وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الشباب هم أمل الأمة النظير، وبهم تندفع الشرور؛ ولذلك يتربص بهم الأعداء ليغرسوا الأفكار الهَدَّامة في عقولهم، ومن أسباب التغرير بهم حداثة السن وقلة الخبرة، واستغلال الحماسة العاطفية التي لا يزمها إلا العقل الرصين، كما يلعب ضعف التربية الأسرية دورًا كبيرًا، فالأسرة هي المحضن الأول؛ وإذا فقدت أثرها التحصيني، تلقف الغلاة الشباب، أضف إلى ذلك الفراغ الذي هو داء قاتل، ووسائل الإعلام التي تبث سمومها عبر الشبكات، العلاج يكمن في التربية الصحيحة، واختيار الرفقاء الصالحين، وإيجاد المحاضن التي تزكي الملكات.
يجب سلك طريق المناصحة العلمية الهادئة المحفوفة بالشفقة؛ لأن الإسلام حرم العنف مقابلًا ذلك باللين واليسر، يقول سبحانه: ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومن مشكاة النبوة قوله - صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» [أخرجه البخاري: (٦٩٢٧ )]، إن وجه الوسطية المشرق هو هوية الأمة: لا إفراط ولا تفريط، بل توازن واعتدال، وضابط هذا كله العدل، وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة.
توفير الأمن الفكري هو السياج المنيع دون الانحراف؛ فالفكر المؤسس على الدين القويم يعصم صاحبه من غوائل التفجير، الأمن الفكري هو لب الأمن؛ لأن الأمم تقاس بعقول أبنائها، فإذا تلوثت الأفكار بمبادئ وافدة، جَاسَ الخوفُ خلال الديار، حقيقة الأمن الفكري تتجلى في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یَلۡبِسُوۤا۟ إِیمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، إن تحقيق هذا الأمن هو المدخل الحقيقي للإبداع والتطور والنمو الحضاري، وهو واحب شرعي لحماية المجتمع من كل قرصنة فكرية تخدش قيمه وثوابته.
إنَّ العناية بمقاصد الشريعة وكلياتها في علاج الملمات أمر جوهري لعلاج الآراء الفجة التي لم تراع حكم الحق - سبحانه - في الرحمة واليسر وحرمة الدماء، لم يُؤت الغلاة إلا من قِبَلِ فَهْمِهم الضيق وإهدارهم للمقاصد العظيمة، يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله: "استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد" [الموافقات : (٦/٢)]، إن سلوك منهج أهل العلم في معرفة تحقيق المَنَاطِ وحُسْنِ معرفة المصالح والمفاسد بميزان الشريعة هو الكفيل بِصَدِّ الأفكار التعسفية التي تتجاهل مآلات الأفعال التدميرية وآثارها الشنيعة على بيضة الإسلام.
الحوار منهج دعوي أصيل يصحح المفاهيم المغلوطة، ودليله قوله تعالى : ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: ١٢٥]، إن الحوار النزيه المُتَجَرِّد أثبت جدواه في عودة كثير من المتأثرين بالفكر المنحرف إلى رشدهم، يقول العلامة ابن عاشور - رحمه الله: "يجب على كل من يقوم مقام الرسول في الإرشاد أن يسلك طرائق الحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن" [التحرير والتنوير: (٣٣٤/١)]، إن فتح باب الحوار وتفعِّيل لجان المناصحة والمراجعة الفكرية المتخصصة يفرغ الشحنات الفكرية السالبة ويستبدلها بقناعات شرعية رصينة مستمدة من مشكاة الوحي.
إن تحصين الشباب من فكر التكفير يتطلب تكامل جهود الأسرة والمؤسسات لتوفير الأمن الفكري، ويظل فقه مآلات الأفعال، وترسيخ قيم الوسطية، واعتماد الحوار والمناصحة العلمية كبديل للغلظة، هو السبيل الأنجح لتفكيك الغلو واستعادة العقول المختطفة، فالرفق والرحمة هما ترياق التكفير الحقيقي.
إنَّ كمالَ التنزيهِ هو الحصنُ الحصينُ الذي يَقِي الوعيَ من عواصفِ الغلوِّ,
يتجلى موقف السلف الصالح كبنيانٍ مرصوص يزاوج بين جلال النقل وكمال العقل.
يُمثل الشباب الثروة الكبرى للأمة والمستهدف الأول لتيارات الغلو.