Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أزمة الفهم وغياب التدبر

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

أزمة الفهم وغياب التدبر

يمثل الخطاب النبوي الشريف منهجًا وقائيًّا لحماية الأمة من الانحراف الفكري والسلوكي، ومن أعمق الأوصاف التي أطلقها النبي لتشخيص ظاهرة الغلو والتديّن السطحي قوله عن الخوارج إنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وهذا الوصف ليس مجرد إخبار عن طائفة تاريخية، بل هو قانون معرفي وسلوكي يكشف خطورة انفصال النص عن الوعي، وتحول العبادة إلى طقوس حركية خالية تمامًا من المقاصد الشرعية الحقيقية.

سياق الحديث الشريف ورواياته في السنة النبوية

وردت هذه العبارة النبوية الشريفة في خط سياقي يذمُّ المروق من الدين والغلو فيه، وجاءت في أصح الكتب وعن جماعة من الصحابة الأجلاء، ومن أبرز هذه الروايات المعبرة: رواية أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري، أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال في وصف ذي الخويصرة التميمي وأتباعه: «يَدْعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ وَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»، وفي لفظ آخر في الصحيح أيضًا: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ». وكذلك جاءت رواية عبد الله بن عمر في صحيح مسلم في وصفه للمارقين بلفظ: «يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ».

التحليل اللغوي والدلالي لمعنى التراقي وعدم المجاوزة

يفكك شراح الحديث هذه العبارة تفكيكًا دقيقًا يربط بين الأعضاء الجسدية وبين الوظائف الإدراكية والعقلية للإنسان؛ فالتراقي والحناجر تعني أن التراقي جمع ترقوة، وهي العظم الواصل بين ثغرة النحر والعاتق، واختيار هذه المنطقة تحديدًا يشير إلى المساحة التي تقع فوق الصدر (محل القلب والوعي) وتحت الفم (محل النطق اللساني). أما دلالة عدم المجاوزة فتعني أن أثر القرآن يقف محبوسًا في هذه المنطقة الفاصلة، فاللسان يتحرك بالحروف، والصوت يخرج من الحنجرة، لكن المعنى لا ينفذ إلى القلب ليتدبره، ولا إلى العقل ليفقهه ويعمل بمقتضاه الشريف.

أدلة الشراح وأقوال العلماء في تفسير الحديث

تضافرت أقوال علماء الأمة وشراح الحديث على بيان مقاصد هذا الوصف النبوي، وتتلخص توجيهاتهم في أبعاد منهجية صاغوها في مصنفاتهم كما يلي:

 يرى الإمام النووي في شرح صحيح مسلم أن المقصد الأساسي من الحديث هو أن الإيمان لم يرسخ في قلوبهم، بل كانت قراءتهم مجرد حركة لسانية يمر بها الصوت عبر الحنجرة، دون أن يكون لقلوبهم نصيب من الفهم أو الخشوع، حيث يقول: "معناه: أن حظهم من القرآن لفظ اللسان، لا يتفقهون معناه، ولا يتدبرونه، ولا تقع مواعظه في قلوبهم، ولا يثبت فيها الإيمان؛ فليس لهم فيه حظ إلا مروره على اللسان والحنجرة والترقوة التي هي مبدأ الحلق" [شرح صحيح مسلم للإمام النووي دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط٢، ١٣٩٢هـ، ج٧، ص١٦٤-١٦٥].

ويذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن للحديث توجيهين محتملين عند أهل العلم، قال رحمه الله تعالى: "قوله: (لا يجاوز تراقيهم) قيل معناه: لا ترتفع قراءتهم إلى الله ولا تقبل، وقيل: لا يفقهونه ولا يعملون به فليس لهم من القراءة إلا مجرد اللفظ". [فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر دار المعرفة - بيروت، ج٩، ص١٠١].

ويشير الإمام القاضي عياض في إكمال المعلم إلى أن الوصف يعكس مسارعتهم في التلاوة وسرد الحروف دون تأمل في المعاني والمآلات، مما أدى إلى خروجهم عن جادة الصواب بسبب هذه السطحية المعرفية، قال رحمه الله تعالى: "وقوله: (لا يجاوز تراقيهم)؛ قيل: معناه أن قلوبهم لا تفقهه ولا تنتفع بما فيه، ولا حظ لهم منه إلا مروره على لسانهم، فهو كالموقوف في الحناجر والتراقي فلا يصل إلى الصدور التي هي مساكن القلوب... وقيل: الإشارة إلى هذّهم له وسرعة تلاوتهم دون تدبر لمعانيه ولا وقوف عند أحكامه". [كمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض بن موسى اليحصبي، ج ٣، ص ٦١٤- ٦١٥].

ويوضح الإمام القرطبي في المفهم أن الحديث الشريف يصف بدقة الخلل المنهجي المتمثل في الوعي السطحي واجتزاء الأدلة، قال رحمه الله تعالى في تعليقه على الحديث: "وصف لحال من يأخذ بظواهر النصوص دون فقه المقاصد والجمع بين الأدلة، فيستدلون بالآيات في غير موضعها". [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، الإمام: أحمد بن عمر القرطبي، ج ٣، ص ١١٢].

الآثار السلوكية والمنهجية المترتبة على غياب المجاوزة

الحديث الشريف يربط بوضوح بين النتيجة الفكرية المتمثلة في عدم مجاوزة التراقي والنتيجة السلوكية وهي يمرقون من الدين ويقتلون أهل الإسلام، هذا الانفصال ينتج عدة انحرافات خطيرة:

أولها الاجتزاء والسطحية المعرفية، فالقراءة التي تقف عند الحنجرة تمنع صاحبها من إدراك كليات الشريعة، ومقاصد الوحي في حفظ الضروريات الخمس، فيتعامل مع النصوص كشظايا معزولة.

وثانيها الاستعلاء بالعبادة الظاهرة، فقد وصفهم النبي بأن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم؛ لأن الجهد البدني في القراءة والقيام ظاهر وكبير، لكنه تفريغ جوف من العمق المنهجي والأخلاقي.

وثالثها إسقاط الآيات في غير موضعها، كما قال سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن الخوارج: "انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين". [صحيح البخاري، ج ٩، ص ١٦]، وهذا هو الأثر المباشر لعدم فقه أسباب النزول وسياقات النصوص.

سؤال وجواب

ما هي التراقي المقصودة في الحديث الشريف؟

التراقي هي عظام أعلى الصدر المحيطة بالعنق، والمقصود البلاغي أن تلاوتهم تظل حبيسة اللسان والحنجرة كظاهرة صوتية فقط ولا تتجاوزها لتصل إلى القلوب وتحدث أثرها المرجو.

ما الخطورة المنهجية المترتبة على الوقوف عند ظواهر النصوص دون فقه المقاصد؟

يؤدي ذلك إلى السطحية المعرفية والاجتزاء، وإسقاط الآيات في غير موضعها الصحيح، مما ينتج فكرًا مشوهًا يستبيح الدماء والأعراض المعصومة باسم الدين الحنيف وزجر المخالفين.

كيف استدل سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما على انحراف فهم الخوارج للنصوص؟

بين رضي الله عنهما أنهم عمدوا إلى آيات ونصوص حكيمة نزلت في حق الكفار والمشركين، فأسقطوها وطبقوها على أهل الإيمان والمسلمين نتيجة لغياب فقه السياق وأسباب النزول.

الخلاصة

إن حديث لا يجاوز تراقيهم يقرر قاعدة إسلامية أصيلة تشير إلى أن العبرة في التعامل مع الوحي ليست بكثرة الحروف وسرد التلاوة، بل بنفوذ الهداية إلى القلوب وظهور أثرها في العمل الصالح. فالقرآن أنزل ليتدبر العباد آياته الحكيمة ويعملوا بمقاصدها، وإذا تحول إلى مجرد ظاهرة صوتية دون وعي مقاصدي، أثمر فكرًا مشوهًّا يستبيح الدماء باسم الدين، وهو عين المروق الذي حذر منه المصطفى. وينبغي على باحثي الشريعة استلهام هذا التوجيه النبوي لترسيخ الوعي المقاصدي وجمع الأدلة وسياقاتها لحماية المجتمعات من آثار السطحية المعرفية والجمود الظاهري المعاصر.

موضوعات ذات صلة

يمثل الفكر مركز السلوك الإنساني، ومن ثم فإن انحرافه العقدي والسلوكي يولد فكرًا تكفيريًّا يستهدف هيبة العلماء

 إنَّ مذهب الخوارج ليس مجرد طائفة عابرة، بل هو مأزق فكري ونفسي يختزل الشريعة في حد السيف

هل يصح تأسيس أصلٍ عقدي يُكفر مخالفه بناءً على أخبار الآحاد الظنية

لماذا يعد مذهب الخوارج المعاصرين أخطر داء يواجه وحدة الفكر الإسلامي اليوم