أما
وقد استبد المخاطَبون من العرب بفساد الرأي، وقبح الإنكار، فقد تحداهم منزل الكتاب
سبحانه أن يعارضوه بما يماثله بلاغة أو يعدله حكمة وبيانًا، فنزل قوله عز وجل: {أَمۡ
يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ
وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ *فَإِلَّمۡ
يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن
لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ} [هود: ١٣-١٤]، فلم يستجيبوا بطبيعة الحال، ليس
عنادًا وعصبية هذه المرة، ولكن عجْزًا وقصورًا وخذلانًا، فيعطيهم منزل الكتاب العلي
الكبير مزيدًا من التيسير بعد أن يعطيهم مزيدًا من التأكيد على أن الكتاب كتابه،
وأن الكلام كلامه فيوحي إلى رسوله -صلى
الله عليه وسلم- قوله تعالى: {وَمَا
كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ
ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ
ٱلۡعَٰلَمِينَ *
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ
مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [يونس: ٣٧-٣٨].
ثم يتبع المولى هذه الحجة البالغة بحجة أخرى
تخرس الكفار فيما يخرصون وتلجم ألسنتهم عما يكذبون فينزل قوله تعالى: {وَإِن
كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن
مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [البقرة: ٢٣]،
ثم تتم الآية التالية كمال صيغة التحدي بقوله عز وجل:
{فَإِن لَّمۡ
تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ
وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: ٢٤].
ويجتهد القاضي عياض -إمام المغرب- في تعليل
إنكار المنكرين بقوله: "فلم يزل يقرعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أشد التقريع
ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته
محجومون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتكذيب والإغراء والافتراء وقولهم: {إِنۡ
هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ} [المدثر: ٢٤]، و{سِحۡرٞ
مُّسۡتَمِرّٞ} [القمر:
٢]، و
{إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ}
[الفرقان: ٤]، و {أَسَٰطِيرُ
ٱلۡأَوَّلِينَ} [الفرقان:
٥]، وقد قال تعالى: {فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ}، فما
فعلو وما قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمُسَيْلَمَة كشف عواره لجميعهم، ولما
سمع الوليد بن المغيرة -وهو من فصحائهم- قوله تعالى: {إِنَّ
ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ
وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ}
[النحل: ٩٠] قال: والله إن له لحلاوة، وإن
عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر.
وذكر
أبو عبيدة أن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: {فَٱصۡدَعۡ
بِمَا تُؤۡمَرُ} [الحجر:
٩٤]، فسجد،
وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام، وكان موضع التأثير في هذه الجملة هو كلمة "اصْدَع"
في إبانتها عن الدعوة والجهد بها والشجاعة فيها، وكلمة "بما تؤمر" في
إيجازها وجمعها.
وسمع آخر رجلًا يقرأ: {فَلَمَّا
ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ} [يوسف: ٨٠] [الضمير في استيأسوا يعود على أخوة يوسف]، قال: "أشهد
أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذ الكلام" [كتاب
الشفا للقاضي عياض صفحة ٥٦].
وفي مقام إعجاز القرآن وحقيقة كونه لا يماثله
كلام بشر، وأنه كلام رب العالمين الذي لا يجاريه كلام مخلوق، الحديث الذي تمثل به
الشيخ ابن عاشور في المقدمة العاشرة: ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله -صلى الله عليه وسلم: «قالَ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي
وبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: {ٱلۡحَمۡدُ
لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} قالَ اللَّهُ تَعالى:
حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: {ٱلرَّحۡمَٰنِ
ٱلرَّحِيمِ} قالَ اللَّهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ
عَبْدِي، وإذا قالَ: {مَٰلِكِ
يَوۡمِ ٱلدِّينِ} قالَ:
مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، فإذا قالَ: {إِيَّاكَ
نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ} قالَ:
هذا بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ:
{ٱهۡدِنَا
ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ *
صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا
ٱلضَّآلِّينَ} قالَ:
هذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَأَلَ» [تفسير التحرير والتنوير: المقدمة العاشرة صفحة ١٠٨].
وفي تلك الدراسة القيمة التي
أعدها الشيخ الطاهر بن عاشور عن إعجاز القرآن وعن كونه كلام الله، وليس كلام بشر،
يضرب أمثلة عديدة لشهادة بعض عتاة الكفر قبل أن يُسلموا مثل الوليد بن المغيرة
-وقد أوردنا له فيما سلف وصفًا للقرآن- ومثل عتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث
وغيرهم.
وكان
الوليد بن المغيرة يذهب متخفِّيًا بليلٍ إلى بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتسمع
تلاوة الرسول للقرآن الكريم -وكذلك يفعل أقرانه دون أن يخبر أحدهم زميله للغرض
نفسه- فلما استمع الوليد إلى قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والله ما
هو بكاهن، وما هو بزمزمته ولا سجعه، وقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه، وقريضه
ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر".
وكذلك
فعل أُنَيْس بن جنادة الغفاري أخو أبي ذرّ حين اتجه إلى مكة ليسمع من النبي -صلى
الله عليه وسلم- ليخبر أخاه أبا ذرٍّ بما سمع، وكان أبو ذر مشوقًا إلى سماع خبر عن
القرآن من مصدر يثق به، وعن محمد الذي يتنزل عليه هذا القرآن، فعاد أُنَيْس إلى
أخيه ليخبره بما سمع فقال: "لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته
على أقراء الشعر -أي طرقه- فلم يلتئم، وما يلتئم على لسان واحد بعدي أنه شعر"،
فأسلم أنيس وأبو ذر [المصدر السابق صفحة ١١٤]، وكان
من شأن أبي ذر ما كان من اقترابه من رسول الله، ومن حب رسول الله له ما قد امتلأت
به كتب السيرة والصحاح من كتب الحديث.
لقد برع العرب حين نزول القرآن في فنون الأدب التي
كان الشعر أهمها شأنًا وأخطرها أثرًا، كانت لهم الفصاحة في الخطب والأمثال
والمحاورات، فجاء القرآن بأسلوب جديد صوغًا ومحتوى صالحًا لأغراض الحياة كلها تضَمَّن
الجديد من أغراض فنون القول جميعًا: الخطابة والحوار والجدل والقصص والرواية
والأخبار عن الأولين وضرب الأمثال وتربية المجتمع الإسلامي تربية رفيعة تصلح شأنه في
الدنيا وتسعد مصيره في الآخرة.