هل العلوم الإسلامية جزرٌ منعزلة أم نسيجٌ مترابط؟
إن التقوقع في فنٍ واحد يورث الجمود ويفسح المجال للتشدد، والإجابة تكمن في "الملكة العلمية" التي تتقن الربط بين الأدوات، فبالامتزاج المعرفي نتحصن من الانغلاق.
هل العلوم الإسلامية جزرٌ منعزلة أم نسيجٌ مترابط؟
إن التقوقع في فنٍ واحد يورث الجمود ويفسح المجال للتشدد، والإجابة تكمن في "الملكة العلمية" التي تتقن الربط بين الأدوات، فبالامتزاج المعرفي نتحصن من الانغلاق.
إن ما نبت في عصرنا من تيارات فكرية مأزومة، تفتقد لـمنهج امتزاج العلوم، هو السبب الرئيس في حالة التشدد والاضطراب المعرفي؛ حيث توهم هؤلاء أن استقلال الفنون يعني انفصالها، فراحوا يتهمون الأصوليين بالخروج عن مقاصد العلم لمجرد إدخالهم مباحث عقلية أو لغوية، وغفل هؤلاء عن أن هذا الامتزاج هو (المنهج الوسطي الأزهري الأشعري) العتيق الذي صقل عقول الأمة لقرون، وحماها من السطحية، إنَّ من يحاول فهم النص بمعزل عن أدوات المنطق واللغة كمن يحاول الطيران بجناحٍ واحد، قال تعالى: ﴿أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبࣱ یَعۡقِلُونَ بِهَاۤ﴾ [الحج: ٤٦]؛ والعقل لا يكتمل إلا بتداخل الفنون واستمداد بعضها من بعض.
لقد تجلت (سمة التأليف) عند علمائنا في أبهى صور التلاحم المعرفي؛ فترى الأصولي متكلمًا، ومحدثًا، ولغويًّا في آن واحد، فبينما غلبت (النزعة الكلامية) على من برعوا في علم الكلام كالإمام الغزالي، رأينا السمة الحديثية عند الخطيب البغدادي وابن عبد البر، والسمة الفروعية عند الحنفية، هذا التعدد ليس خلطًا، بل هو (تكامل العلوم) الذي يسمح بتطبيق القواعد الأصولية على سائر الفنون، إنَّ هذا التنوع المعرفي هو الصدّادة الحقيقية ضد التطرف؛ لأن المتطرف يحصر الشريعة في زاوية ضيقة، بينما الأصولي المتمكن يرى اتساع الوحي من خلال اتساع أدواته العقلية والنقلية.
إنَّ المنهج الأزهري يربي في المتعلم ما نسميه (ذكاء الربط)، وهو القدرة على (تجريد الكليات) وإسقاطها على الجزئيات، انظروا إلى الإمام الفراء حين سُئل في الفقه فأجاب بقواعد النحو، أو الإمام (أبي عمر الجرمي) الذي كان يُفتي الناس من (كتاب سيبويه)؛ لأن إتقان (النظر والتفتيش) في قواعد اللغة يولد ملكة الاستدلال الصحيح، إنَّ هذا الربط هو الذي يجعل الفقيه يدرك مقاصد الشريعة ولا يقف عند حرفية النص التي يقتات عليها المتشددون، فمن لم يذق طعم اللغة وجمال المنطق، ظلَّ عقله حبيس الظواهر، بعيدًا عن جوهر الاستنباط.
إنَّ الغاية من هذا الامتزاج هي تكوين (الملكة العلمية)، وهي نور يقذفه الله في قلب العالم يجعله يدرك تقاطعات العلوم، إنَّ غياب هذه الملكة هو الذي أنتج عقولًا (داعشية) أو (متطرفة) تتعامل مع النصوص كآلات صماء، فتقتل وتدمر باسم الفهم الخاطئ، إنَّ التمكن من أصل فن واحد هو المفتاح لسائر الفنون، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُّ فِي الدِّينِ» [متفق عليه: البخاري ومسلم]، والفقه هنا هو الفهم العميق المتصل بكل أدوات المعرفة، لا مجرد حفظ المسائل والقشور.
يعدُّ (المنهج الامتزاجي) هو الحصن الحصين لبناء عقلية أصولية مستنيرة؛ إذ إنَّ الفصل بين العلوم عجزٌ يحول دون تكوين الملكة الرصينة، إنَّ توظيف المنطق واللغة في (صناعة الاستنباط) يمنح الباحث القدرة على تطويق الفروع بالكليات، تجسيدًا للمنهج الأزهري الذي أثبت أنَّ شمولية المعرفة هي الترياق الأوحد لمواجهة سموم التطرف والانغلاق.
يُعَدُّ التكفير إعصارًا فكريًا مدمرًا يحيل طمأنينة المجتمعات إلى رعب وهلع .
المسار التاريخي والعقدي لظاهرة التكفير، يبدء من نشأة الخوارج المارقة وصولًا إلى بدعة المعتزلة في "المنزلة بين المنزلتين".
ظاهرة التكفير في العصر الحديث وصِدَامها بالثوابت الشرعية، لها أثرها التاريخي الممتد من عهد الصحابة - رضي الله عنهم - .