وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يقوم جوهر الموقف الكلامي عند إمام أهل السنة والجماعة على ترسيخ مركزية الوحي؛ حيث النص هو القطب الذي تدور حوله رحى المعرفة، فالإمام أحمد ينظر إلى (أصول السنة) بوصفها حبل ممدود من لدن الصحابة الكرام، لا مجال فيه لابتداعِ قولٍ لم يسبقه إليه أثر، أو سلوكِ دربٍ يضربُ فيه القياسُ معالمَ الغيب، إن السنة عنده هي نورُ الكاشف للقرآن، وليست مجرد ظهيرٍ له، وهي برهانٌ يتجاوزُ إدراك العقول المحدودة بآفات الأهواء، فالتسليم هنا هو قمة العقل، والاتباع هو جوهر التحقق بالعقيدة الصحيحة.
تتجلى عبقرية الإمام في التفريق الحاسم بين (الإيمان بالظاهر) وبين (التجسيم والتمثيل)؛ فهو يثبت ما ورد في الأثر من صفات الرؤية وغيرها، لكنه يضربُ سياجًا منيعًا دون السؤال بـ(كيف) أو (لماذا)، إن الانشغال بكيفية الغيب هو انشغالٌ بما طوى الله علمه، ولذا كان مذهبه هو (التفويض المعنوي) في المواضع التي تكلُّ فيها العقول، وهو تفويضٌ إيجابي يعترف بلسان الحال والمقال: (أمرُّوها كما جاءت بلا كيف)، وهذا المسلك هو الحصن الحصين الذي يمنع انزلاق الأفهام إلى هاوية التشبيه التي سقط فيها مدعو السلفية المعاصرون حين جمدوا على معانٍ حسيّة لا تليق بجلال الذات الإلهية.
لم يكن الإمام أحمد رادًّا لأصل العقل؛ بل كان حربًا على (الجدل العقيم) الذي يورث الشك ويقطع صلة العبد باليقين، فالكلام المذموم عنده هو ما قام على الأغاليط وتأويل القرآن بغير أدواته الشرعية واللغوية، أما الدفاع عن حياض العقيدة، والرد على الزنادقة والجهمية، فهو عنده من صميم (الجهاد العلمي)، لقد استعمل الإمام في رده براهين عقلية، وضرب الأمثال لتقريب الحقائق، مما يبرهن على أن موقفه لم يكن جمودًا، بل كان فقه استدلال يضع النص في الصدارة، ثم يستعين بالعقل كخادمٍ للوحي ومنافحٍ عنه، وهو ما سار عليه الإمام أبو الحسن الأشعري من بعده.
إن موقف الإمام أحمد الكلامي يتبلور في تقديم (التأويل الصحيح) القائم على أصول اللغة وتفسير القرآن بالقرآن والسنة، لمواجهة (التأويل الفاسد) الذي مارسته الفرق الضالة، في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية)، نجد الإمام يفكك شبهات المتشككين من خلال العودة إلى (بوتقة اللغة) التي نزل بها الوحي، فهو لا يرفض البحث في المعنى، بل يرفض (إخراج النص عن سياقه) لخدمة أجندات فكرية مسبقة، فمنهجه يقوم على أن النص القرآني يمتلك طاقة الذات على كشف مضمونه إذا ما جُردت العقول من الأغراض، واستنارت بضوابط الفهم العربي الرصين.
إن مذهب الإمام أحمد هو الوقوف بالحق في وجه الباطل، وإعطاء الصدارة للنص مع إعمال العقل في الذب عنه، فهو إمامٌ لم يمنع الكلام دفاعًا عن الدين، وإنما منعه افتراءً على اليقين، ليبقى مذهبه نبراسًا وسطًا بين جفاء التعطيل ونار التشبيه.
إن حماية الشباب من الأفكار المتطرفة ليست مسؤولية جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية جماعية ومتكاملة.
إن دور المؤسسات الدينية في التصدي للتطرف ليس دورًا هامشيًا، بل هو جوهر المواجهة الفكرية.
إن الإمام الأشعري لم يبتدع في دين الله مذهبًا جديدًا.