كيف يرتبط التنزيه العقدي بمحاربة الفكر المتطرف وحماية دماء المسلمين؟
يرسخ التنزيه قداسة الذات العلية بعيدًا عن الحسية المفرطة وأوهام التجسيم، مما يورث العبد أدبًا يفيض رحمة بالخلق، ويفكك ذريعة تقسيم التوحيد المحدث التي استغلها الغلاة في التكفير.
كيف يرتبط التنزيه العقدي بمحاربة الفكر المتطرف وحماية دماء المسلمين؟
يرسخ التنزيه قداسة الذات العلية بعيدًا عن الحسية المفرطة وأوهام التجسيم، مما يورث العبد أدبًا يفيض رحمة بالخلق، ويفكك ذريعة تقسيم التوحيد المحدث التي استغلها الغلاة في التكفير.
يرتكزُ المنهجُ الأزهريُّ في فهمِ عقيدةِ السلفِ على (الجمالِ المـُنـزَّه)؛ حيث أثبتوا للهِ ما وصفَ به نفسَه في كتابِه، لكنَّهم وقفوا عند حدودِ القداسة، فلم يَنزلقوا في وَهْمِ الكيفيات، ولم يَحبسوا الذاتَ العليةَ في أُطُرِ المادة، إنَّ إثباتَ (اليد) أو (الاستواء) هو إثباتٌ لِحقائقَ وجوديةٍ لا تخضعُ لـمقاييسِ الحوادث، صيانةً لـ (جنابِ الربوبية) عن مـشابهةِ الـمُحدثات؛ فالإيمانُ الحقيقيُ هو يقينٌ يورثُ التعظيم، لا جَدلٌ يُقيدُ الخالقَ في حدودِ الحواس، قال تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
تكمنُ معضلةُ الفكرِ المتشدد في (الحسيةِ المفرطة) التي تعجزُ عن تجريدِ الذاتِ عن الزمانِ والمكان؛ فيتوسلون بظواهرِ النصوصِ لإثباتِ الحدِّ والجهةِ والجلوس في جرأةٍ مَعرفيةٍ غريبةٍ على مذهبِ السلف، إنَّ المنهجَ القويمَ يَعتبرُ الصفاتِ كمالاتٍ مُطلقةً تليقُ بالأزل، في حين يَنفي (الصفاتِ السلبية) التي تَقدحُ في القدم؛ كالجسميةِ والتحيز، إنَّ اللهَ - سبحانه - كانَ ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، وهذا التنزيهُ هو الذي يَحفظُ العقيدةَ من أن تتحولَ إلى صورةٍ مادية تُغذي الانغلاقَ والتعصب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
إنَّ حقيقةَ التوحيدِ عند أهلِ الحقِّ هي شهودُ (الأحدية) التي تنفي كلَّ صورةٍ من صورِ التعددِ أو التركيب، فالذاتُ الإلهيةُ مُنزهةٌ عن التجزؤِ والتبعيض، ومن هذا المنطلقِ شيدَ أئمتُنا نقدَهم لتقسيمِ التوحيدِ المـُحدث (ربوبية وألوهية)؛ إذ هو تقسيمٌ اتخذَه المتطرفون ذريعةً لتمزيقِ الأمةِ وتكفيرِ المسلمين، غافلين عن أنَّ مَن استقرَّ في روعه أنَّ اللهَ (أحدٌ صمد) لم يجد فصلًا بين الخالقِ وبين الـمُستحقِّ للعبادة، فالوحدانيةُ حقيقةٌ صمديةٌ لا تقبلُ التشظي.
ويتجلى أثرُ هذا التنزيهِ في ترسيخِ (حُرمةِ الإنسان) فالتنزيهُ المطلقُ يورثُ العبدَ أدبًا مع اللهِ يَفيضُ رحمةً بخلْقِه، فالمتطرفُ الذي يتجاسرُ على الدماءِ هو نفسُه الذي تجاسرَ من قبلُ على (تكييفِ الذاتِ وتجسيمِها)، فكلاهما غيابٌ لروحِ التقديس، إنَّ العودةَ إلى مشكاةِ الأشعريِّ والماتريديِّ والطحاوي هي عودةٌ إلى الجمالِ الإلهي، فاللهُ - سبحانه - لا يشابه شيئا، ومَن عرفَه بقداسةِ التنزيهِ عَاملَ خلقَه بالرحمةِ والرفق، بعيدًا عن غلوِّ التكفيرِ ودمارِ التشدد، مُستمسكًا بقولِ النبي – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» [أخرجه البخاري (٢٥)]، وهي شهادةٌ عاصمةٌ للدماءِ مانعةٌ للتفرقة.
إن المعركة بين النص والعقل المحض ليست معركة إثباتٍ ونفي فقط.
إنَّ صيانة جناب التوحيد تبدأ من فهم لسان العرب الذي نزل به الوحي.
الجهاد في الإسلام فريضة عظيمة، تضبطها شروط شرعية وأخلاقية.