص القرآني على الانضباط اللغوي الذي يجمع بين ثبات "المعنى الأصلي" ومرونة "المعنى التابع".
تُعد قيمة العدل في التصور الإسلامي حقيقة مطلقة عابرة للزمان والمكان والمجالات.