Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

زهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الدنيا

الكاتب

هيئة التحرير

زهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الدنيا

لم يعرف التاريخ زهدًا أصفى، ولا أعمق من زهد المصطفى  الذي ملك مفاتيح الدنيا كلها، ثم أعرض عنها طوعًا؛ ليعلّم البشرية أن العظمة في الترفع لا في التملك.

من فضائل الأعمال "الزهد في الدنيا"

الزهد في الدنيا من فضائل الأعمال التي لا يقوى عليها إلا خاصة الأولياء الذين ملئت قلوبهم بذكر الله، وكمال الرغبة في نعيم الآخرة، فهانت الدنيا في نفوسهم، واستحقروها، وأعرضوا عن زينتها، وتقللوا منها قال جل جلاله: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَیۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِیدُ زِینَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ﴾ الكهف: ٢٨]،  وقال جل جلاله: ﴿لِیَبۡلُوَكُمۡ أَیُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰاۚ﴾ [الملك:٢]، قال سفيان الثوري: "أحسن عملًا أزهدهم فيه"، وقال ابن عمر -رضي الله عنهما: «أخَذَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»؛ وكانَ ابنُ عُمَرَ، يقولُ: «إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، ومِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» [رواه البخاري برقم (٦٠٥٣)]، وجاء رجل لمحمد بن واسع، فقال: "أوصني، قال: أوصيك أن تكون ملكاً في الدنيا والآخرة، قال: كيف؟ قال: ازهد في الدنيا".[إحياء علوم الدين للغزالي، ٤/ ٥٥].

ومعنى "الزهد": الإعراض عن زينة الدنيا، والاستخفاف بشأنها، والرضا بالقليل منها.

قال ابن رجب: "ومعنى الزهد في الشيء الإعراض عنه؛ لاستقلاله، واحتقاره وارتفاع الهمة عنه يقال: شيء زهيد أي قليل حقير، وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم عنه". [جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، ٢/ ٨٥٦].

وزهد النبي ﷺ وثيق الصلة بكرمه، وكثرة إنفاقه؛ فقد كان  لا يأخذ من الدنيا إلا ما يقيم أَوَدَهُ، لا يجاوز حدَّ الكفاف، وكان  دائمًا ما يدعو ربه فيقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ ‌رِزْقَ ‌آلِ ‌مُحَمَّدٍ ‌قُوتًا». [رواه مسلم برقم (١٠٥٥)].

زهد النبي ﷺ (صور عملية)

لقد كانت حياة النبي ﷺ مدرسة عملية في الزهد، تتجلى في كل شيء يملكه من مسكن ومأكل ومشرب، وملبس، وحتى في نظرته إلى المال، وفيما يلي نبين بشيء من البسط ذلك:

أ‌- زهده  في المسكن:

كان بيت الرسول  متواضعًا للغاية، جاء الحديث عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إِنَّمَا ‌كَانَ ‌فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ  الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ» [رواه مسلم برقم (٢٠٨٢)]، ودخل عليه عمر -رضي الله عنه- فوجده نائمًا على حصير قد أثَّر في جنبه، فقال: "يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا أوطأ من هذا!" فردَّ عليه النبي  قائلًا: «‌مَا ‌لِي ‌وَلِلدُّنْيَا، ‌مَا ‌أَنَا ‌فِي ‌الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». [رواه الترمذي برقم (٢٣٧٧)].

ب‌- زهده  في المأكل والمشرب:

 كان طعامه  أبسط ما يكون؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ  ‌مِنْ ‌خُبْزِ ‌شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ». [رواه مسلم برقم (٢٩٧٠)]، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ  عَلَى ‌خِوَانٍ – مائدة - حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا (منخولًا ناعمًا) حَتَّى مَاتَ» [رواه البخاري برقم (٦٠٨٥)]، وكان يمر عليه الشهران ولا يوقد في بيته نار للطبخ، يعيش هو وأهله على التمر والماء، ولم يكن هذا عن عَوَز، بل كان يطعمه ربه، ويسقيه، وكان  لا يقبل على طعام الدنيا كثيراً، وتبعه أهله زهداً وجمالًا.

 ج- زهده  في الملبس:

كان لباس النبي  بسيطًا، ولم يكن مبهرجًا؛ فقد ورد عن أبي بردة -رضي الله عنه- قال: «أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْمُلَبَّدَةَ وإزارًا غليظًا». [رواه البخاري برقم (٢٩٤١)]، فلم يعتد الأقمشة الفاخرة أو الألوان الزاهية، بل كان يكتفي  بما يستر بدنه، ويقيه الحر والبرد .

 د- زهده  في المال:

لم يكن النبي  يجمع المال بل كان ينفقه فور وروده عليه؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: مشيت مع النبي ، فقال: «مَا ‌يَسُرُّنِي ‌أَنَّ ‌عِنْدِي ‌مِثْلَ ‌أُحُدٍ ‌هَذَا ‌ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ،...» [رواه البخاري برقم (٦٠٧٩)]، وعندما انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى لم يترك دينارًا ولا درهمًا، ولا عقارًا، بل ترك سلاحه، وبَغْلَته، وأرضًا جعلها صدقة للمسلمين.

بيان زهد المصطفى ﷺ وتأييده بالملائكة

عند الطبراني بإسناد حسن والبيهقي عن ابن عباس قال: كان رسول الله  ذات يوم وجبريل عليه السلام على الصَّفا، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سُفَّة من دقيق ولا كف من سَوِيق»، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هَدَّة من السماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ: «أمر الله القيامة أن تقوم؟» قال: لا، ولكن أمر الله إسرافيل عليه السلام، فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أن أُسيِّر معك جبال تِهامة زُمرُّداً وياقوتاً وذهباً وفضة فعلت، فإن شئت نبياً مَلِكاً، وإن شئت نبياً عبداً؟، فأومأ إليه جبريل أن تواضع، فقال: «بل نبياً عبداً» - ثلاثاً - كذا في الترغيب، [«المعجم الأوسط للطبراني» (٧/ ٨٨).قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ]. 

وعند الترمذي - وحسنَّه - عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «عرض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً - أو قال ثلاثاً أو نحو هذا - فإذا جعتُ تضرَّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك». كذا في الترغيب.

هل كان زهده ﷺ يعني الفقر؟

يخلط البعض بين الزهد والفقر، ويظنون أن حياة النبي  البسيطة كانت بسبب عوزه، وعدم تمكنه من الدنيا، وهذا فهم خاطئ، فالفرق الجوهري بين الزهد والفقر: الفقر هو الحاجة، وعدم القدرة على امتلاك الشيء، أما الزهد فهو القدرة على الامتلاك ثم الإعراض عن الشيء اختياراً وطواعية، ولقد كانت الدنيا تحت قدميه ، ولو أراد لجعل الله له قصوراً من ذهب، ولو شاء أن تكون له كنوز الأرض لكانت، ولكنه اختار الزهد.

وقد كان  قادرًا على الامتلاك، وقد جاء في الحديث أن النبي  قال لزوجته عائشة عندما أهديت له وسادة أكثر راحة: «رُدِّيهِ يَا عَائِشَةُ، ‌فَوَاللَّهِ ‌لَوْ ‌شِئْتُ ‌لَأَجْرَى ‌اللَّهُ ‌مَعِيَ ‌جِبَالَ ‌الذَّهَبِ ‌وَالْفِضَّةِ». [روله البيهقي في "شعب الإيمان" برقم (١٣٩٥)]. فهذه الرواية صريحة في أنه كان  قادرًا على أن تكون لديه كل ثروات الأرض، ولكنه اختار أن يعيش  كما يعيش عامة الناس، بل أشدهم تواضعًا.

ومع هذا لا يعني الزهد ترك العمل، أو إهمال الدنيا، فلم يكن زهده  يعني الكسل أو عدم السعي في الأرض، بل كان أعظم الناس عملاً، يكدح؛ ليكسب قوته، ويجاهد؛ لتبليغ رسالة ربه، ويقيم دولة، وإنما كان زهده  في التعلق القلبي بالدنيا، لا في العمل فيها، يقول تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: ٧٧]. فكان يأخذ نصيبه ﷺ من الدنيا دون أن ينسى آخرته.

الخلاصة

زُهد النبي ﷺ لم يكن فقرًا، ولا حرمانًا، بل كان اختيارًا واعيًا، يعلِّم القلوب أن متاع الدنيا زائل، وأن السعادة الحقيقية في القرب من الله تعالى. ولقد ضرب  للأمة أروع الأمثلة في الترفع عن زخارف الدنيا؛ ليبقى ﷺ قدوة خالدة في توجيه النفوس نحو الدار الآخرة.

موضوعات ذات صلة

ضرب لنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- النموذج الأمثل العملي لتعاليم الإسلام السمحة.

اختصّ الله تعالى سيدنا محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- بنسبٍ طاهرٍ ومولدٍ كريم، محفوظٍ من كل دنسٍ أو شبهةٍ منذ بداية الخليقة وحتى بزوغ فجر النبوة.

إذا أراد القلب أن يتأمل الكمال، فالكمال كله قد جمع في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو أصل الكمال.

موضوعات مختارة