تُعد مراتب التلاوة من الأسس الجوهرية في أداء القرآن الكريم، وهي تعكس توازن القارئ بين أحكام التجويد، وفهم المعاني، وقد اهتم العلماء بتحديد هذه المراتب؛ لِمَا لها من أثر في تحسين القراءة، وضبط الأداء.
تُعد مراتب التلاوة من الأسس الجوهرية في أداء القرآن الكريم، وهي تعكس توازن القارئ بين أحكام التجويد، وفهم المعاني، وقد اهتم العلماء بتحديد هذه المراتب؛ لِمَا لها من أثر في تحسين القراءة، وضبط الأداء.
١ - التحقيق: وهو في اللغة: التدقيق، والتأكد، والإنجاز، وفي الاصطلاح: التأني في القراءة بإعطاء كل حرف حقه من إشباع المد، وتحقيق الهمزات، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار، والتشديدات، وتوفية الغنات، وتفكيك الحروف، وإخراج بعضها من بعض بالسكت، والترسل، واليسر، والتؤدة، وملاحظة الجائز من الوقوف بلا قصر، ولا اختلاس، ولا إسكان محرك، ولا إدغامه ... إلخ، مع مراعاة جميع أحكام التجويد. [بغية عباد الرحمن لتحقيق تجويد القرآن لمحمد بن شحادة الغول، ص ٧].
يقول الحافظ السيوطي: "التحقيق يكون لرياضة الألسن، وتقويم الألفاظ، ويستحب الأخذ به على المتعلمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط بتوليد الحروف من الحركات، وتكرير الراءات، وتحريك السواكن، وتطنين النونات بالمبالغة في الغنات، كما قال حمزة - رحمه الله تعالى - لبعض من سمعه يبالغ في ذلك: "أما علمتَ أن ما فوق البياض بَرَصٌ، وما فوق الْجُعُودَةِ قَطَطٌ، وما فوق القراءة ليس بقراءة؟". [الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/٣٢، طبعة الحلبي الرابعة ١٣٩٨هـ ١٩٧٨م].
٢ - الحدر: في اللغة: الإسراع، وفي الاصطلاح: هو إدراج القراءة، وسرعتها، وتخفيفها بالقصر، والتسكين، والاختلاس، والبدل، والإدغام الكبير، وتخفيف الهمزة، ونحو ذلك مما صحت به الرواية، مع مراعاة إقامة الإعراب، وتقويم اللفظ، وتمكين الحروف دون بتر حروف المد، واختلاس أكثر الحركات، وذهاب صوت الغنة، والتفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة، وهذا النوع مذهب ابن كثير، وأبي جعفر، ومَن قَصَرَ المنفصلَ كأبي عمرو، ويعقوب. [المصدر السابق].
ويتلخص من ذلك: أن الحدر هو الإسراع في القراءة مع مراعاة الأحكام.
٣ - التدوير: وهو في اللغة: جعل الشيء على شكل دائرة أي: حلقة، وفي الاصطلاح: هو مرتبة متوسطة بين الترتيل والحدر، أو بين التحقيق والحدر، قال الحافظ السيوطي: "وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة ممن مدَّ المنفصل، ولم يبلغ فيه الإشباع، وهو مذهب سائر القراء، وهو المختار عند أكثر أهل الأداء". [نفس المصدر].
٤ - الترتيل: وهو في اللغة: الترسل، ويقال: رتل الكلام: أحسن تأليفه، وأبانه، وتمهل فيه، وترتيل القراءة: الترسل فيها، والتبيين من غير بغي. [لسان العرب، لابن منظور، مادة "رتل"، ١٣/٥٧٨، طبعة دار المعارف].
وفي الاصطلاح: القراءة بتؤدة، واطمئنان مع تدبر المعاني، ومراعاة أحكام التجويد من إعطاء الحروف حقها من الصفات، والمخارج، ومد الممدود، وقصر المقصور، وترقيق المرقق، وتفخيم المفخم مما يتفق وقواعد التجويد، وهو أفضل المراتب الأربعة، فقد أمر الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال جل شأنه: {وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا} [سورة المزمل، آية ٤].
والفرق بين الترتيل والتحقيق - فيما ذكره بعض العلماء - أن التحقيق يكون للرياضة والتعليم والتمرين، والترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط، فكل تحقيق ترتيل، وليس كل ترتيل تحقيقًا. [الإتقان في علوم القرآن، ١/١٣٢٠].
وقول الحافظ السيوطي: "كل تحقيق ترتيل، وليس كل ترتيل تحقيقًا"، يريد به بيان النسبة بين الترتيل والتحقيق - على ما أعتقد - مما يكون في مقام التعليم يطلق عليه تحقيق، ويطلق عليه ترتيل أيضًا؛ لأن مقام التعليم لا ينافي التدبر والتفكر، وما يكون في مقام التدبر والتفكر يطلق عليه ترتيل، ولا يطلق عليه تحقيق؛ لأنه ليس مقام تعليم وتمرين؛ إذن: فالتحقيق أعم، والترتيل أخص، والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، وهو أن يجتمع الشيئان في شيء واحد، وينفرد الأعم.
اتفق العلماء على أن الاستعاذة مطلوبة من مريد القراءة، واختلفوا بعد ذلك هل هذا الطلب على سبيل الندب أو على سبيل الوجوب؟
فذهب جمهور العلماء، وأهل الأداء: إلى أنه على سبيل الندب، وقالوا: إن الاستعاذة مندوبة عند إرادة القراءة، وحملوا الأمر في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: ٩٨] على الندب، فلو تركها القارئ لا يكون آثمًا.
وقال ابن سيرين وهو من القائلين بالوجوب: لو أتى الإنسان بها مرة واحدة في حياته كفاه ذلك في إسقاط الواجب عنه.
وصيغة الاستعاذة عند جميع القراء: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"؛ لأن هذه الصيغة هي الواردة في القرآن الكريم كما في الآية السابقة، وهي الواردة أيضًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رضي الله عنه قَالَ: «اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى الله عَلّيه وَسَلَّم وَنَحْنُ عِنْدُهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى الله عَليهِ وَسَلم: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُهُ - لَوْ قَالَ - أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» [أخرجه أبو داود في سننه برقم ٤٧٨٠، والحاكم في المستدرك ٢/٤٤١، والطبراني في الكبير ١١/٦٧]
ولا خلاف بينهم في جواز غير هذه الصيغة من الصيغ الواردة عن أهل الأداء، سواء نقصت عن هذه الصيغة نحو: "أعوذ بالله من الشيطان"، أم زادت نحو: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم" إلى غير ذلك من الصيغ الواردة عن أئمة القراءة.
كيفيتها: يرى بعض الأئمة: أن المختار الجهر بالاستعاذة مطلقًا، وقيل: المختار الإسرار بها مطلقًا، وقيل: الجهر بالتعوذ أفضل إذا كان بحضرة القارئ من يسمع قراءته؛ لينصت السامع للقراءة، أما إذا لم يكن بحضرته من يسمع، أو كان ولكنه أراد أن يقرأ سرًا، فلا يطلب الجهر، وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة في الصلاة، وخارجها. [ينظر: النشر في القراءات العشر للحافظ ابن الجزري ١/٢٥٢-٢٥٩ طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، والإتقان في علوم القرآن، ١/١٣٩]؛ فإن المختار في الصلاة الإخفاء؛ لأن المأموم منصت من أول الإحرام بالصلاة.
البسملة: مصدر بسمل إذا قال: {بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} أو إذا كتبها، فهي بمعنى القول أو الكتابة، ثم صارت حقيقة عرفية في نفس {بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، وهو المراد هنا.
ولا خلاف بين العلماء في أن البسملة بعض آية من "سورة النمل"، كما أنه لا خلاف بين القراء في إثباتها أول سورة "الفاتحة" سواء وصلت بسورة "الناس" أو ابتدئ بها؛ لأنها وإن وصلت لفظًا، فهي مبتدأ بها حكمًا، وقد أجمع القراء السبعة أيضًا على الإتيان بها عند الابتداء بأول كل سورة سوى سورة "براءة"، وذلك لكتابتها في المصحف.
ويجوز لكل القراء الإتيان بالبسملة، وتركها في أواسط السور، لا فرق في ذلك بين سورة "براءة" وغيرها. وذهب بعض العلماء إلى استثناء براءة، فألحقها بأولها في عدم جواز الإتيان بالبسملة في أوسطها لأحد من القراء. [القول السديد في فن التجويد ص ٥٤ بتصرف للدكتور/ أحمد عبد الغني الجمل، طبعة أولى - مطبعة الحسين الإسلامية - ١٤١١هـ - ١٩٩٠م].
الأوجه التي تجوز للقارئ في الاستعاذة مع البسملة والسورة أربعة أوجه، وهي:
١ - وصل الجميع: بمعنى: أن يصل الاستعاذة بالبسملة، ووصل البسملة بالسورة.
٢ - قطع الجميع: بمعنى: عدم وصل الاستعاذة بالبسملة، وعدم وصل البسملة بالسورة.
٣ - وصل الاستعاذة بالبسملة، والوقف على البسملة، ثم يبدأ في قراءة السورة.
٤ - قطع الاستعاذة عن البسملة، ووصل البسملة بالسورة.
أما أوجه البسملة بين السورتين فيجوز للقارئ فيها ثلاثة أوجه، وهي:
١ - وصل الجميع: أي: وصل آخر السورة بالبسملة، ووصل البسملة بأول السورة الأخرى.
٢ - قطع الجميع: بمعنى: عدم وصل آخر السورة بالبسملة، وعدم وصل البسملة بأول السورة الأخرى.
٣ -قطع البسملة عن آخر السورة، ووصلها بأول السورة الأخرى.
وهناك وجه ممنوع عند الجميع لا يصح وهو: وصل البسملة بآخر السورة الأولى، وقطعها عن الأخرى.
مراتب التلاوة تشمل التحقيق، والترتيل، والتدوير، والحدر، ولكل مرتبة طريقتها في الأداء، وغايتها المقصودة، والترتيل هو الأفضل؛ لِمَا يجمعه من التؤدة والتدبر، بينما الحدر يعتمد على السرعة دون إخلال بالأحكام، أما الاستعاذة والبسملة، فلهما أحكام، وأوجه متعددة تُراعى بحسب حال القارئ، والمقام.
مخارج الحروف من أهم موضوعات علم التجويد، فبمعرفة المخرج الصحيح يتمكن القارئ من تجويد التلاوة
علم التجويد هو علم يُعرف به مخرج كل حرف، وحقه من الصفات اللازمة كالجهر والاستعلاء، و