اهتم
الأشاعرة بضبط وحصر مقالات الإسلاميين وتصنيف فرقهم، كما نرى في مصنفات الإمام أبي
الحسن الأشعري، وأبي منصور البغدادي، والشهرستاني، ولم
يكن هذا الحصر والتقسيم يهدف إلى إقصاء الآخر أو تكفيره، بل كان نابعًا من مقتضيات
البحث والدرس العقدي، بل اعتبره البعض ميزة لتطور علم الكلام، وأنه لا يتصور علم
كلام بدون هذا الحصر والاستيفاء.
ولا شك
أيضًا أن هذه العناية بالحصر والاستيفاء، وتصنيف المقالات لها أهداف ومقاصد كبرى
وجهت الخطاب الأشعري، بل البناء الأشعري بشكل عام [الخطاب
الأشعري موقفه من المخالف ودعوى تحوله إلى منطق التضليل والتكفير، د/ وسام رزوق،
ص: (١١)، مرجع سابق].
وفي
التعامل مع حديث (افتراق الأمة) الذي يرويه سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افترقتِ اليهودُ على إحدَى وسبعينَ فرقةً،
وافترقتِ النصارَى على اثنتَينِ وسبعينَ فرقةً، وستفترقُ هذه الأمةُ على ثلاثٍ
وسبعينَ فرقةً كلُّها في النارِ إلا واحدةً، قيل: من هي يا رسولَ اللهِ؟ فقال
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: مَن كان على مِثلِ ما أنا عليه وأصحابِي» [رواه أبو
داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح
على شرط مسلم]، وهذا الحديث له روايات كثيرة.
يظهر
للمتتبع لتراث علماء أهل السنة والجماعة الأشاعرة بوضوح أن الأشاعرة لم يتخذوا هذا
مطية للتكفير والتبديع، فالإمام أبو الحسن الأشعري في (مقالات الإسلاميين)، أوضح
في صدر كتابه هذا البعد، وكلامه فيه واضح بعدم تكفير المخالف، وإخراجه من عباءة
الإسلام، حيث يقول: "أما بعد؛ فإنه لا بد لمن أراد معرفة الديانات، والتمييز
بينها، من معرفة المذاهب والمقالات، ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر
المقالات، ويصنفون في النحل والديانات؛ من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره
من قول مخالفه، ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه"،
ثم قال: "اختلف الناس بعد نبيهم- صلى الله عليه وسلم- في أشياء كثيرة ضلل
فيها بعضهم بعضًا، وبرئ بعضهم من بعض؛ فصاروا فرقًا متباينين، وأحزابًا مشتتين،
إلا أن الإسلام يجمعهم، ويشتمل عليهم" [مقالات
الإسلاميين واختلاف المصليين، الإمام أبو الحسن الأشعري، (ج ١، ص: ٣٤)].
وفي
هذا الكلام قطع الطريق أمام دواعي التعصب والهوى والإقصاء الذي يؤول معها الأمر
إلى التكفير والتبديع.
ويرى
الإمام الشهرستاني في (الملل والنحل) أن الحق في المسائل العقلية واحد لا يتجزَّأ،
وبالتالي فإن التزام عقائد الجماعة هو سعيٌ لموافقة الحق، ومع ذلك اشترط على نفسه
في كتابه أن يورد مذهب كل فرقة من غير تعصب أو تحامل، دون إطلاق أحكام تكفيرية، وبهذا
الاعتبار، فليس بصحيح أن توظيف الخطاب الأشعري لحديث افتراق الأمة مقصده تكفير
الآخر، وإقصاؤه من النجاة، بل توظيف نابع من إيمانه بأن الحق لا يقبل التجزئة، ومن
سعيه الحثيث لموافقة معيار النجاة المحدد في الحديث؛ وهو التزام عقائد الجماعة، ثم
تقريرها والدفاع عنها بتوظيف سلطة العقل والنقل [راجع الملل
والنحل للشهرستاني، ص: (٩)].
ومن
جانبه، قدم الإمام الغزالي تأويلًا واسعًا لمفهوم (الفرقة الناجية) و(الفرقة
الهالكة) في كتابه (فيصل التفرقة)، حيث ضيق دائرة التكفير والخلود في النار وحصرها
فقط في الفرقة التي كذّبت الرسول أو جوزت الكذب عليه، مما أخرج سائر الفرق
الكلامية والاعتقادية من دائرة الكفر والخلود في النار طالما تمسكت بالشهادتين ولم
تجوز الكذب على النبي- صلى الله عليه وسلم.
حيث
يقول: "ومعنى (الناجية): هي التي لا تعرض على النار، ولا تحتاج إلى الشفاعة،
بل الذي تتعلق به الزبانية لتجره إلى النار فليس بناج على الإطلاق، وإن انتزع
بالشفاعة من مخالبهم... وتكون الناجية واحدة؛ وهي التي تدخل الجنة بغير حساب ولا
شفاعة؛ لأن من نوقش الحساب عذب، فليس بناجٍ إذن، ومن عرض للشفاعة فقد عرض للمذلة،
فليس بناجٍ أيضًا على الإطلاق... فأما الهالكة المخلدة في النار من هذه الفرق فهي
فرقة واحدة؛ وهي التي كذبت وجوزت الكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم-
بالمصلحة" [فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، حجة الإسلام
الغزالي، ص: (٧٥، ٧٦)].
هذا
التأويل من الإمام الغزالي لمعنى الفرقة الناجية، أبعد جميع الفرق من الوسم
بالكفر، والخلود في النار، طالما لم تجوِّز الكذب على الرسول - صلى الله عليه
وسلم-، وطالما تمسكت بقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وأصبحت الفرق
الاثنين والسبعون كلها في الجنة إلا واحدة؛ وهي المجوزة للكذب بالمصلحة، وهذه
الفرقة هي التي ينعتها الإمام الغزالي بالزنادقة، وهي عنده المقصودة في حديث رسول
الله- صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي بضعا وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا
الزنادقة» [أورده السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث
الموضوعة، ج ١، ص: ٢٤٨)، قال العقيلي: هذا حديث لا يرجع معه إلى صحة، وفي سنده من
اتهم بالكذب والوضع].
فهذا
الحديث المقلوب المتن، لا يعارض الأول عند الإمام الغزالي، ولعل الجمع بينهما هو
ما أوحى له بتسمية كتابه الذي صاغ فيه ضوابط التكفير وقوانينه بـ(فيصل التفرقة بين
الإسلام والزندقة).
والحق
أن القارئ لتصانيف الإمام الغزالي؛ نحو: (فيصل التفرقة)، وكتاب (الاقتصاد في
الاعتقاد)، و(القسطاس المستقيم)، و(فضائح الباطنية)، و(إلجام العوام عن علم الكلام)
وغيرها، يدرك أنه جعل طريق من يطلب التكفير وعرة المسلك، وبابَ وُلُوجِهِ أضيقَ من
سّمِّ الخياط، حتى قال الشيخ أبو سالم العياشي في وصف كلام وأقوال الغزالي في
التكفير: "إذا تدبرها المنصف، لا يكاد يحكم على من ظاهره الإسلام بكفر أبدًا،
بل يجريه على الإسلام الظاهر، ويكل سريرته إلى الله تعالى" [العدل
والإنصاف، لأبي سالم العياشي، (ج ١، ص: ١٨١)، وراجع بتوسع: [الخطاب الأشعري موقفه
من المخالف ودعوى تحوله إلى منطق التضليل والتكفير، د/ وسام رزوق، ص: (١٧)، مرجع
سابق].
فضلًا
عن أن حديث افتراق الأمة للعلماء فيه مذاهب متعددة، وكذلك اختلفوا في عبارات
الحديث ما يصح منها وما لا يصح، وكيفية فهم هذه الحديث فهمًا صحيحًا، ومن الكتب
الجامعة في شرح هذا الحديث وبيان ما فيه كتاب شيخنا العلامة الشيخ: محمد عبد
الباعث الكتاني رحمه الله والذي سماه: (إبراء الذمة بتحقيق القول حول افتراق الأمة).