Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حجية السنن الإلهية: (في رحاب القرآن الكريم)

الكاتب

أ.د مصطفى الشكعة

حجية السنن الإلهية: (في رحاب القرآن الكريم)

القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم، بتحدّيه للفصحاء وإعجازه البياني والتشريعي والأخلاقي، والذي حفظه الله من التحريف وجعله هاديًا للبشر، وقد شهد بجلاله كبار العرب قبل الإسلام، فأقرّوا أنه فوق قدرات البشر وبلاغتهم.

التعريف بالقرآن ومكانته

القرآن كلام الله سبحانه وتعالى: {لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ}[فصلت: ٤٢]، ومنه تستمد الأحكام في نطاق العقيدة والشريعة، وفي أعطافه تنظيم أحوال الخلق في دنياهم وأخراهم، لأنه سبيل الهداية ومنهج الرشد، وقد جعله الله تعالى آية على صدق رسوله -صلى الله عليه وسلم- في الرسالة الخاتمة التي حمَّلها الله إياه في كمال صدقه وإعجاز وسطيتها، وتمام إبلاغها عن رسالات الله إلى من سبقه من الأنبياء والمرسلين، وكُتبِهم التي أنزلها الله عليهم، وأخبارهم مع من آمنوا معهم ومن كفروا برسالة خالقهم: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ} [البقرة: ١٤٣]، والقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى التي عليها بُنِيت رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم، وهي الرسالة الخالدة الخاتمة طبقًا لنص الآية الكريمة: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩] هذا المعنى يردده عدد من العلماء الذين عنوا بالدراسات القرآنية، ونعني به المعجزة الكبرى أو الوحيدة، ويضيفون القول: بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أُيِّد بمعجزات كثيرة إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات وأحوال ومناسبات خاصة، ونقل بعضها متواترًا وبعضها نقل نقلًا خاصًّا (هكذا)، ثم يضيف هذا الفريق قائلًا: وأما القرآن فهو معجزة عامة، ولزوم الحُجة به باق من أول ورودها إلى يوم القيامة [تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، المقدمة العاشرة صفحة ١٠٢].

 وهذا القول فيما يتصل بمعجزة القرآن الكريم صواب لا يحتمل الجدل أو النقاش، ولكن ثمة خشية فيما يتصل بالمعجزات الأخرى الكثيرة، أن يؤدي ذلك إلى التقليل من شأنها أو التهوين من قيمتها مثل معجزات النصر ومعجزة الإسراء والمعراج خصها المولى بسورتين كاملتين هما سورة الإسراء وسورة النجم، على النحو الذي سوف نعرض له في الفصول القادمة من هذه الدراسة بإذن الله.

تزْكية القرآن وتقديسه من خلال آيات القرآن

إن الله سبحانه وتعالى والقرآن وَحْيُه وكلامه - يزكي كتابه العزيز في كثير من الآيات، ويرفع من قدره مع التسليم بتلك الحقيقة من رِفْعة القدر في آيات أخرى كثيرة، ويجعل منه قَسَمًا -بفتح السين- على صدقه في مواقع عدة، ثم يتحدى الذين لم يؤمنوا به بآيات تخذلهم وتسفه كفرهم به، الأمر الذي يفحمهم ويؤدي إلى إيمان فريق كبير منهم بصدقه وقدسيته، وأنه كلام منزل من رب العالمين، وإن كل من يمسك المصحف بيديه يقع بصره أول ما يقع على قول الله جل وعز: {إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ * فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ * لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ[الواقعة: ٧٧-٨٠].

 في هذه الآيات الأربع القصيرة شحنة نفسية من تكريم رب العالمين وتعزيزه وتقديسه لكتاب رب العالمين، فلا يمسه إلا المطهرون الأمر الذي نزّه الله به كتابه العزيز من أن يمسه بيديه إنسان على غير طهارة لأنه تنزيل منه نفيس كريم، ولما كان القرآن الكريم كتابًا ربانيًّا يهدي من الضلال إلى الإيمان ومن الشك إلى اليقين، فإن هذه القيم تجيء واضحة جلية في قول الحق سبحانه: {إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا} [الإسراء: ٩].

 وفي السورة نفسها تتكرر النفحات الإلهية في تعزيز القرآن الكريم ووصفه بأعز وصف وأكرم توصيف في قوله جلّ وعزّ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا} [الإسراء: ٨٢]، ويتولى التعزيز الإلهي في بلاغة إعجازية؛ لتثبيت النفحات الربانية التي تضمّنها الكتاب العزيز حاملة الإنذار لسكان مكة ومن حولها، لأن القرآن الكريم نزل أول ما نزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- في غار حراء في جبل النور في الطرف الشمالي لمكة، فيقول الحكيم الخبير سبحانه: {وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: ٩٢].

الإعجاز البلاغي للقرآن وحجّية الوحي

إن أهل مكة ومن حولها عرب خلص ذوو بلاغة، وأصحاب فصاحة وأرباب بيان، يتذوقون حسن القول، ويتعشقون بديع الكلام، فقد شاءت إرادة الخالق منزل الكتاب أن يغلق على أهل مكة كل باب ينكرون من خلاله صدق القرآن، وأن يسقط كل حجة يتذرعون بها للشك في جلالة هذا الوحي، الذي يسمعونه من محمد الذي أجمعو على وصفه بالأمين، فجاءت الآية الكريمة ملبّية لملكاتهم البليغة فيما لو صدقوا النية، ولسجيتهم الفصيحة متى أخلصوا العزم قال عز وجل: {كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ* بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ} [فصلت: ٣-٤]، وقد شاءت الإرادة الإلهية أن تكون هذه الآيات الثلاث مسبوقة بتوكيد إلهي بأن هذا الكلام منزل من عند الله، وذلك في قوله تعالى: {تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [فصلت: ٢]، ولتمكين هذه الحقائق في أسماع كفار قريش، المعروفة بالفصاحة وذلك بشهادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال له أبو بكر الصديق متسائلًا: ما رأينا الذي هو أفصح منك يا رسول الله!! فكانت إجابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على تساؤل أبي بكر: «لِأَنِّي وُلِدتُ فِي قُرَيْش وَرُبّيتُ فِي بَنِي سَعْد» والمعنى النبوي: أن كلًا من قريش وبني سعد أفصح القبائل، وكانت نشأة رسول الله فيهما طفلًا وصبيًّا في الأولى وشابًّا ويافعًا ثم كهلًا في الثانية، ومن هنا كان وصْف القرآن في الآية الكريمة: {قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا} حجة على قريش وتحديًا غير مباشر لفُصَحائهم بخاصة، ولجمهرتهم بعامة.

ويتكرر في الكتاب العزيز التوصيف الإلهي للقرآن الكريم بأنه منزل بالعربية في قول الله جل وعز: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ[يوسف: ٢]، وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} [الزخرف: ٣]، وقد استهلت سورة الزخرف التي وردت فيها هذه الآية بقسم عظيم هو قوله تعالى: {حمٓ *وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} [الزخرف: ١-٢]، ثم كانت الآية التالية: {إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ والآيتان الأخيرتان: آية يوسف وآية الزخرف متشابهتان شكلًا وصوغًا، متباينتان هدفًا وغرضًا، فآية يوسف: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} فيها تحدّ غير مباشر لكفار قريش وأما آية الزخرف فهي: {إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ}، ولفظ جعلناه يحمل تحديًا مباشرًا لمنكري أن الكتاب العزيز منزل من عند الله رغم القسم الإلهي بـ {ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ}.

القرآن كتحدٍّ للمشركين والكفار

أما وقد استبد المخاطَبون من العرب بفساد الرأي، وقبح الإنكار، فقد تحداهم منزل الكتاب سبحانه أن يعارضوه بما يماثله بلاغة أو يعدله حكمة وبيانًا، فنزل قوله عز وجل: {أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ *فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ} [هود: ١٣-١٤]، فلم يستجيبوا بطبيعة الحال، ليس عنادًا وعصبية هذه المرة، ولكن عجْزًا وقصورًا وخذلانًا، فيعطيهم منزل الكتاب العلي الكبير مزيدًا من التيسير بعد أن يعطيهم مزيدًا من التأكيد على أن الكتاب كتابه، وأن الكلام  كلامه فيوحي إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [يونس: ٣٧-٣٨]. 

 ثم يتبع المولى هذه الحجة البالغة بحجة أخرى تخرس الكفار فيما يخرصون وتلجم ألسنتهم عما يكذبون فينزل قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [البقرة: ٢٣]، ثم تتم الآية التالية كمال صيغة التحدي بقوله عز وجل: {فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: ٢٤]. 

 ويجتهد القاضي عياض -إمام المغرب- في تعليل إنكار المنكرين بقوله: "فلم يزل يقرعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته محجومون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتكذيب والإغراء والافتراء وقولهم: {إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ} [المدثر: ٢٤]، و{سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ} [القمر: ٢]، و {إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ} [الفرقان: ٤]، و {أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} [الفرقان: ٥]، وقد قال تعالى: {فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ}، فما فعلو وما قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمُسَيْلَمَة كشف عواره لجميعهم، ولما سمع الوليد بن المغيرة -وهو من فصحائهم- قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ} [النحل: ٩٠] قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر.

وذكر أبو عبيدة أن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: {فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ} [الحجر: ٩٤]، فسجد، وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام، وكان موضع التأثير في هذه الجملة هو كلمة "اصْدَع" في إبانتها عن الدعوة والجهد بها والشجاعة فيها، وكلمة "بما تؤمر" في إيجازها وجمعها.

 وسمع آخر رجلًا يقرأ: {فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ} [يوسف: ٨٠] [الضمير في استيأسوا يعود على أخوة يوسف]، قال: "أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذ الكلام" [كتاب الشفا للقاضي عياض صفحة ٥٦].

 وفي مقام إعجاز القرآن وحقيقة كونه لا يماثله كلام بشر، وأنه كلام رب العالمين الذي لا يجاريه كلام مخلوق، الحديث الذي تمثل به الشيخ ابن عاشور في المقدمة العاشرة: ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «قالَ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} قالَ اللَّهُ تَعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: {ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} قالَ اللَّهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: {مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، فإذا قالَ: {إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ} قالَ: هذا بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: {ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} قالَ: هذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَأَلَ» [تفسير التحرير والتنوير: المقدمة العاشرة صفحة ١٠٨].

 وفي تلك الدراسة القيمة التي أعدها الشيخ الطاهر بن عاشور عن إعجاز القرآن وعن كونه كلام الله، وليس كلام بشر، يضرب أمثلة عديدة لشهادة بعض عتاة الكفر قبل أن يُسلموا مثل الوليد بن المغيرة -وقد أوردنا له فيما سلف وصفًا للقرآن- ومثل عتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث وغيرهم.

وكان الوليد بن المغيرة يذهب متخفِّيًا بليلٍ إلى بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتسمع تلاوة الرسول للقرآن الكريم -وكذلك يفعل أقرانه دون أن يخبر أحدهم زميله للغرض نفسه- فلما استمع الوليد إلى قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والله ما هو بكاهن، وما هو بزمزمته ولا سجعه، وقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه، وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر".

 وكذلك فعل أُنَيْس بن جنادة الغفاري أخو أبي ذرّ حين اتجه إلى مكة ليسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخبر أخاه أبا ذرٍّ بما سمع، وكان أبو ذر مشوقًا إلى سماع خبر عن القرآن من مصدر يثق به، وعن محمد الذي يتنزل عليه هذا القرآن، فعاد أُنَيْس إلى أخيه ليخبره بما سمع فقال: "لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر -أي طرقه- فلم يلتئم، وما يلتئم على لسان واحد بعدي أنه شعر"، فأسلم أنيس وأبو ذر [المصدر السابق صفحة ١١٤]، وكان من شأن أبي ذر ما كان من اقترابه من رسول الله، ومن حب رسول الله له ما قد امتلأت به كتب السيرة والصحاح من كتب الحديث.

  لقد برع العرب حين نزول القرآن في فنون الأدب التي كان الشعر أهمها شأنًا وأخطرها أثرًا، كانت لهم الفصاحة في الخطب والأمثال والمحاورات، فجاء القرآن بأسلوب جديد صوغًا ومحتوى صالحًا لأغراض الحياة كلها تضَمَّن الجديد من أغراض فنون القول جميعًا: الخطابة والحوار والجدل والقصص والرواية والأخبار عن الأولين وضرب الأمثال وتربية المجتمع الإسلامي تربية رفيعة تصلح شأنه في الدنيا وتسعد مصيره في الآخرة.

الرد على الشبهات حول الإعجاز

لقد آمن العرب جميعًا بإعجاز القرآن لأنه كلام الله، كما اعترفوا بعجزهم من محاكاته أو الإتيان بآية واحدة من مثله على النحو الذي فصلناه فيما سلف من قول، ولكنّ فريقًا ممن دخلوا في الإسلام، أكثرهم من غير العرب -وإن كان الإسلام لا يفرق بين عربي وأعجمي- أطلقوا على أنفسهم "أهل العدل" وعُرِفوا بالمعتزلة، اخترعوا فرية حول إعجاز القرآن الكريم أطلقوا عليها "الصَّرْفة" ومعناها أن القرآن ليس معجزًا بذاته، ولكن سبب إعجازه أن الله صرف العرب عن أن ينشئوا مثله، وهو رأي فاسد، ومذهب قبيح، فيه تطاول على القرآن الكريم، ومنزل القرآن الكريم سبحانه وتعالى، وذهبت هذه الفرقة من القرآن مذاهب شتى، وابتدعوا فتنة عُذِّب بسببها عدد كبير من كبار علماء المسلمين ومات بعضهم في السجن، وهذه الفتنة عرفت بفتنة "خلق القرآن" وتبناها ثلاثة من خلفاء بني العباس وبعض من شايعهم ولكن الله لطف بكتابه وبالمؤمنين من عباده، والمتقين من علماء دينه، فلم تستمر بفتنة طويلًا، بل إن المذهب نفسه أصابه الانحلال وانفض المؤمنون عن المنادين به، ولم يبق منه إلا القليل في فكر عدد محدود من علماء المسلمين المعاصرين، فالقرآن إذن هو كلام الله الذي جعله آية على صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- في حمل الرسالة الخاتمة التي حمّلها المولى إياه والقيام بتبليغها إلى الخلق كافة.

تأثير القرآن على غير العرب

إن القرآن معجز للبشر كافة إعجازًا مستمرًّا موصولًا على مر العصور وكرّ الدهور؛ ومن جملة ما شمله قول أئمة الدين: إن القرآن هو المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية. [تفسير الشيخ الطاهر بن عاشور المقدمة العاشرة صفحة ١٠٥].

 ولقد تحقق ذلك في زماننا هذا بقدر ملحوظ، ذلك أن عددًا غير قليل ممن قرأوا ترجمات معاني القرآن إلى لغاتهم قد آمنوا بقدسيته وأعلنوا إسلامهم وعملوا في بلدانهم في مجال التبشير بالإسلام، ويشاركوننا في مؤتمراتنا وندواتنا الإسلامية مشاركة فاعلة ولهم الأجر من الله على دعوة قومهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

 وما أطيب أن نختم هذا الفصل من الحديث عن بعض معالم القرآن الكريم بقول الله -منزل القرآن- عز وجل: {وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} [المائدة: ٤٨].

الخلاصة

القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي أُيِّد بها النبي -صلى الله عليه وسلم، وقد تميّز ببلاغةٍ تَعْجَز عنها الفصحاء، وتَحدّي العرب أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، وقد حفظه الله من التحريف، وجعله مصدر هداية وتشريع وتنظيم لحياة البشر، وحمل في أسلوبه ومضمونه ما يعلو على فنون القول المعروفة، وتضمّن إعجازًا لغويًّا وتشريعيًّا وأخلاقيًّا، شهد بروعته كبار فصحاء العرب قبل إسلامهم، وأقروا أنه ليس من كلام البشر.

موضوعات ذات صلة

من القضايا العلمية المعاصرة التي تحدث عنها القرآن الكريم، وسبق العلم الحديث من حيث الإشارة إليها، وتفسيرها من منظور إسلامي

تحدث القرآن الكريم عن الإعجاز العلمي، مُبينًا أن الرؤية تعتمد على انعكاس الضوء من الأجسام

لم يكن إعجاز القرآن الكريم في عجز البشر على الإتيان بمثله لما تحداهم الله بذلك بل تخطى حد الإعجاز ليشمل الإعجاز البياني والإعجاز العلمي والإعجاز الغيبي

موضوعات مختارة