كيف أصبح الأمن السيبراني أحد أهم مقوِّمات قوة الدولة واستقرارها في عصر الثورة الرقمية؟ وهل يمكن النظر إلى حماية الفضاء الإلكتروني باعتبارها مسئولية وطنية تتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض؟
كيف أصبح الأمن السيبراني أحد أهم مقوِّمات قوة الدولة واستقرارها في عصر الثورة الرقمية؟ وهل يمكن النظر إلى حماية الفضاء الإلكتروني باعتبارها مسئولية وطنية تتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض؟
الأمن السيبراني: هو تطبيق التقنيات والعمليات والضوابط لحماية الأنظمة والشبكات والبرامج والأجهزة والبيانات المتصلة بالإنترنت من الهجمات السيبرانية؛ حيث يتم استخدامه من قبل الأفراد والمؤسسات لتقليل مخاطر الهجمات السيبرانية والحماية من الاستغلال والوصول غير المصرّح به إلى مراكز البيانات والأنظمة المحوسبة الأخرى [مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار -مجلس الوزراء، بتصرف].
يُعد حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد جعلت الشريعة كل ما يحقق سلامة الإنسان وحمايته مقصدًا معتبرًا، قال الإمام أبو حامد الغزالي: "وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَنَفْسَهُمْ، وَعَقْلَهُمْ، وَنَسْلَهُمْ، وَمَالَهُمْ، فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ، وَكُلُّ مَا يُفَوِّتُ هَذِهِ الْأُصُولَ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ وَدَفْعُهَا مَصْلَحَةٌ" [المستصفى -أبو حامد الغزالي- ص١٧٤].
وإسقاطًا لـهذه الأصول الخمسة على واقعنا المعاصر، نجد أن الفضاء الرقمي أصبح ميدانًا رئيسًا لحفظ هذه الضروريات أو تبديدها؛ ومن هنا يسهم الأمن السيبراني في حماية العقول من حملات التضليل الرقمي ونشر الأخبار الكاذبة وخطابات التطرف التي تستهدف وعي الأفراد والمجتمعات، وهو ما يحقق مقصد حفظ العقل، كما يحمي الأمن السيبراني خصوصية الأفراد وسمعتهم من الابتزاز الإلكتروني وانتهاك البيانات الشخصية، وهو ما يندرج تحت حفظ العِرض الذي اعتنت به الشريعة الإسلامية.
وإذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا -من كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقراة- أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأُمّة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه وصلاحَ عقله وصلاحَ عمله وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه [مقاصد الشريعة الإسلامية -ابن عاشور- ج٣/١٩٤].
ويجسّد الأمن السيبراني مفهوم الأمن القومي الشامل؛ إذ يسهم في حماية الاقتصاد الوطني والمقدّرات العامة، وتأمين الخدمات الصحية والتعليمية، وصيانة البيانات والمعلومات، بما يحقق مصالح المجتمع، ويحفظ الضروريات التي جاءت الشريعة الإسلامية برعايتها، ويعزّز قدرة الدولة على مواصلة مسيرة التنمية والتحول الرقمي.
إن حماية الفضاء الرقمي ليست مجرد إجراء تقني، وإنما هي من مقتضيات عمارة الأرض وحفظ العمران الإنساني الذي جاءت الشريعة برعايته.
جاءت الشريعة الإسلامية بحماية المال وصيانته، وجعلته من الضروريات التي لا يستقيم أمر المجتمع بدونها، وقد بيّن الإمام الشاطبي أن مقصد الشريعة الكلي هو تحقيق مصالح الخلق في الدنيا والآخرة، وأن الأحكام الشرعية إنما جاءت لحفظ نظام المجتمع وتحقيق الصلاح العام، فقال: "ومن المعلوم أن الشريعة وُضِعت لمصالح العباد في العاجل والآجل" [الموافقات -الشاطبي، ج٢، ص: ٩].
وتطبيقًا لهذا المقصد الكلي في حماية مصالح العباد وحفظ نظامهم العام من التهديدات المعاصرة؛ تشهد مصر حراكًا قويًّا في مجال أمن المعلومات والشبكات، وذلك تزامنًا مع الاهتمام الدولي المتزايد بشأن أمن المعلومات، في ظل ما تشهده بعض دول المنطقة من اختراقات أمنية للبنية التحتية والشبكات والمعلومات نتيجة التطورات التكنولوجية المتسارعة، وأصبحت حماية الفضاء السيبراني وحماية مقدرات الاقتصاد الوطني التنموية والخدمية جزءًا رئيسًا لصيانة هذه الضروريات في ظل المعاملات المالية المعاصرة، وجزءًا من منظومة الأمن القومي الشامل للدولة.
أكّد الأمين العام لجامعة الدول العربية أن الأمن السيبراني أصبح ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي للدول، وأمن المجتمعات والأفراد والكيانات الاقتصادية، وإنّ العالم الرقمي صار عالمًا موازيًا مكتمل الأركان، لا يقل من حيث كثافة الأنشطة أو تعدُّد وتعقيد المجالات التي يشملها عن العالم الحقيقي [الهيئة الوطنية للإعلام، "الأمن السيبراني أصبح ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي للدول"، ٠٣ يونيو ٢٠٢٤].
وإدراكًا من الدولة المصرية لخطورة التهديدات السيبرانية عمومًا وخطورة الإرهاب السيبراني خصوصًا، فقد أولت اهتمامًا بالغًا بسبل مجابهة ذلك التهديد، وسارعت باتخاذ العديد من التدابير والإجراءات لتنظيم الفضاء السيبراني وحماية البيانات على مختلف المستويات، بما يدعم جهود بناء مصر الرقمية والتحول الرقمي ورقمنة الخدمات الحكومية وتبني المعاملات الرقمية [مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية -التجربة المصرية في مكافحة الإرهاب السيبراني: رؤية تحليلية د. رغدة البهي ٢٢فبراير٢٠٢٣].
وفي هذا الإطار، أطلق المجلس الأعلى للأمن السيبراني، التابع لرئاسة مجلس الوزراء، برئاسة وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، وهي تهدف إلى تأمين البنية التحتية للاتصالات والمعلومات بشكل متكامل لتوفير البيئة الآمنة لمختلف القطاعات لتقديم الخدمات الإلكترونية المتكاملة، وذلك في إطار جهود الدولة لدعم الأمن القومي وتنمية المجتمع المصري [الهيئة العامة للاستعلامات ٢٦سبتمبر٢٠٢٥].
ومن هنا فإن حماية الفضاء السيبراني تعد مسئولية وطنية تشارك فيها مؤسسات الدولة والأفراد، من خلال بناء الوعي الرقمي، وتطوير القدرات التقنية، والالتزام بالسلوك الأخلاقي في استخدام التكنولوجيا.
يتبين أن الأمن السيبراني أصبح مسئولية وطنية تتكامل مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الضروريات، وأن ترسيخ الوعي الرقمي، والالتزام بالقيم والأخلاق الإسلامية، ودعم جهود الدولة في حماية الفضاء السيبراني، يسهم في تعزيز الأمن القومي، ودعم التنمية والتحول الرقمي، وبناء مجتمع آمن ومستقر.
غاية الشريعة هي عمارة الأكوان لا إبادة الإنسان.
الإسلام سبق النظم الإدارية الحديثة إلى ترسيخ قيم العدل والأمانة، والشفافية والمساءلة.
التطرف السلوكي انحراف في طريقة التفكير والتعامل مع الآخرين.
كيف نحمي عقول الشباب من تيارات الغلو والتكفير؟