وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إنَّ التأويل عند أهل الحق ليس مسلكًا عبثيًّا؛ بل هو منهجٌ منضبطٌ بقواعد الأصول؛ فمتى تضافرت النصوص القاطعة وتظافرت على حقيقةٍ شرعية توافق ضرورة العقل والسمع - كخلود النار والبعث الجسماني - امتنع تأويلها وصار القول بصرفها عن ظاهرها شططًا، ومن هنا يتجلى التناقض المنهجي في دعوى (فناء النار)؛ إذ عُطّلت النصوص المتواترة القاطعة تحت وطأة أوهامٍ ظنية، في حين تم التشدد في إثبات ظواهر أخرى توهم التشبيه، فالحق ما قرره الإمام السبكي: أنَّ ما عُلم من الدين بالضرورة لا مدخل للتأويل فيه كليًّا، لأن التواتر يقطع دابر الاحتمال، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ﴾ [التوبة: ١١٥].
خاطبنا الله بـ(لسان عربي مبين)، واللغة لا تعرف اللفظ المهمل، فدعوى أن الصفات كـالوجه واليد ألفاظ مجهولة المعنى كليًّا هي دعوى بطلان تجعل القرآن كالأعجمي في حق العربي، إن السلف أثبتوا اللفظ ونفوا (الكيف)، فالمعية معلومة لغةً بالإحاطة والنصرة، والاستواء معلوم بالعلو والقهر، لا بالجلوس والحلول الحسي، إنَّ الحشوية جمدوا على (الحس) والمادية، بينما القرآن يصرح بالتنزيه في قوله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
يحاول المتشددون التستر خلف عباءة الإمام أحمد والسلف، والحقيقة أنَّ الإمام أحمد كان أبعد الناس عن الحشو؛ فقد ثبت عنه تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] بمجيء ثوابه أو آيات قدرته، كما نقل البيهقي بسندٍ صحيح، إنَّ منهج السلف هو (الإمرار مع التنزيه) لا (الإثبات مع التجسيم)، وشتان بين من ينفي الكيف عن الله وبين من يثبت (حركة ونقلة وقدرة) يرفضها صريح العقل وصحيح النقل، قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩].
إنَّ (الحشوية) منهج يتسم بالتعصب للمادة والحس؛ فهم يقبلون الأخبار بلا تمحيص، ويصفون الخالق بصفات الأجسام من قعود واستقرار - تعالى الله عن ذلك - إن خطورة هذا الاتجاه تكمن في استغلال عواطف العامة وتكفير المخالفين تحت ستار (السنة)، والمخرج هو إحياء (العقل البرهاني) فالإمام ابن جماعة- هو بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني (توفي ٧٣٣ هـ) - نبه إلى أن (التشبيه) فتنة العامة، بينما الحق هو التوسط الذي يحفظ هيبة الربوبية، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤].
إنَّ معركة التنزيه هي معركة العقل والقلب؛ فالله لا يُدرك بالحواس ولا يُحد بالجهات، وإنَّ مواجهة الحشوية تتطلب العودة إلى منهج الدين القيم الوسطي الذي يقدس النص ويفهمه بأدوات اللغة والعقل، بعيدًا عن تجسيم المشبهة أو شطط المعطلة الذين يضلون عن مراد الله.
إن المعركة بين النص والعقل المحض ليست معركة إثباتٍ ونفي.
إن مذهب الإمام أحمد ليس مجرد نصوصٍ تُروى.