تنوعت آثار سوء الاستدلال بالنص في جانبه الفكري والعقدي ومنها:
- قلب مرجعية النص وجعله تابعًا للهوى وإخفاء الحقائق
جاء
النص الشرعي في أصل التشريع للاتباع والانقياد له، وإن محاولة لَيِّ معانيه أو
إخفائه وعزل مرجعيته هو أمر مرفوض تمامًا في الشريعة؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ
لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة:
١٥]، وقال سبحانه فيمن يحرفون دلالات الآيات ويسيرون بها
وراء أهوائهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا
أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[فصلت: ٤٠]، فسوء الاستدلال يُخرج النص عن حقيقته ومقصده وجلاله،
ويجعله تابعًا لمقصد الإنسان وليس مصدرًا له، وهذا معصية وإثم كبير وإخفاء للحقائق
الشرعية الواضحة.
- ظهور الفرق المتجادلة وهدر الطاقات الحضارية للأمة
إن من أبرز الآثار الفكرية لسوء الاستدلال بالنص هو ظهور الفرق
المتجادلة والمتعاركة فيما بينها عبر التاريخ، والتي أهدرت الطاقات الحضارية
للأمة؛ حيث تحول النص بسبب سوء الاستدلال من مصدر للهداية والبناء إلى مادة للنزاع
والشقاق، مصداقًا للتحذير النبوي الشريف: «ما
ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلَّا أوتوا الجدَلَ»، ثمَّ تلا رسولُ اللَّهِ -
صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - هذهِ الآيةَ ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] [الترمذي: سنن الترمذي، ٣٢٥٣].
وقد نبه الإمام الغزالي بمرارة إلى هذا المنزلق الخطير مبينًا
أن انشغال الفرق بالجدل المذموم وسوء توظيف النصوص قد عطل مقاصد الإصلاح وبناء
المجتمعات بقوله: " وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه
الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها
في السلف فإياك وأن تحوم حولها واجتنبها اجتناب السم القاتل فإنها الداء العضال
وهو الذي رد الفقهاء كلهم إلى طلب المنافسة والمباهاة" [الغزالي، إحياء علوم الدين،
بيروت: دار المعرفة، ١ / ٤١].
ولو أن هذه الجهود الهائلة التي بُذلت في الصراعات الفكرية وتأييد
الباطل، والجهود العظيمة التي بذلها العلماء المخلصون في المقابل لبيان تزييفها
وهوانها، وُجّهت وصُرفت نحو عمارة الأرض، وخدمة المجتمعات الإسلامية وتطورها،
لتحققت مقاصد الاستخلاف الحضاري، ولكانت مجتمعاتنا اليوم في مقدمة الأمم من حيث
التطور والازدهار الحضاري والمادي.
- التفرق وتمزق وحدة صف المسلمين
إن
سوء الاستدلال يؤول مباشرة إلى التفرق وتمزق وحدة صف المسلمين، وقد حدث هذا الأمر
مِرارًا في تاريخ المسلمين؛ فالفرق لما انفصلت بأفهامها الفاسدة عن جماعة المسلمين
شقت بذلك الوحدة والاعتصام اللذين أمر الله سبحانه وتعالى بهما في مواطن عديدة من
كتابه العزيز؛ حيث قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فإذا اختلفوا وتعاطوا ذلك، كان لحدث أحدثوه من اتباع الهوى،
يوضح الإمام الشاطبي أن التفرق والعداوة لا يقعان بين متبعي الشريعة إلا
إذا دخل الهوى في الاستدلال، حيث يقول: "فإذا اختلفوا وتعاطوا النفار
والتقاطع، كان لحدث أحدثوه من اتباع الهوى، فلو استقاموا على طريقتها؛ لما
اختلفوا، ولكنهم مالوا مع مقتضى الأهواء، فافترقوا"
[الشاطبي، الاعتصام، دار ابن عفان، السعودية، ٢ /٧٣٥].
- إراقة الدماء المعصومة وإزهاق الأنفس
إن سوء الاستدلال بالنص لا يقف عند
الشقاق الفكري بل يتعداه إلى الفعل والسلوك؛ فهو قد يؤدي إلى إراقة الدماء، فكل من
الفرق المارقة والجماعات المنحرفة وغيرها من فئات الضلال قد قاموا بقتل المسلمين
غير مرة في التاريخ بناءً على ما استقر في عقولهم من سوء استدلال وتأويل.
وفي هذا الصدد، يحلل الإمام الشاطبي الجذور المعرفية لهذا التحول
الدموي عند الخوارج، مبينًا أن سوء تنزيل النص هو الذي قادهم للقتل، حيث يقول:
"فإنهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن
وإقرائه حتى ابتدعوا فيه ثم لم يتفقهوا فيه، ولا عرفوا مقاصده، ولذلك طرحوا كتب
العلماء وسموها كتب الرأي وخرقوها ومزقوا أُدُمَهَا، مع أن الفقهاء هم الذين بينوا
في كتبهم معاني الكتاب والسنة على الوجه الذي ينبغي، وأخذوا في قتال أهل الإسلام
بتأويل فاسد، زعموا عليهم أنهم مجسمون وأنهم غير موحدين"
[الشاطبي: الاعتصام، ٢ /٧٢٧].
ولم
تكن هذه الجناية السلوكية قاصرة على طائفة بعينها، بل هي سمة لازمة لكل من غلب
عليه الهوى وسوء الاستدلال؛ إذ يصف الإمام الشهرستاني (ت: ٥٤٨هـ) هذا
المسلك في العقلية الخارجية بأنهم: "هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -
وسيئاتهم مصوبة إلى المسلمين في استباحة دمائهم وأموالهم، وتكفيرهم بالذنوب
والسيئات، والقول بالخروج على الأئمة بالقتال"[راجع:
الشهرستاني، الملل والنحل، ١/١١٤ -١١٨].
- الانزلاق
نحو كفر الردة بتكفير المخالفين
إن سوء التأويل والاستدلال قد يسحب
صاحبه إلى الكفر؛ لأنه يحكم على مخالفيه بالخروج عن الدين مع أن الانحراف وضلال
الفهم قد حدث بالأساس من جهته هو، وبذلك يرتد عليه صنيعه ويشمله الحديث النبوي
الشريف: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا..»
[البخاري، الصحيح، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما
قال، ٦١٠٣]، وهل هناك في عواقب الانحراف الفكري أخطر من الولوج في الكفر؟!
يقول الإمام النووي
(ت: ٦٧٦هـ) في شرحه لهذا الحديث: "وأما وجه الحديث فقد قيل: معناه رجعت
عليه جنايته بتكفير أخيه، وجنايته تلك كفره؛ لأنه جعل المؤمن كافرًا، فكأنه سمى
الإيمان كفرًا، وهذا كفر ارتد عليه.. وقيل: هو محمول على الخوارج الذين يكفرون
المؤمنين" [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، بيروت: دار إحياء
التراث العربي، الطبعة الثانية، ١٣٩٢هـ، ،٢ /٤٩-٥٠].
ولما كان سوء
الفهم وغياب الوعي المقاصدي بالنصوص هو البوابة الرئيسية لكل انحراف علمي وسلوكي
في واقع الأمة، فقد شخص الإمام الشاطبي هذا الداء الفكري العضال مبينًا
خطورة الوقوف عند رسوم العبادات والأدلة الجزئية دون فقه غاياتها حيث قال:
"وعامتها ناشئ عن الجهل بمقاصد الشريعة، وتنزيل الأدلة على غير ما وضعت له،
أو أخذ بعضها دون بعض... فمن هنالك تقع الشبهة ويقع الخطأ، لكون الناظر أخذ الأدلة
الشرعية على غير الترتيب الذي وضعت عليه" [راجع:
الشاطبي: الاعتصام، ٢ /٦٩١ -٦٩٣].
وفي موضع آخر
يربط الإمام الشاطبي بين انحراف الفهم عن النص وبين فساد السلوك والعمل في
المجتمع، مؤكدًا أن سوء الاستدلال يخرج المرء تمامًا عن مراد الشارع سبحانه بقوله:
"كل علم شرعي فليس بمطلوب إلا من حيث هو خادم للعمل، وكل من خرج في فهمه
للشريعة عن هذا الأصل، فقد خرج عن مقصود الشارع، فالشريعة جاءت لتخرج المكلف عن
دواعي هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا" [راجع:
الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ١ /٧٣ -٧٤].
- التعصب
الأعمى والاختلاف المذموم
يؤدي
سوء الاستدلال إلى تفشي التعصب البغيض والاختلاف المذموم؛ فلو سألنا عن تصرفات
الفرق الضالة لماذا صدرت منهم هذه التصرفات والإضرار البالغ بالناس؟ لوجدنا أنهم
ينسبون تصرفاتهم بشدة إلى الدين ونصوصه على ضوء استدلالهم الفاسد، ويتعصبون
لآرائهم وهواهم الفكري أكثر من تعصب متدين يسير على منهج صحيح.
إن علة هذا الانحراف والتعصب المذموم
تبدأ أولًا من خلل فكري بنيوي في تلقي النص وفهمه؛ وهو ما شرحه الإمام الشاطبي
بكشفه عن المأخذ النفسي والمنهجي لأصحاب البدع، مبينًا أن داء الافتراق يولد من
انتزاع الأدلة من سياقاتها لتوافق الأهواء، حيث يقول: "إن
هؤلاء المبتدعة إنما اعتمدوا في استدلالاتهم على أدلة شرعية في زعمهم، إلا أنهم
أخذوها من غير مآخذها، ووضعوها في غير مواضعها، فصار ذلك سببًا في تفرقهم
واختلافهم... فإذا غلب الهوى صار صاحبه عبدًا له، فيتعصب لرأيه ويترك سبيل
الجماعة، ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنة والعمل بها حيلة وذريعة إلى نيل حطام
الدنيا، لا على التعبد بها لله تعالى، لأنه تبديل لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي"
[أبو إسحاق الشاطبي، الاعتصام، ١ / ٢٢٥].
ولا تقف جناية التأويل الفاسد عند
حدود فئة بعينها؛ بل إن هذا التعصب المذموم - الذي وصفه الشاطبي بأنه نتاج
غلبة الهوى وسوء الاستدلال - يتجلى بوضوح في مسالك التقليد الجامد التي نبه إليها
سلطان العلماء العز بن عبد السلام، مبينًا كيف يتحول هذا التعصب المنهجي
إلى علة تُعطل آليات الفهم، وتدفع بصاحبها إلى لَيِّ
أعناق النصوص والتأويلات البعيدة نصرةً لمتبوعه، وهو عين ما يقود إلى التفريق؛ حيث
يذكر: "ومن
العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه
مدفعًا ومع هذا يقلده فيه، ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه جمودًا
على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات
البعيدة الباطلة نضالًا عن مُقَلِّدِهِ، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس
فإذا ذُكِرَ
لأحدهم في خِلَافٍ
ما وظن نفسه عليه تَعَجَّبَ غَايَةَ
التَّعَجُّبِ من اسْتِرْوَاحٍ
إلى دليل بل لما ألفه من تقليد إمامه حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه أولى من
تعجبه من مذهب غيره، فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة
يجديها، وما رأيت أحدًا رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره بل يصير عليه
مع علمه بضعفه وبعده، فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية
مذهب إمامه قال لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه، ولم يعلم
المسكين أن هذا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ
وَيَفْضُلُ لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح، فسبحان الله ما
أكثر من أعمى التقليد بصره حتى حمله على مثل ما ذكر، وفقنا الله لاتباع الحق أين
ما كان وعلى لسان من ظهر، وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام
ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر على لسان الخصم، وقد نقل عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال: ما ناظرت أحدًا إلا قلت اللهم أجر الحق على
قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعته"[العز
بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة،
١ /١٥٩].
وحين يجتمع سوء الاستدلال الأصولي
كما صوره الشاطبي مع عمى البصيرة والتعصب للرأي كما فصله العز بن عبد السلام، تقع
الكارثة الكبرى وتتحول الأفكار المنحرفة إلى معاول هدم تسفك الدماء وتمزق الأوطان،
وهو المآل التاريخي الذي لخصه الحافظ ابن أبي العز الحنفي مبينًا جناية
التأويل الفاسد العظمى على الأمة بقوله: "هذا الذي أفسد الدنيا والدين،
وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم،
وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية،
فهل قُتل عثمان - رضي الله عنه - إلا بالتأويل الفاسد؟ وكذا ما جرى في يوم الجمل،
وصفين، ومقتل الحسين، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض،
وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟!" [ابن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية،
ص ١٨٩].
وبذلك يتضح بصورة قاطعة أن التعصب
المذموم حلقة مفرغة ممتدة؛ تبدأ بـهوى النفس وتحريف الاستدلال، وتمر بـالجمود
الأعمى المفضي إلى التدابر، لتنتهي بـتفريق الأمة واستباحة الدماء والحرمات باسم
الدين والغيرة عليه.
- فتح
الباب للمشككين وإضعاف يقين العامة
من الآثار الفكرية الخطيرة أنه في
ظل سوء الاستدلال يبرز بوضوح دور المشككين في القضايا الدينية الذين في قلوبهم
مرض، ويلعب هؤلاء لُعْبَتَهُمُ
الهزيلة والضعيفة بعدما يُفسح لهم المجال لتشويه الصورة الحقيقية النقية للإسلام؛
مستغلين في ذلك ترويج المعنى المنحرف المشوه الذي لجأ إليه سَيِّئُ الاستدلال،
ويترتب على ذلك ضعف اليقين وَتَزَلْزُلُ العقيدة عند بعض المسلمين الذين قلً
زادهم المعرفي؛ وعليه، فإن سوء الاستدلال بالنصوص له آثار مدمرة، فالأمراض الفكرية
والعقدية إنما جاءت وتسللت من هذا المنفذ الوخيم، وهو الذي يفتح الباب على مصراعيه
للتطرف والعنف.
وفي هذا السياق، يتحدث الإمام شهاب
الدين القرافي عن خطورة الجمود على الألفاظ وتأويلها بلا فقه، وكيف أن هذا
الجمود يُعد ضلالًا يفتح باب الطعن والجهل بمقاصد الشريعة، فيقول: "والجمود
على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين...
وهذه القاعدة مدرك شريف، وإهمالها أدى إلى مفاسد في الشريعة لا تحصى" [القرافي،
أنوار البروق في أنواء الفروق، دار الكتب العلمية، ١ /١٩١].
إن الجمود وسوء الفهم للنصوص والمنقولات يؤدي
إلى مفاسد في الشريعة لا تحصى، وهي البيئة التي يستغلها المشككون للطعن في الشريعة
بدعوى أنها جامدة أو متناقضة.