وقد
أخطأ بعض الباحثين عندما يطلبون في القصص القرآني أن يستكمل أركان القصة بالمعنى
المُحدَث التي هي مستمدة من الخيال ومبنية على قواعد فنون الكتابة [انظر: تاج العروس واللسان والمصباح المنير والمعجم
الوسيط في هذه المادة]؛ وذلك لأنهم لم يفرقوا بين القصة
بمعنى الحكاية والقصة بمعنى الخبر المحدث به على وجهه، والثاني هو المراد في القصص
القرآني؛ لأن الأشخاص والزمان والمكان ليست بالضرورة أركانًا للخبر المحدث به.
فقد
يبهم المكان والزمان، كما في قوله تعالى: {وَجَاۤءُوۤ أَبَاهُمۡ عِشَاۤءࣰ یَبۡكُونَ} [سورة يوسف ١٦].
وقد
يبهم الزمان، كما في قوله تعالى: {ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ} [سورة يوسف ٩٩].
وقد
يبهم الشخص أو الأشخاص، كما في قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ} [سورة القلم ١٧].
فالذي
يجب وجوده في القصص القرآني هو الحدث والعبرة، أما بقية عناصر القصة المُحدثَة
فإنما توجد بحسب الحاجة إليها وأهميتها في القصة (الخبر)، فلو كان للشخصية مدخل
كبير في الحدث فإنها تُذكر كمريم - عليها السلام - في قصتها، والهدهد في قصة سبأ،
وكثيرًا ما تأتي الشخصية بصورة التنكير كما في قصة النملة، لأن الحدث مبناه منطق
النملة وسماع سليمان عليه السلام لها.
وقد يهتم بإبراز الزمان كما في قصة أهل الكهف في
قوله تعالى: {وَلَبِثُوا۟ فِی كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِا۟ئَةࣲ سِنِینَ وَٱزۡدَادُوا۟ تِسۡعࣰا} [سورة الكهف ٢٥] وكذلك
في قوله تعالى: {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ}
[سورة البقرة ٢٥٩] فالزمان المذكور إنما يُذْكَر بمقدار ما يحتاجه
الحدث، وكذلك المكان كمصر والأحقاف والكهف وهذه تعدُ الميزة الأولى في
القصص القرآني التي تميزه عن سائر القصص.
أما
الميزة الثانية للقصص القرآني فهي الواقعية الصادقة الحقة، فليس
فيه شيء من نسج الخيال والأساطير، أو ما يكذبه الواقع أو التاريخ، وسواء في هذا
الصدق ما جاء لضرب المثل أو لم يكن كذلك، وإن جَوَز بعض علمائنا التقدير في الأول
في المثل مع احتمال التحقيق، منهم: العلامة أبو السعود العمادي في قصة
القرية الآمنة في سورة النحل
[انظر: تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم أول آيات هذه القصة (جـ٥
صـ ١٤٤)]، وفي قصة الرجلين [السابق نفسه في أولى آيات هذه القصة (ص ٢٢١)]، ولكن
هذا لا يصح فإن مجرد القراءة بدون تأمل تكشف زيف احتمال التقدير في القصتين؛ ولكن
العلامة أبا السعود لم يكن يعلم أن خبث الطوية سيدفع بعضهم إلى ادعاء تبني الإسلام
للأساطير متبعين في ذلك خطوات أعداء الإسلام.
وثالثة هذه الميزات تغيي القرآن في
قصصه أسمى الغايات، فلا يستهدف كغيره من القصص الترويح
ولا الإيناس حتى ولو طلب بعض أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم ذلك، فيردهم القرآن
عن ذلك بقوله تعالى: {نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ} [سورة يوسف ٣]، وكذلك عندما قالوا له: لولا حدثتنا،
فنزل قوله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِیثِ كِتَٰبࣰا مُّتَشَٰبِهࣰا} [سورة الزمر ٢٣]، ورويت
روايات أخرى في سبب نزول الآية - مع التسليم بفرض صحتها - نجد أن الصحابة إنما
سألوا ذلك لدفع الملال، فدلهم - سبحانه - على أحسن القصص، وكذلك لا يقصد القصص
القرآني سرد الأحداث التاريخية لمجرد ذكر التاريخ أو المساهمة في دراسات العمران
البشري بل يقصد ما هو أسمى، وهو وضع المعيار لما يجب أن يكون وكيف تكون عاقبة من
يخالفه.
ولقد
استوفى صاحب (التحرير والتنوير) المزيد مما ذكرنا من ميزات القصص القرآني
فقد ذكر أن القصص القرآني لا تقف أهدافه عند العبرة والعظة مما يقع لأهل الصلاح
وأهل الفساد وعاقبة كل، بل يتعدى ذلك ليأخذ من كل قصة أشرفها وأسماها ليكون منزهًا
عن التفكه؛ ولذلك تأتي القصص متفرقة على غير سنن كتب التاريخ لتناسب الفوائد
العظيمة في كل موضع، وهذا يجعل القصة القرآنية تكتسب صفتين هما: صفة البرهان
وصفة البيان.
وذُكر
من ميزات القصص القرآني نسجه على أسلوب الإيجاز يجعله شبيهًا بالتذكير أقوى، مثال
ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ * بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ * قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ} [سورة القلم ٢٦-٢٨]، فجاء قوله
لهم موجزًا ليناسب مقام التذكير.
ومن
ميزاته أيضًا التي ذكرها: طي ما يقتضيه الكلام الوارد في قوله
تعالى: {وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ} [سورة يوسف ٢٥] فقد طوى حضور سيدها وطرقه للباب
وإسراعهما إليه لفتحه.
ومن ميزاته أيضًا: أنه –
أي القصص - مثبت بأسلوب بديع إذ ساقها في مظان الإيقاظ مع المحافظة على الغرض
الأصلي من التشريع فتوفرت في ذلك عشر فوائد:
الأولى:
كانت غاية علم أهل الكتاب نقل أخبار الأولين،
فلما جاء القرآن بقصصه متحديًا ومعجزًا لهم؛ لأن هذه الأخبار كان لا يعلمها إلا
الراسخون في العلم منهم، فقال تعالى: {تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ }
[سورة هود٤٩] فنفى عن المسلمين صفة الأمية التي ادعتها
اليهود، وصفة الجهل التي ادعتها النصارى.
الثانية:
تكليل هامة التشريع الإسلامي بذكر تاريخ
المتشرعين وذلك من أدب الشريعة؛ لأنه لا يتعرض لقصص السابقين إلا لذكر ثبات
إيمانهم وصبرهم، كما ذكر في قصة أهل الكهف، ولا يذكر نسبهم ولا حسبهم.
الثالثة:
فائدة ظهور المثل العليا في الفضيلة وزكاء النفوس
كفائدة من التاريخ وترتب الأحداث والعلاقة بين التعمير والتخريب والشر والخير.
الرابعة: عظة
المشركين بإعلام ما حدث لأسلافهم ليعودوا لربهم: {فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الأعراف ١٧٦]
الخامسة:
استخدام القصص القرآني الأسلوب التوصيفي والمحاورة الذي لم يعتده العرب، فهم
يعترفون بأنه أسلوب بديع ولكنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله.
السادسة: توسيع
علم العرب الذين كانوا يتصفون بالجهل والأمية باطلاعهم على أحوال الأمم السابقة
ليساعدهم ذلك في تطهير أخلاقهم وتهذيبها.
السابعة: تعويد
المسلمين على سعة العالم وعظمة الأمم، والاعتراف لكل ذي حق بحقه، فإذا علمت الأمة
ذلك جمعت ميزات هذه الأمم وما يلائم حياتها.
الثامنة: إنشاء
همة السعي إلى سيادة العالم في نفوس المسلمين كما سعت إلى ذلك أمم سابقة.
التاسعة: معرفة
أن قوة الله فوق كل قوة فيساعد ذلك المسلمين على التمسك بوسيلتي البقاء الاستعداد
والاعتماد، وهما وسيلتا السلامة.
العاشرة: تحصيل
الفوائد التبعية مثل معرفة تاريخ التشريعات والحضارات، مما يفيد في الإلمام بفوائد
المدنية، كعلمنا مثلًا بأن الشريعة القبطية كان يسترق فيها السارق من قصة يوسف في
قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ} [سورة يوسف ٧٦]..